القصة القصيرة

برج ايفل

بعد زواجها بليلة واحدة هاجرة مع زوجها المستقبلي الى فرنسا لينعمى بشهر عسل رائع و حياة هانئة سعيدة، اما أنا فقد تدمرت أحلامي و هدم كل ما بنيته لأجد نفسي أعيش جنون لا نظير له، فأردت بعدها بشهرين أن أسافر الى هناك حيث اختارت أن تكون هي و كنت أريد السفر لكي أراها مرة أخرى عسى يشفى قلبي أو يمكن له أن يلتهب أكثر، حظرت حقيبتي و مسكت تذكرتي للرحيل، قبلت العزيزة الغالية و التحقت بالقطار لأصل للمطار بأسرع وقت
مرت ساعتين وها انا ذا أمضي خطواتي الأولى للوصول اليها و ما كان يخالجني هو شوق كبير لأصل اليها فقط ، أراها، و أملء عيني بوجهها الجميل لأحظر معي الذكرى الأخيرة منها، ركبت الطائرة و حظرت نفسي وكنت أقول حينها لم تبقى لي سوى ساعتين فقط وسأكون هناك.
وصلنا باريس كان الجو رطب للغاية، أكملت كل ما كان يتوجب علي عند الوصول وخرجت أمام باب المطار لأتذكر أنني لا أملك عنوانها ولا رقم هاتفها، بقيت محتارا و شل تفكير و أصبت بخوف لم أصب بمثيله يوما، أوقفت سيارة أجرى و كلمته بالفرنسية الى أقرب فندق من فضلك، انطلق السائق و أنا في حيرة من أمري، كيف سأفعل وكيف سأتخلص مما أنا في، وصلنا الفندق و إستأجرت غرفة، وعند دخولي تذكرت … قالت أنها ستذهب كل يوم الى برج إيفل قبل رحيلها وقالت سأذهب يوم السبت بالخصوص الى هناك، فكانت آخر أمانيها، فنظرت الى مذكرتي؛ انه يوم السبت، رفعت بنظري من عدة اتجاهات في الغرفة باحثا عن الهاتف وما ان وقعت عيني عليه حتى وجدت نفسي أمسك السماعة و أتكلم:
– خدمة الغرف ماذا تريد يا سيدي
– Que voulez-vous un service de chambre, monsieur
– أريد سيارة أجرى الأن من فضلك
– Je veux une voiture dès maintenant, s’il vous plaît
– يمكن لك ذلك يا سيدي
– Pouvez-vous, monsieur
– شكرا
– merci
وأغلقت السماعة ومن دون أي إحساس ،غير ذلك الذي كان يعتريني ، يقتلني ويحييني ، انه الشوق لرؤيتها فقط، انطلقت مسرعا من غرفتي في محاولة للنزول لأسفل. وجدت الصعد ينزل و الأخر لازال بعيدا، فأخذت السلالم ورحت أنزلهم درجة لأربعة، حتى وصلت لأسفل و خرجت مباشرة أمام الباب، وجدت السيارة تنتظرني ركبت وقلت للسائق:
– Pour la Tour Eiffel, s’il vous plaît
– ok
– Mon frère rapidement
– ok ok
لم أكترث لجمال تلك المدينة التي تكلم عنها الكثير فهمي الوحيد هو أن أراها فقط ولم يكن تفكيري الا أن أراها. كانت الساعة الثانية عشرة 12:00، فسألت السائق عن وقت الوصول الى ايفل، فقال:
– ساعة ونصف يا سيدي
ساعة ونصف ؟ اذا سأصل في الساعة 13:30، و هذا ما زادني جنونا وكان سائق السيارة يتكلم أما أنا فلم أكن أستمع اليه، وعندما جاوبته، قلت له: وكأننا بالجزائر، و تابعت حديثي اليه:
– ألن تملو من الكلام
نظر الي وقال بالفرنسية:
– Etes-vous algérienne
فقلت له: oui
فقال: أنا كذلك
ولكن هذه المرة باللهجة الجزائرية:
– ( أنا تاني يا خو )
إبتسمت و رحت التمس منه السماح لأن اجابتي له كانت فضة نوعا ما. فقال لا عليك يا سيدي ( ماعليهش حبيبي )، و إنطلق هو مسرعا نحو ايفل وكان يستفسر عن سبب مجيئي الى فرنسا وما هو سبب العجلة التي أنا فيها، فروبت له قصتي وما ان أكملت حكايتي، حتى قال:
– ها نحن ذا ( هانا وصلنا )
فقلت له: ألم تقل أن المدة ساعة ونصف
فقال: لقد اختصرت الطريق
وبطريقة جزائرية (غير لليزالجيروان ) أي للجزائريين فقط، فشكرته و إنطلقت أبحث عنها، بين تلك الجموع التي كانت أمام البرج و أمام الكراسي ولكن استسلمت للتعب، فلم أجد ضالتي هنا وما كان علي غير الجلوس، اتخذت احدا الكراسي و جلست ورحت أفكر و ألوم نفسي عن ما يحصل لي. كيف وصلت الى هنا؟ ثم انه لما كان علي أن أأتي الى هنا ؟ وفي النهاية قلت:
– ألهذا الحد يصل بي الجنون؟
وبدأت الدموع تداعب عيناي وتغازلها محاولة الخروج و ابتسامتي التي نسيتها منذ سنيتين قد عادت ، لم أتمالك نفسي ورحت أذرف الدموع، بقيت متسمرا في مكاني أنظر للناس وكيف هي سعيدة و أنا حزين مجنون ضل طريقه، بقيت لهناك أنظر للساعة؛ إنها الثالثة زوالا وبعدها أنظر من جديد فأجد أنها لم تتحرك بعد، وبعد أن صحوت وجدت أن همي الذي كنت أشكو منه لم يصر أي شيء و صرت أفكر في يوم العودة و أقول:
– متى يصل يوم الإثنين متى ؟ وبقيت ألوم نفسي أكثر و أكثر …
و بعدها بدقائق جلس خلفي شابين من ذكر و أنثى كانا يتكلمان بالفرنسية، كانت الفتاة تقول:
– Je vois Samir voir comment belle cette tour, Il est romantique
و كان هو يرد عليها:
– Ah, mon cher il ne compare pas ta beauté
و كانا يتكلمان كثيرا عن باريس وعن مناطقها، كالشانزليزيه و بوبور و الكثير من المواقع الجميلة لهذه المدينة وكانا يتحدثان عن جمال نهر السين الذي يمر عبر مدينة باريس، أما أنا فكنت مجرد شخص جالس هناك، وبما أن لون بشرتي الأبيص ولهجتي الفرنسية جيدة، الا أنني كنت أنظر للناس و هم بدورهم ينظرون الي ففكرت بأنهم يضنون بأنني لست من بلدهم، أما عن الحبيبن الذين يجلسان ورائي فكان باديا على أحدهما أنه ليس من فرنسا أو بالاحرى كليهما، وبين لحظة و أخرى كنت أسترق السمع ، حتى سمعت الفتاة تتكلم باللهجة الجزائرية، فكانت تقول:
– كم كان نور يتمنى أن يكون معي هنا
– لم أستدر ولم أصدق ما سمعت أذناي، فتابعت الكلام:
لقد قال نور أنه لما يصل الى هنا سيصعد الى أعلى البرج لكي تعرفي كم أحـ.. وتوقفت عن الكلام أما السيد الذي معها فقال:
– آخاه آخاه مزالي غير نور أنساي علينا
– فقالت وما به؟ انه ماضي، الماضي لن يعود أتركي عنا الموضوع.
فقالت: لطالما قال نور جملة لن أنساها.
وما أن سمعت هذه الجملة حتى أيقنت أنها من ورائي تتكلم، فوقفت مباشرة و بعدها أردت أن ألتفت الى تلك الفتاة وكان حدسي يقول أنها هي، وكنت أسمع من داخلي انها هي إنها حبيبتك يا نور ، هيا عانقها قبلها أحضنها هيا يا فتى ما بك الا تستمع لما أقول؟، و إختفى الصوت، أردت أن ألتفت اليها ولكن وفي هذه اللحظات لم أستطع أن ألتفت و كأنني أصبت بشلل لم أعد أرى من حولي، و بقيت أحاول و أحاول ولكن ما من جدوى. بينما أنا أحاول سمعت رنين هاتفي، أخرجت الهاتف و نظرت، انها العزيزة الغالية، انها الغالية على كل شخص في الدنيا، ضغطت على زر الاجابة وبدأت أتكلم:
– أهلا أماه
– أهلا ابني (وليدي) بطريقة جزائرية
– كيف أحوالك يا أماه
– أنا بخير متى وصلت
– وصلت منذ ساعات
– الحمد لله أنك وصلت فأنا إتصلت بك لكي أعرف فقط
– لا عليك و لا تفكري بعد يومين سأرجع الى الوطن.
و أغلقت الهاتف، وبينما كنت أكلم أمي كنت أسترق السمع من الحبيبن أو بالأحرى نادية و زوجها، فقد سمعتها تقول له:
– هذا الشخص يتكلم باللهجة الجزائرية
فقال: يبدو وكأنه سائح أو ما شابه، فأنا كذلك سائح و باحث عن حبيبتي ليس الا ، فشأني وهمي غير همهما، أخرجت علبة السجائر من جيبي و بينما كنت أحاول اخراج سيجارة منها سقطت العلبة.
فقالت الفتاة: ألا تباع هذه السجائر بالجزائر؟
فنظر الشاب وقال: نعم هي كذلك.
أما أنا فجلست و أمسكت علبة السجائر و قمت بإشعال واحد، فسمعت صوتا رجوليا يقول لي:
– Ne pas fumer ici, Monsieur le Président, cette zone spéciale.. Aller de l’autre côté, il ya un endroit pour fumer
– Je suis désolé, je ne savais pas
و أطفأت السيجارة ولم أتكلم بل سعيت لمحاولة جديد لأقف و ألتفت ولكن لم أستطع أيضا، فحاولت و حاولت ولم أتلقى غير الفشل حتى… حتى رن الهاتف من جديد لكن هذه المرة رسالة نصية قصيرة كانت من فتاة فلسطينية قد تعرفت عليها عبر شبكة الأنترنت كانت تتكلم فيها عن حبها لي وهذا ما جعلني أقف من جديد، وكانت هنالك بسمة ترتسم على وجهي وكنت أحس بالبسمة فمنذ زمن لم أبتسم، وبعدما وقفت بدقائق أحسست أن الشخص الذي خلفي قد وقف أيضا و بسرعة، فكانت الفتاة تقول :
– أنظر يا سمير أنظر
و كان هو يسألها: ماذا ..ماذا ؟
كانت تردد و تقول: انظر و كأنه نور، انها نفس هيئة نور
أما أنا فكان الغيض يحرق قلبي وكانت الأشواق بنزين تسكب فوق تلك النار، وسمعتها تقول:
– Monsieur, Monsieur, s’il vous plaît je me suis tourné
– Cela vous sera bénéfique et vous avez tourné
فقال زوجها وكان في صوته بعض من الغضب: نادية نادية، أتركي الرجل و شأنه.
وما إن تكلم حتى فقدت أنا الإحساس بكل شيء، أما الشيء الذي كنت أحسه فهو وجودها من خلفي و خصلات شعري الطويلة التي كانت الريح تحركها
و سمعي ما كان يدور بينها من كلام حولي، فتذكرت قولا لرجل حكيم من بلدي، قال لي يوم:
– نحن بني آدم يا نور نحب شخص ونطارده و هو يهرب لنجد أنفسنا أننا نطارد أناسا و نهرب من أناس مثلنا.
فتذكرت تلك الفتاة الفلسطينية و ما ان تذكرتها حتى عاد كل شيء و انتها صراعي مع نفسي حول الالتفات و النظر اليها ، ونسيت خشيتي منها ومن نفسي. درت حول نفسي لأقابلها وجها لوجه، التفت لأرى من هو سعيد الحظ هذا، حزنت لأنني لم أكن أتوقع ما سيحدث، و فرحت فرحا كبيرا لأن كل شيء حصل هنا سيكون ايجابيا بالنسبة لي.
قالت وبأعلى صوت:
– نورالدين .. نور . حبيبي الغالي
و همت بالركض باتجاهي لتعانقني أمام زوجها، وكان ذلك لقد عانقتني و الدمع يسيل من عينيها كانت تقول:
– ما هذه الصدفة يا نور؟ كيف قدر لنا هذا؟، أهنا و أمام برج ايفل نلتقي يا نور؟
ارتحت مما كنت فيه ، أحسست أنني نسر يحلق بالسماء كانت فرحتي كبير وما كنت لأراه حلما أصبح حقيقة، وبعدها أحسست بالخجل و عناقها لي أمام زوجها عيب و تلك الكلمة ( حبيبي) ألم تجد ما تنطق به، أحسست أنا ذاك أنني وحش فدفعت بنادية حتى كادت تسقط لولا زوجها و سقطت على ركبتاي لأبكي و أترجى زوجها ليسامحني عن خطأ لم أكن أنا فاعله، وكان كلامي بالنسبة له كالوقود فترك نادية ليلكمني بلكمة كادت تكسر أنفي، وقفت و ابتسمت وكان هو يقول:
– لقد حذرتك من قبل، لما أتيت ؟
– لأرد دينا علي
– دين؟
– نعم
كانت الدهشة تعلو وجهيهما وعلامات استفهام بادية من ملامحهما، رفعت يدي اليسرى و أخرجت خاتما كان بإصبعي لم أنزعه منذ وضع بيدي و أخرجت مشطا نسائيا من جيبي، ثم نزعت سترتي لأنزع شالا كتب عليه معا للأبد، وفي النهاية مجموعة من الصور، و ضعتها على الكرسي و قلت له:
– هذا هو يا سمير، انه دين زوجتك علي
وتابعت كلامي:
– لا يزال هناك دين آخر لكنه ليس لكليكما، انه لك يا حبـ.. نادية
كدت أن أقول حبيبتي لولا ثباتي و ارادت الله عز وجل، فقالت:
– وما هو ؟
– لقد كتبت ذات يوم خاطرة بعنوان سأقتلك. فخافت من أن أقتلها حقيقة و كان الوجل باديا على وجهها، فإبتسمت وقلت:
– لا تخافي فلست بمجرم
وتابعت قائلا وكانت هي تنصت لما أقول:
– لقد جاوبني عاشق السمراء (غالب الحبسي)
وقال يوما: قل لنادية أنك مت لتقيم على نعشك حفلا، وحقيقة يا نادية لقد مت مرات عديدة، فإعلمي أنت و زوجك الغالي أنني ميت، ثم نظرت اليه هو:
– سمير… آسف لأنني عكرت مزاجك
و رحت أخرج من جيبي منديلا لأمسح دمائي، فوجدته، فنظرت من جديد اليهما، انه منديلك يا نادية لا حاجة لي به شكرا لك، و أردفت قائلا:
– شكرا لكما لقد تعلمت الكثير، و أتمنى أن تتعلمو مثلي، وتركتهما لأكمل طريقي الى الفندق الذي أقيم به فإلتقيت عجوزا بطريقي فسلمتني منديلا من دون أي كلمات وكانت تعابير الوجه تظهر ما بالقلوب فسمعتها تستغفر، فاستغفرت معها ووحدت الواحد الأحد معها، فقالت:
– اذا كنت تفهمني يا بني، الدنيا متاع و الآخرة فوز لمن كان شاطرا بالدنيا.
وكانت تقول:
– آه لو كنت اعرف كيف أتكلم الفرنسية
– لا عليك يا خالة أنا أيضا عربي
و مضيت بطريقي لأسمع شخصا ينادي ” الله أكبر الله أكبر”، فكبرت الواحد الأحد ومضيت بطريقي باحثا عن المسجد، و بعدها أمضيت اليومين في رحلة قصيرة بين أنحاء باريس وأكثر المناطق التي زرتها، متحف اللوقر، الشانزليزيه، و بوبور، و ضفاف نهر السين، وكنت ما أكثر من الجلوس بالغرف لحين عودتي.

السابق
مقاربات جد طاعن في الخرافة
التالي
عـــي

اترك تعليقاً