القصة القصيرة

بعد الفراق يكون اللقاء

حتى هذه اللحظة مازال عبد اللطيف يسرد قصته ويرويها لأبنائه بكل فخر واعتزاز،
قصة مازالت راسخة أيضا في أذهان سكان حيه ، حول عبد اللطيف ذاك الطفل الذي فتح أعينه في الحياة ، فوجد نفسه دون ولي ولا نصير ، دون أبوين يمثلان المنهاج الذي يقتدي بهما ، ليجد في ذلك امرأة تدعى ” الحاجة فاطمة ” طاعنة في السن ، ميسورة الحال ، توفي زوجها وترك لها إرثا يضمن لها حياة كريمة . دأبت الحاجة على الاعتناء بعبد اللطيف والسهر على رعايته والإهتمام بشؤونه . ومع تعاقب الأيام ومرور السنين والزمان أصبح الطفل يناديها جدتي . كانت تمثل له الكل في الكل، هي مصدر الحنان و العطف والرعاية، وهي منبع الحب والأمان والوئام . لم يخطر بباله مرة أن يستفسرها عن واقعه ، عن ماضيه الذي كان يجهله . لكن كان يراوده خوف رهيب من فتح باب الماضي الأليم الذي قد يحمل ضمن طياته سمات المعاناة والكروب والألام ، وقد ينطوي على صفات الحسرة والتأثر والمأساة . لكن كان يترك كل هذه الأشياء التي تراوده ويعود لينعم بالعيش الرغيد والحياة الهنيئة السعيدة مع جدته . حتى الحاجة لم تفكر يوما في إخبار الفتى عن واقعه وقصته.

لكن كانت تكتم السر وتترك أمر الإبانة والكشف عنه للأيام والقدر .

ولج عبد اللطيف المدرسة فلم يفلح فيها. لكنه مع ذلك كان ذا خصال حميدة ، وسمات رفيعة جعلت منه محط تنويه الأساتذة وإعجابهم . والقدوة والمثال الأحسن لزملائه داخل الفصل، اقتحم عبد اللطيف عالم التجارة . ومرت الأيام فأصبح معها عبد اللطيف من أكبر تجار الحي وأكثرهم شفافية وصدقا لما عرف عليه من الوفاء في الميزان واجتناب الغش ، والسعي وراء الكسب الطيب والرزق الحلال . فكان مرتاح البال ، طيب الخاطر، منشرح الصدر ، ينعم بحياة سعيدة وهنيئة هو جدته .

لكن سرعان ما ستنقلب الأحداث ، وستنتقل الجدة إلى دار الخلود والبقاء ، حينها تبعثرت حياة عبد اللطيف وتناثرت أحواله وتقلبت . فأصبح دائم الجلوس في البيت ، كئيبا ، أليما، جراء فقدانه لجدته . كان دائما يجلس واضعا أمامه صورة جدته ، كانت غرفته أشبه ما تكون بغرفة ساحرا يحيط به السواد من كل الأرجاء والأنحاء ، ويجعل الداخل إليها أكثر حذرا . فكان يتأمل صورتها التي رانت عليها التجاعيد ، يحن إلى أيامها الزاهية الخالية ، إلى عطفها وحنانها ، وورعه وتشبته بها ، ويذرف الدموع تلو الدموع ، ويبكي من شدة فراقها. أصبح عبد اللطيف يعاني لوعة الوحدة والعزلة والمعاناة ، ويتخبط في حبائل الألم والضياع والكأبة ، بعدما كانت الجدة النبراس الذي ينير حياته ، ويضفي البهجة والسرور على أوقاته . راحت الجدة اليوم وتركت وراءها شخصا جثمت التعاسة على قلبه ، ولج الحزن على أوقاته . لم يعد للحياة طعم بالنسبة إليه ، حياة فارغة لا تستحق أن تعاش ، يستقبل فيها الصبح المشرق والليل المظلم المدلهم وحاله لا يتغير ، غارق في سيل من التفكير في مصيره . رغم حسرته على فراق جدته ، فهو نادم عن عدم استفسارها عن أصله ، عن أحواله ، عن والديه ، عن ماضيه . لكن ماتت الجدة ودفن معها السر العظيم .

أما ثكنة حي عبد اللطيف وشراذم من الناس فقد تأثروا لحاله الذي بلغ أواره ، كان كل واحد منهم يحاول بطريقته إرجاع عبد اللطيف إلى طبيعته وإلى ربقة حياته المعتادة . وتغيير المصير الكارثي الذي أل إليه ، لكن دون جدوى .

ليأتي الحدث الأهم والأبرز ، وتأتي معها النهاية الأتم والأكمل التي ستفتح بها كل العقد، وستنفرج بها كروب عبد اللطيف وأحزانه . ففي صبيحة يوم وإذا بالرجل المكلوم كعادته لازم البيت يتأمل صورة جدته ويتحسر على فراقها ، كانت امرأة شاحبة الوجه ، بالية الثياب ، ثوبها تخلله العوار والخرق والشق . وشربت منه الأوساخ حسوا . تجوب دروب الحي وتركض كالحمقاء و تسأل عن منزل الحاجة فاطمة . وبعد جهد اهتدت إلى المنزل .طرقت الباب ، سمع عبد اللطيف الطرقات، تجاهلها في بادئ الأمر ، لكن الطرقات توالت وتكررت . فأقلقت حال عبد اللطيف الذي انتفض متجها صوب الباب ، ليتعرف ويكشف خبايا ما ورائه ، ويقف على حقيقة الغيلم الذي خلفه . فتح عبد اللطيف الباب ببطئ ، وبينما الباب يفتح رنا الرجل ملامح امرأة باد عليها بؤس الزمان و قسوة الحياة ، ذهلت المرأة لما رأت أمامها عبد اللطيف ، واستغرب هو لحالها ، وأراد معرفة حقيقتها ، فهو لا يعرفها ولم يسبق له أن صادفت عيناه عيناها . وقف الغريبان لحظات بدون كلام، عيونهما هي التي تتكلم فقط ، تتكلم لغة لا يدريها ولا يعلم كنهها الطرفان . رمقت المرأة عبد اللطيف بنظرات مودعة سالمة تطلب العون والأمان . فأحس أن بداخله شيئا يجره إليها بشدة ويجذبه إليها . فخرجت المرأة عن صمتها العميق ، وقالت : ” ما شاء الله لقد كبرت وصرت رجلا يا بني ” حين ذلك ، تاه عبد اللطيف وسط دروب المعاناة والألام ، فخمن منذ متى لم يسمع كلمة يا بني ؟ . عند فراق الجدة ، أي نعم عند فراق الجدة ونداءاتها المتكررة : ” يا ابني ويا بني ” . نعم لعله باب الماضي الأليم الذي كان يكرهه ويجهله ، يحط أمامه من جديد، و الذي قد يلوح بصفات التعاسة . وقد يتضمن سمات الشقاء والكأبة . ثم بدأت المرأة في سرد حكايتها لعبد اللطيف الذي ظل مصغيا لحديثها ، منصتا يترقب المراحل الحاسمة والمثيرة من حديثها .فأخرجت المرأة وثيقتين تبدو عليهما أثار القدم والتليد ، و كشفت المرأة عن هويتها ، وقالت ” أنا أمك يا عبد اللطيف ” . أخد الرجل المشدوه الوثيقتين وتفحصهما سطرا سطرا ، وخلص إلى أن الوثيقتين صحيحتين لا تحريف فيهما ، وأنهما تكشفان أن المرأة الماثلة أمامه هي والدته . فكان الخبر شديد الوطأة عليه ، لم يصدق مارأته عيناه ولا حتى ما التقطته أذناه .فشرذ ذهنه واستمرت المرأة في سرد قصتها محاولة الدفاع عن نفسها ، وتبرير موقفها ، فقالت : ” إن الفقر وعدم قدرتي على توفير اللوازم الضرورية لعيشك ، هما اللذان أجبراني على تركك والتخلي عنك يا ولدي ، فاستفسرت عن امرأة كريمة يمكن أن أتركك عندها ، وأطمئن لحالك معها . فلم أعثر على امرأة أفضل من الحاجة فاطمة . خاصة بعدما تصيدته من أخبار جودها وكرمها الدائمين . وفي أحد الأيام أخذتك ووضعتك أمام باب الحاجة ، ثم فررت إلى أحد أركان الحي ، ففتحت الحاجة الباب ثم سمت الله لما جدتك. وحنت لحالك وبراءتك وأخذتك للعناية و الإهتمام بك . وقتها بكيت بكاءا شديدا على فراقك ، لكني اطمئننت لحالك معها، ثم مضيت في صراع مع الزمن الذي أثقل كاهلي ….” ظل عبد اللطيف صامتا ، رغم أنه كان شارد الذهن ولم يمنح أمه عنايته كلها ، إلا أن مسامعه تلقفت الحقائق التي جادت بها المرأة . ثم أجهشت المرأة في البكاء ، وبعد برهة ، قالت : ” لقد كنت يا ولدي ضحية شاب في مقتبل العمر ، كان يوهمني بالزواج ، لكنه هجرني بعد ما استيقن أن علاقتنا أنتجت مولودا غير شرعيا ” . وأمام هذه الحقيقة الصادمة وقف عبد اللطيف مكلوما ، لا يحرك ساكنا . أنذاك أدرك الرجل الحقيقة الفضيعة لماضيه المر والأليم .

طفل شاءت الأقدار أن يكبر مجهول الهوية ، لا يعرف حقيقته ، أين والده ؟ أين والدته وحنانها الذي افتقده طوال هذه السنين ؟ ، وبينما هو غارق في ألامه وأحزانه . تكلمت الأم وقالت : ” أريد أن أسترجعك يا ولدي ، أريد أن نطوي صفحة الماضي الأليم ، ونفتح صفحة جديدة ملؤها السعادة والهناء ” . فبما سيجيب الولد الذي صدم بالحقائق التي كشفتها والدتها ، والتي كانت ضحية لطيش الفتوة والشباب ، وانعدام المسؤولية واللامبالاة . فخرج عبد اللطيف عن صمته المعهود وصب جام غضبه على أمه وقال : ” أين هي أمي التي احتجت لها منذ سنين، والتي افتقدت لحنانها وعطفها ، أأقبل أما رمت ابنها ولم تعره أي اهتمام ؟ أكانت وظيفتك الإنجاب فقط ، ما ضرورة الأم إن كانت وظيفتها الإنجاب كالألة دون الحب و الحنان لرضيعها وابنها…. ” . وبعد صمت دام بضع دقائق ، نطق وقال : ” أخرجي لا أريدك ، ابتعدي عني ” . همت الأم بالخروح، وهي تكتم في قلبها مرارة الجواب والرد . كانت تهدج في مشيها ، تأثرت بجواب ابنها . كانت تظن أن ابنها سيصفح عنها وسيخفض لها جناح الذل من الرحمة . لتجزى بالمثل رغم كل المبررات و الحقائق التي صارحته بها .وبينما هي متجهة نحو الباب ، تحركت أحاسيس عبد اللطيف ومشاعره للحنين والرفق والحب والهيام .شعر بأنه تسرع في إصدار الحكم ،وأنه قسى على أمه ، أحس أنذاك بغريزة الأم تناديه وتدعوه إلى حضنها ، أيقن أن فؤاده يناديها، ولسانه يهتف باسمها ، وعيناه تبكي جراء مرارة حبها وحنينها . لتتلفظ شفتاه بصوت متهدج متقطع ” أمي …. أمي … ……. أمي ” ، عندها أدارت الأم ظهرها ، وأسرعت للقاء ابنها المكلوم ، وسارع عبد اللطيف هو الأخر وشد أمه إلى صدره شدا ، متجاهلا ماضيه الكئيب والأليم .

السابق
الذباب الأزرق
التالي
كهولة مـتـمردة

اترك تعليقاً