القصة القصيرة

بطة عم بدوى

(بلى أنا مشتاق و عندى لوعة) ..
هذا كل ما علق بذهنى عند شرائى لجريدة الصباح اليومية ، و رحت أردد تلك العبارة سرًّا مخافة أن يشاركنى فيها أحد من المارة المسرعين فى سيرهم مثلى .
لمست مانشتات الصحيفة شغاف قلبى المتعب .
.. انفصلت عن الحاضر كله و ما علق بذهنى ..
خلت أن الأيام تـتسـاقـط من بين مقلتيّ كحبات الرمال الناعمة .
ما إن استـقررت على مقعدى الثابت في أتوبيس العمل .. حتى عاجلنى زميلى المهندس (وجدى) الذى يشاركنى الكرسى بنـظرات ملتهبة ، ثم تبعها بقوله : ــ
[ مالك يا عـمـر ؟ ] ..
قبل أن أنتبه لمقولته و أجيبه عن سؤاله المفاجئ ..
هزت كيانى جملة كانت فى الحوار الدائر على المقعد الذي يتقدم مقعدى ..

هالنى منطق قائلها ..
كان معروفًا بيننا أنه ثرثار .. غير أننى لم أقف يومًا عند هذه الجملة مثل الآن ، بالرغم من معرفتى لها معرفة تامة و أحفظها عن ظهر قلب مثل اسمى .
(التعليم فى الصغـر .. كـالنـقـش على الـحجـر) .
الـتـقــت الجملتان فى صعيد واحد .
( بلى أنا مشتاق و عندى لوعة .. التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر) .
تفاعلتا .. توحدتا في أم رأسى .. استحوذتا على لبابة عقلى المشتت .. لم أستطع من بعدها العودة إلى جو سـيارة العمل ككل الأيام و السنين الماضية .
ذهبت مرغمًا بعيدًا .. بعـيـدًا عن الكل .
لم أعبأ بضجيج من كانوا حولى ، و لا بكل الأحاديث التى كنا نلوكها دون رابط أو ضابط ككل صباح و مساء .
لم أكترث إلى عبارات تهانى الزملاء على العلاوة التشجيعية التى صدر بها قرار من رئيس الشركة بالأمس بعد تحقيق أجرته إدارة الشئون القانونية لشكوى تقدمت بها لتعنت رئيسى المباشر و ذلك لتخطيه إياى لحاجة كانت فى نفسه تجاهى ، و كان قرار إدارة الشئون القانونية فى صالحى .
لم أنبس بـبنـت شـفـة .. أومأت لهم جميعًا برأسى شاكرًا مجاملاتهم الرقيقة .
سابقت الأطياف فى رحلتى نحو الأيام الخوالى .
ركضت طويلًا متدثرًا بعبير أيام فتوتى و عزم شبابى .. متأبطًا ومضات من مواقف ناصعة لرجولتى و أزهى أحلام صباي .
شقـقـت الثنايا ، و طويت المسافات الطويلة كبراق هبط إلى السماء الدنيا فى يوم صافٍ .
قهرت مرابط السكون و حالات الانكسار التى شكلت سمات ذاتى كى أبلغ مرام نفسى الوثابة .. قبل الخنوع و الركون لذكرى يوم كـؤد تحكم فى سير جل أيامى .
لم أبال بدمع الأعين المسفوح على الجيوب الخاوية و زمن الاحتياج إلى قرص أسبرين يرد ابن السقيم و يعيده إلى زملائه سليمًا معافَ ..
كثرت دموعى كيوم مماته ..
خبأت دموعى الحارة ، كتمتها في صدرى عن أعين الزملاء حتى لا تكون مادة للحوارات المكررة التى نلوكها كل يوم فى رحلتى الذهاب و الإياب .
على الفور نفضت غبار السنين العالق بوجهى العبوس الذى حدثنى عنه زميلى (وجدى) منذ دقائق .
تخطيت كل السدود ، و اجتزت كل آثار القوانين سيئة السمعة و تعسف الرئيس المباشر على مدى ربع قرن من الزمان و تحديه السافر لى ، و فتونة الوزارات السيادية و رجالاتها العاملين فيها تحت توجيهات خاصة و كأنهم من جنس آخر .
فجأة ..
ارتطمت خواطري المسرعة بـ (بطة) عم بدوى .
هدأت نفسى قليلًا ..
أسلمت جسدى المنهك من كثرة الدوران خلف لقمة
العيش المغموسة فى بحار الانحطاط التى تهدر كرامة الإنسان .. إلى ظل شجرة الجميز الرابضة قبالة بيت عم بدوى بـ ( بر الزراعية ) ..
علا البِشْر قسمات وجهى العبوس .
تبسمت ..
تهلّلتْ في وجه الغـد المشرق براعم عمرى الضامرة .
استطالت هامتى ..
تجاوزت فروع أشجارالكافور صعودًا …
تفتحت شرايـين عقلى ..
تملكت المفاتيح بيدى ، ثم ألقيت بين الربى هجير أمسى المرير ..
فى لحظة داعب النعاس زيغ عينىَّ الغاربة …
تمددت شوقًا تحت الفيء الذى يظلنى .. أسندت ظهرى المتعب إلى جذع الشجرة الرطب .
بين زخات الندى الهابطة حولى .. أسدلت جفنىّ هنيهة .. مع أول زخة تدلت أزاهير السيسبان تلفنى فى حنوِ بديع و تضمد جراحى المتقيحة .
احتوتنى ..
أخذتنى غفوة خاطفة …
تذكرت اكتشاف العالم الدولى الكبير الدكتور (أحمد زويل) لقياسه الجديد للزمن ..
أفقت من غفوتى بسرعة هذا المعيار الجديد .
إذ بى أجد نفسى سائرًا ببر (الزراعية) من محل ميلادى
و نشأتى الأولى بخطواتى الصغيرة فى جماعة من الزملاء الأقارب و خلافهم صوب مدرسة (شرف الدين غازى) الابتدائية بـ (زاوية بمم) التى تبعد عن عزبتنا (عزبة الطوخى) بمسافة كيلو متر واحد ، و الشبورة تلفنا جميعًا ، و يسير معنا فى نفس الطريق سيدات و رجال كثيرون من العزبة و العزب المجاورة ، و لكن سيرهم هذا دائمًا ما كان مختلفًا ، فمنهم من كان قاصدًا (مكنة الطحين) ، و منهم من كان يقصد (السويقة) بقرية (زاوية بمم) .
السيدات يحملن فـوق رؤسهن (القفف) المملوءة بحبوب القمح و الأذرة ، و بعضهن يحمل (الحلل و الطشوت) المملوءة بالزبد و الجبن القريش ، و الرجال يسوقون أمامهم ( الحمير) المحملة بأجولة الحبوب و الخضار و خلافه ..
صافرة (مكنة الطحين) عادةً ما كانت تنطلق بعد صلاة الفجر مباشرةً يوميًّا ، أما (السويقة) فتقام كل يوم سبت من كل أسبوع .
دار(عم بدوى) هذه تقع على أطراف القرية من ناحية العزبة ، و مجاورة لمكنة الطحين و الساقية التى تروى حوض بحرى البلد ..
جرس المدرسة يدق الساعة السابعة صباحًا تمامًا يعقبه طابور الصباح و تحية العلم .. حمالات (المِخل) تئز أكتافنا نحن الأطفال بما فيها من كتب و تشدها ناحية
الأرض التى تخرج من بطنها ما ينفع الناس ..
و لكن نسمات الصباح الندية تنفذ إلى شـرايين العـقول الصغيرة ، تغسلها وتكويها ، تخط فيها بحور العلم و المعرفة ، نستمع فى عـذوبة إلى أحاديث من يسيرون معـنا على الطريق حول ما ندرسه فى المدرسة ، و نستزيد من تجاربهم المتوارثة عن الأجداد …
طوفت ببصرى تجاه سطح دار(عم بدوى) و أنا على البر الثانى .. كل شىء كان واضحًا و جليًّا ..
باب خشبى كبير بضلفتين يتوسط واجهة الدار .. يطل على الترعة التى تخترق كل القرى و العزب فى الجهة ، يٌفتح هذا الباب عن آخره عند خروج و دخول الماشية فى الصباح و المساء ، و عند دخول و خروج (الرتش و الروث) ، و وقت الحصاد ، و طوال اليوم تراه موصودًا على أهل الدار ، و عن يمين باب الدار و يساره شباكين من الخشب المصمط دائمًا ما كانا يغلقان إلا قليلا ..
(مّطـْر) خزين القمح يتوسط سطح الدار ..
حطب الأذرة متراص على واجهة الدار فى نسق بديع ، و كلماهفهف الهواء فى الخارج يصدر الحطب نغمًا عذبًا مهيبا ..
(غلاف) منثور فى عبث مهيض بجوار(كيزان) الذرة المتدثرة بحزم الحطب من برد الشتاء و قيظ الصيف ..
عشش الطيور المنزلية من دواجن و أوز و بط فى أفضل بقعة من سطح الدار ..
يتصاعد سرسوب من الدخان الأزرق من (رازونة) الدار نحو الفضاء الفـسيح .. محملا برائحة الخبيز و الطبيخ الذى يـخلب الأبدان و النفوس ..
(عم بدوى) فلاح بسيط كمعظم أهل الريف ..
عادتهم النوم من بعـد صلاة العشاء مباشرة .. و الاستيقاظ مع أذان الفجر ..
مع انفلاق الصبح ينطلق الجميع ذكورًا و إناثًا لقضاء شؤونهم فى جد و نشاط .. يعتمدون على أنفسهم فى تدوير كل أمورهم الحياتية ، و توفير كل احتياجاتهم الضرورية ، و يبيعون ما زاد عن حاجاتهم بالأسواق .

***

من بعد طول الرنوّ أطبقت عينىّ لهجوم سحابة سوداء على سيارة العمل كادت تغطيها عن آخرها ..
اعتدلت فى جلستى ..
كانت السيارة لحظتها تمر بجوار مصنع السماد البلدى بمنطقة (عبود) المتصاعدة منها الأبخرة النفاذة ، هذه المنطقة كان يطلق عليها المصريون حيال مرورهم عليها لقب (الشبراويشى) كشيمتهم المعتادة فى جلد أنفسهم ، و لو عن طريق إطلاق النكات اللاذعة ، خاصة و أن هذه المنطقة تركب بحرى العاصمة بخلاف المسابك التى تملأ منطقة شبرا الخيمة و تصب جام فقرها و سمومها المتطايرة فى جو السماء عليها بعامل مسار الرياح ..
دفنت رأسى في مسند الكرسى الذى كان أمامى مخافة العدوى ..
حاولت العودة لذات النقطة التى كنت عليها منذ لحظات ، طاوعنى خيالى الواسع …
عدت أرقب رسم دار(عم بدوى) بخيالى اليقظ ..
حملقت كثيرًا ..
أطلقت النظرة تلو النظرة ..
كررت المحاولة مرات ومرات …
اختفت ملامح الدار القديمة من أمام عينىّ و خيالى النابـه .
شجرة (الجميز) العتيقة شامخة فى مكانها ، غير أن الخفافيش اتخذوا من فروعها و جذعها الرطب و غصونها أوكارًا ليهجموا على كل شىء رطب ..
الدار ذاتها حل محلها عمارة بديعة الطلعة .. طوب أحمر و خرسانة .. شرفات و شبابيك زجاجية من الألوميتال .
أصبحت الدار ذات الطابق الواحد عمارة من ثلاثة طوابق ..
شىء يفوق الوصف و الخيال ..
شىء فى منتهى الرقى و التقدم ..
زين سطح الدار بأطباق الدش و أرايل للتليفزيونات الملونة .. توارت عشش الطيور المنزلية .. هدمت (الأمطار) .. تحولت (حِزم) الحطب إلى (سلاج) كعلف بديل للماشية عندما زرعت الارض بالكانتلوب و عباد الشمس ، و قلت مساحات القمح .. اندثر القطن طويل التيلة مع هوجة التهجين و استنباط سلالات جديدة تحت مسميات (جيزة كذا) و (سخا كذا) ..
نعاس لما بعد الضحى .. سهرات حتى أذان الفجر ..
الصندوق باعث الألوان (التلفاز) لا يذهب إلى الحقل ..
لا خلاف عندى .. شىء مشروع لكل إنسان ..
لم أكمل دورة بصرى ناحية سطح العمارة ، للبحث عن شيمة أهل المكـان ..
تكسرت نظراتى .. تفتـّتت .. ضاق بى الأفق الفسيح …
رجعت إلى حصار المدينة خانقى ..
طفا على لسانى و عـقلى سؤال :-
أهــذا عم بدوى ؟
الذى نطلق خلفنا عدوًا ذات يوم بعدما (طبش) فى ماء الترعة بكامل ملابسه و نحن صبـية ليقـوِّم سلوكنا المعـوجَّ عندما أصبنا له بطَّته بطوبة فى رأسها و هى تسبح فى ماء الترعة أمام داره .. فى لهونا الطفولى .. حيال عـودتـنا من المدرسة ، و نحن فى طريقنا إلى ديارنا بالعزبة ؟
تبدل الحال فى الريف و المدينة على حد سواء .. و تغـير السلوك هنا و هناك .. و القابض على أصوله الأولى كالقابض على جمرة من نار ، و الله بفضله لم يزل يطعم الجميع .. و إن أصابهم الاعوجاج فى رحلتهم للزمن المنشود.

السابق
حب طفولي
التالي
عن أبي حنيفة

اترك تعليقاً