القصة القصيرة جدا

بنفسَج

تتأملُ ذراعيهِ المفتولتين و شبّاحاتهِ الملاصِقةَ لجسمِه وبنطاله القصير وهو يسيرُ بِبُطءٍ أمامها بين نباتاتِ مزرعتِه المُطِلّةِ على شارعٍ وسط المدينة .. تَعَرُّقٌ و رجفةٌ تُصيبُها:
– هذه .. هذه النبتةِ مِن فضلك .
– أمرُك سيدتي .
تأخُذُها تضاريسُ صدرِه اليانِع و قد انحنى نحو نبتتِها .. تبتلعُ ريقَها .. تتردَّدُ في مَدِّ يدِها .. تُلامسُ بِكفِّها المفتوحةِ ذراعَهُ .. تُمَرِّرُ بِرِفقٍ أصابعها نحو ساعِدِه ..
تُمسِكُ بِيدٍ مُرتجِفةٍ مِعصَمِه:
– لا لا .. ليست هذه .. أظنُّ في حديقتي الواسِعةِ مثلها .. دعني أختارُ غيرها.
يعتدِلُ الشابُّ مُرتبِكاً .. يَزيحُ بإبهامِهِ خُصلَتهُ الغجريةِ عن عينيهِ .. تزدادُ هيَ تَوقاً و شَبَقاً .. تسيرُ و هو أمامها باحِثةً عن أُخرى .. تُشيرُ بأنوثةٍ و دلالٍ لِنبتةٍ طويلةٍ :
– هيَ تلك .. رشيقٌ يانِعةٌ جذّابةٌ كزارِعَها .
يزدادُ ارتِباكاً .. ينحني لاقتلاعِها .. تهبِطُ أرضاً قابِضةً على ساعِدِه ليهوي معها جالِسَينِ حول النَبتة:
– ثوبُكِ الأنيقِ سيدتي ..!
– اجلِس .. اجلِس واشرح لي عنها .. حَدِّثني ..
– هيَ زهرةُ البنفسجِ و هيَ مِن عائلةِ ال …
مازال يشرح لها و مازالت في بحرِ عينيهِ تعومُ تائِهةً، وصوتُهُ كألفِ كمانٍ في معزوفةٍ تسري لَذّةً في عروقِها:
– تمام سيدتي .. أرجو أن أكونَ قد أوفيت .
– ها ..! نعم نعم .
تفيقُ .. تعتدلُ واقفةً مُلَملِمةً عليها انضِباطِها ووَقارِها، نافِضةً عن ثوبِها طينِ الأرضِ مُتلَعثِمةً .. في زُقاقٍ شعبيٍّ بعيدٍ كان الصِبيةُ يتنافسونَ للفوزِ بِنبتةِ اليوم
التي ستُلقي بها كعادتِها جارتُهُمُ العجوزُ العذراءُ مِن شُبّاكِ غُرفتِها الضيقة.

السابق
الآثمون
التالي
رواية

اترك تعليقاً