القصة القصيرة جدا

بو حبل

كنت بلاأمل تماما..فقط برجاء بائس في أن يطول عمر الحبل أبعد من عمري القصير. عمري الذي سيكون قصيرا رغم أن دقائقه تطول كأنها ساعات، إذ الدقائق ليست هي نفسها لدى كل شخص، وإن كانت من نفس الساعة، كالكلمات التي تأخذ شكل وطعم لسان صاحبها وإن كانت من نفس الحروف. كما هناك ساعات: نفسية وذهنية وإدراكية وليس بيولوجية فحسب، ودقات كل ساعة لاتشبه الأخرى، وإن تشابكت جميعها، والتشابك ليس متناغما دوما !
كنت بلاحيلة تماما كحيوان في مصيدة، إذ كما يُخلق البعض وفي فمهم ملعقة من ذهب يُخلق البعض الآخر وفي مهدهم فخ أو مصيدة. وكل ما كنت أفعله توزيع التعب المزمن المستدام بوتيرة متصاعدة، بالتساوي، على كل أطراف جسدي، في انتظار ضربة المقص المحتمة، التي كنت أرجو أن تقطع حبل عمري قبل عمر الحبل الذي يعلقني. فالأعمار حبال، ولطالما سمعت أمي تقول عن شخص مات:( كْمَلُّ بو حْبَلْ)، وكان دائما هناك ” أبو حَبْلٍ” يربطه، يفكه، يقطعه..متى
يشاء، كما كانت تفعل هي مع البقرة أو ماعداها من دواب.. وكلنا دواب الله تسرح، الى حين، في ظل سلطانه الذي على الأرض !
وكنت قد تعلمت كيف أعلق جسمي على الحبل، اعتمادا على رجليَّ فقط، لإراحة يديَّ قليلا، وعيني من النظر الإجباري الى صخور الوادي السحيق تحت، حيث كانت تتهشم كل حين نظراتي كقطع الزجاج. لذلك كنت أسرق هنيهات استمتاع بمنظر السماء وهي تبدو وقد صارت تحتي، وأتخيلني وقد صرت خفاشا يستطيع أن يفرد جناحيه مظلة فوق أية هوة سحيقة.. لكن الشمس الكريهة كانت تجلو حقيقة كوني شبيه خفاش، وليس خفاشا كاملا مكتملا له أجنحة وسع السماء. وكنت أسقط على نفسي كل حين، وأنا معلق في انتظار السقوط الأخير المحتم !.

السابق
أنانية
التالي
صراط

اترك تعليقاً