قراءات

بين الشيطان والإنسان في قصة “اكتفاء”

للقاصة مديحة الروسان
نص القصة:
اكتفاء
منذ أقسم لأغوينكم وهو يقاومه بضراوة، في ذلك المساء غلبته أفكار شيطانية، استعان به لكنه اعتذر بحجة تكبيله وإجازته الإجبارية، أهدته أفكاره المتحفزة إلى صناعته بنفسه،تهيأت أفاعي أفكاره، قضمت مضغته السوداء، رسمها “جهنمية مجنونة”، راحت تمتد وتزهر وتسعى خلف الإغواء.
رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا

مقدمة القصة جاء فيها الزمن مشوشا وغير مرتب لدرجة أن القارئ قد يتساءل عن أي زمن تتحدث كاتبة النص؟، ليتضح الأمر فيما بعد أن الزمنمساء يوم من ايام شهر رمضان “لكنه اعتذر بحجة تكبيله وإجازته الإجبارية”، والاجازة الاجبارية للشياطين هي شهر رمضان المبارك، الإنسان المقصود هنا إنسان مسلم صائم، والذي أختير كنموذج مناسب لفكرة النص، فالمسلم يؤمن بوجود الشيطان ويؤمن بأنه أحد مصادر الشر والخطيئة في حياته، وهو الذي يؤمن بالقسم، وهو الوحيد الذي لا زال يقاوم هذا الشيطان منذ أن أقسم بإغواء الإنسان.
تقول القاصة أن هذا الإنسان غلبته أفكار شيطانية، فأراد الاستعانة بالشيطان غير أن هذا الأخير اعتذر وذكر هذا الإنسان الصائم بأنه مكبل وفي إجازة، والعبرة التي تعتصر من هذا المشهد أن أفكار الشر التي تراود الإنسان ليس مصدرها الشيطان وإنما النفس البشرية، فالشيطان مكبل وبالتالي هو بريء من أفكار وأفاعيل البشر الصائمين، ولم تتوقف القاصة عند هذه العتبة بل راحت تحلل مصدر هذا الشر وهذه الأفكار الشيطانية في غياب الشيطان، لتهتدي الى أن الشر هو أصل خلق الإنسان فأفعى الأفكار “قضمت مضغته السوداء”، المضغة هنا المقصود بها أصل خلق الإنسان الذي خلقه الله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، يقول تبارك وتعالى في سورة الحج “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى” ، الأفعى هنا قضمت مضغته التي خلق منها ووصفتها بالسوداء للإشارة أن هذه المضغة التي خلق منها الإنسان هي في أصل مضغة مليئة بالشر، و إذا نمت وأزهرت قد تجعل منه شيطانا يغوي طواعية ودون حاجة الى شيطان.
تريد صاحبة النص أن تقول، أن لا وجود للشيطان فالشر متجذر في نفس الإنسان بل هو طبيعة مضغته السوداء التي هي أصل خلقه، بل وقد يصبح هذا الإنسان في ثوب الشيطان بالمواصفات التي نعرفها عنه لا هم له الا الإغواء ونشر الشر في الأرض، وما تلك المعركة التي كان يخوضوها المسلم مع الشيطان منذ القسم الا معركة وهمية لا أساس لها من الصحة، والإنسان الذي أراد الاستعانة بشيطان يؤمن بوجوده اكتفى في الأخير عندما أكتشف حقيقة الشر في نفسه ولم يعد بحاجة الى شيطان. وهو نفي صريح لما جاء في النص القرآني، يقوله سبحانه في سورة البقرة ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ”. ولا يمكن أن يصنف هذا النص الا في رواق القراءات اللا دينية التي تسعى جاهدة منذ القسم الى طمس حقيقة الخلق، ولكن دائما رواد هذه المدارس يقعون في بعض الزلات من حيث لا يدرون، لنحلل بعض اللقطات:
ذات مساء غلبته أفكار شيطانية: حديث هنا عن صراع نفسي داخلي بين ماذا؟ بين الخير والشر، بين الرغبة في الوقوع في المحظور وتأنيب الضمير، لكن غلبت كفة الشر، ورغم ذلك هناك إقرار بأن الخير موجود في الإنسان والمضغة ليست سوداء بل تتقاسم المساحة مع البياض. يقول تبارك وتعالى في سورة الإنسان “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” وهنا للإنسان الاختيار، ولن يكون هناك اختيار الا بعد أن يكون هناك أخذ ومد بين شق الخير والشر. ويقول أيضا تبارك وتعالى في سورة الشمس “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”. فمثلما فكر هذا الإنسان في الشر، يفكر في الخير. أيضا قولها أفكار شيطانية هل هو إقرار بوجود هذا المخلوق؟؟، كان الأحرى أن لا توظف هذا الوصف لأنه لا يخدم أهداف النص.
غرسها جهنمية ومجنونة: أي هو من قرر ورغب وسعى الى هذا الشر، هو من قام بالاختيار، يقول سبحانه في سورة الشمس”قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاها”، فالقرار لدى الإنسان هو من يزكيها ويطهرها من الشرور والآثام، والعكس. حتى أن القاصة شرحت المراحل التي قد تؤدي بالإنسان الى هذا المصير، فحظرته الخاطرة ” في ذلك المساء غلبته أفكار شيطانية “، ثم حظرت الفكرة ” تهيأت أفاعي أفكاره “، واستحضر الإرادة “غرسها جهنمية مجنونة”، ثم جاء العمل “تسعى خلف الإغواء”، يقول ابن القيم رحمه الله ” طارد الخاطرة قبل أن تتحول الى فكرة وادفع الفكرة قبل أن تتحول إلى إرادة وادفع الإرادة قبل أن تتحول إلى عمل “.
ولا أريد أن أتعمق في موضوع الشيطان وعلاقته بكل هذا، وأختصر القول أنه أقسم منذ خلق آدم أنه سيغوي والقرار الأخير بيد الإنسان ، يقول تبارك وتعالى في سورة الحجر ” قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ “، هناك استثناء كما هو موضح فالمخلصين من العباد ليس للشيطان عليهم سلطان، ويوم البعث يتبرأ ممن أجابوا دعوته، يقول تبارك وتعالى في سورة ابراهيم ” وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “..

السابق
الترنجيلة
التالي
ندمٌ

اترك تعليقاً