القصة القصيرة

بورترية

متجردة كانت من زينتها .. برزت تفاصيل الجسد اللدُن .. لفني ذهول تام.. رقصت .. وانا لم استطع .. ان اتحكم في ضربات القلب .. وكأن كل جليد الأرض زاب علي وجهي .. حين رأيتها واقفة .. في بهو الغرفة .. جف ريقي ويبس .. حتى انه خيل لي .. لو ان كل بحار العالم .. صبت في فمي ما روتني .. ولما استطاعت ان تطفئ لهيب النار .. التي شبت واستعرت في جوفي .. رقصت .. اتقدت .. أوقدت في صدري جذوة نار .. لم تبالي بوجودي.. ولم ترتبك .. الغرفة شبه مضيئة.. تشبه فكرة غبية .. حلت في زاوية من زوايا الروح .. حينها صلبت الرغبة شرايين الطين .. واستيقظت الخطيئة .. تصطليني علي مهلٍ .. للحظة.. سقطت في الهاوية .. خنست .. ارتعبت.. وقفت .. أسرعت من حركات الجسد المرتعش .. والنهد الصَبٌ الصَّابيُ خبأته بين يديها .. وبحركة سلحفاءيه , بطيئة.. أسدلت الستار علي العقل المخبون .. والصمت أطبق علي المكان .. الخطيئة حين نستسلم لرغباتنا .. صوت المغني لم يزل يردد صداه .. وراح الخوف يتملكني .. وفيضان العرق يلجمني إلجاما .. عن كثب كنت أتابع تمردها .. …… …….
لم توصد النافذة ــ كعادتها ــ في تلك الليلة .. الغرفة شبه مضيئة .. تشبه فكرة غبية .. تظهر أمامي واضحة .. ليس عليه الا غلة صفراء .. صغيرة .. تجوب الغرفة .. تقطعها ذهابا وايابا .. وصوت الموسيقي الصاخبة .. تنبعث من جهاز الكمبيوتر .. اغنية شعبية لا تعجبني .. كما اني لا اعرف من مغنيها .. ولا يهمني ان اعرفه .. المهم هذا الجسد الواقف أمامي .. كدت أسقط من طولي .. من هول المفاجأة .. عبثا حاولت ان أجمع قواي المنهارة .. فلم استطع .. فالمفاجأة شلت تفكيره .. أصابتني بدوار شديد .. واعتقلت قدماي .. وأطاشت بعقلي .. وأخرست لساني .. مفاجأة لم تخطر ببالي .. ولم تكن في الحسبان .. أنها عارية الا من غلله رقيقة .. كبست بكلتا يداي .. أكثر من مرة في جفوني .. لأتأكد أني يقظ .. وليست في منام , أو حلم .. غير مصدق ما أرى .. واهما نفسي أني أحلم .. أو ربما يكون ما أرى طيف .. او خيال .. لكنها كانت حقيقة واقفة أمامي .. نعم بشحمها ولحمها ..” يا الهي ما هذا الذي اراه ” .. انتابني شعور بالخجل الشديد من نفسي .. وحمى من نوع ما .. سرت في جسدي .. ورعشة لذيذة تدغدغ أعصابه .. وبرغم الشتاء الذى كان يدق على الابواب .. الا اني رحت أتصبب عرقا.. لا أكذبكم راقني المشهد كثيرا .. كتمت انفاسي المتلاحقة .. انزويت في ركن ما .. حتى لا تراني .. وقفت وان الهث .. وضربات القلب تزداد .. مائة ألف ضربة في الدقيقة الواحدة .. فأنا اخشي ان تراني .. أو ان تسمع دقات القلب المتلاحقة .. جهاز الكمبيوتر أمامي علي المكتب.. وصوت المغني لم يزل يغني .. وأنا اتسكع بين الدهشة والبهجة.. والقلب قد اتسعت شراينه
ــ ” فكهاني وبحب الفاكهة .. واموت في الموز والماجنة ” …
جلست علي أريكتها .. اقتربت من الكاميرا .. ضبطت زواياها .. تكتب بعض كلمات علي لوحة المفاتيح .. ابتسمت .. ضحكت .. تميل للوراء ..
” يبدوا انها تتحدث مع شخصا ما لا اعرفه “.. هكذا توصلت الي هذه القناعة .. تمنيت لو عرفت هذا الشخص ..” تري من يكون ..؟.. هذا الذي جعلها تتجرد من ثيابها كهذا .. ؟ .. وتجلس هذه الجلسة .. ؟ .. اكيد انسان غير عادي ..؟ .. كنت أود ان أعرفه لأشكره .. علي ما قدم لي من بورترية رائع .. فأنا أبدا لم اتصور يوما .. ولم اتخيل اطلاقا .. ولم يأتي على بالي البته .. أنني سأراها هكذا .. ولا اني سأقف في يوم من الايام في مثل هذا الموقف المدهش ” .. قامت علي مهل نحو الحائط .. ضغطت مكبس النور .. فاتسعت رقعة الضوء .. رايتها واضحة المعالم بيضاء من غير سوء .. طاش عقلي وجن .. وكاد يفر من رأسي المتعبة .. المثقلة .. بالتداعيات …” يا لها من أنثي رائعة فاتنة .. أنثى صبت في قالب من البلور ألأبيض الصافي المشرب بماء الورد.. المعطر برائحة الفل والياسمين .. وجهها ملائكي الملامح .. انثي تفوق الوصف والخيال ” .. تتبختر في مشيتها .. تختال .. كمهرة برية جموح .. تتباهي علي القمر .. بطلعتها وحسنها وبهاء ها تتمايل .. كعود لبلاب طرى.. بدلع متناهي تقفت امام الدولاب .. فتبدو تفاصيلها واضحة علي المرآة ..” أنثى من لهب .. انثي لا تقاوم .. كلها جمال وخفة , ودلال , ودلع ..” .. يتسع الخيال في رأسي .. وتتطاير الأفكار كقنبلة عنقودية.. تشطر كل ذرات العقل المخبول .. جعلتني أغرق في أودية من الانبهار والنشوى..
لحظات ليست بالقليلة .. امتزجت فيها الرغبة بالرهبة .. وأنا اتسكع بين الدهشة والبهجة.. والقلب قد اتسعت شرايينه .. والمرآة تحاكيها .. جسداً مخمور بالنشوة .. متوهج بالرغبة .. وقلب يخفق يرفرف كعصفور صغير لا يقوى على الطيران .. وصدري تحول بدوره الى كير كبير .. يعلو , ويهبط .. ووجدتني حائرا .. غارقا في بحور من الدهشة , والذهول .. وعرقي مرقي .. أراها تضرب قدمها ألأرض .. مع ايقاع الطبلة .. في خفة ودلال .. تهز وسطها ..علي انغام الموسيقي الصاخبة .. تنثني تميل , تعتدل .. تضع يدها في خصرها النحيل .. تهز وسطها ببطء .. فيستجيب كل جسدها الممتلئ فيرتج بعنف .. وكأنها راقصة محترفة .. أو مهرة في حلية طبل .. والنهد الصَبٌ الصَّابِيٌ يترجرج .. يرفرف كحمامتان بيضاوتان تحلقان في المكان .. وراح عقلي يحلق ينطلق خلفهما في اللاوعي .. تغتالني الدهشة والوحشة .. وحالة نادرة غريبة تشبه تلك الحالة التي بين السكر والنشوى .. وأنا أنظر اليها وهي تتمايل وتعتدل علي انغام الموسيقي الصاخبة.. واخذت كل ذرة في الجسد طريقها للنمو السريع .. بطريقة خرافية.. وفوضوية الأحلام تزداد ..
برهة ليست بالقليلة .. اتسعت فيها رقعت الضوء .. وهي علي تلك الحالة .. موسيقي , ورقص , وغناء , وانا واقف أقتات الصمت .. في البهو الفاصل بين العقل والرغبة .. والروح تأن من الجوع , والوجع .. ألملم ابعاضي المتناثرة .. وشتات أفكاري التي تثب امامي شياطين صغيرة تقع علي الأرض .. وجيش المقاومة قد أنهزم بداخلي .. فكل دفاعاتي الحصينة انهارت .. دكت دكة واحدة .. وتكثرت فوق صخرة اندهاشي حاولت ان اقاوم .. فلم استطع .. وكأن الاجهزة بداخلي قد تعطلت .. والكون يمارس طقوسه الأبدية .. {{ الانقسام سنة من سنن الكون .. والانجذاب نحو النواة أمر حتمي .. والدوران حول النواة سر من اسرار الوجود .. }} ..
عادت لتجلس فوق اريكتها .. ريثما تلتقط انفاسها المتلاحقة .. عبثت بشعرها .. داعبتهُ قليلاً .. أنسدل ليلُ بهيم .. نشبت فيه أناملها الطويلة.. ثم راحت تلعب معه لعبة التسريحات .. مشطته.. صنعت منه تسريحات جميلة” بربرية “.. ” غجرية .. ” ……….”.. وحين شعرت بوجودي.. نهضت اقبلت علي .. وقفت أمامي ..
وكأنها ارادت ان تعطي عقلي هدنة .. او فسحة للاستراحة .. الكمبيوتر ينبعث منه صوت الغناء .. وهي تجلس امامي .. تضحك .. وتردد مع المغني الذي لا اعرفه .. وراحت تفصل بيننا .. ثواني كسنين ضوئية.. وانا أتابع حبيبات الضوء المتناثرة المنبعث من الجسد المتوهج بالنشوة ..المبعثرة فوق المرأة المتسخة.. في زاوية الغرفة ….

السابق
البطل
التالي
حياة مختصرة

اترك تعليقاً