القصة القصيرة جدا

بين وسادتين

بينما كنت في السوق أبحث في كومة من الملابس المستعملة علني أجد قميصا من العينات الرفيعة لأتطاوس به يوم لقائي بكِِ، أثار انتباهي منظر وسادتين فهمت من تحاورهما أنهما تنتميان إلى طبقتين وسائديتين مختلفتين. أما الأولى فتنحدر من قبيلة الوسائد ” المزلوطة” أي الفقيرة باللهجة المغربية وأما الثانية فمن الطبقة الوسائدية الغنية والأرسطوقراطية. شكلهما والرائحة المنبعة منهما كان كل ذلك كافيا لمعرفة وضعيتهما الإقتصادية.
رغم اختلاف طبقتيهما فإن لهما قاسما مشتركا: كلتاهما تعرفان ما بداخل جمجمة حبيبة التي كانت تضع رأسها عليهما في ساعات مختلفة ومتباينة. حبيبة كانت تعترف لكل وسادة بما تحويه رأسها من أحلام وطموحات وخيبات وندم وإحباطات.
استمتعت كثيرا بحديثهما الشيق عن حبيبة:
– الوسادة المزلوطة بكل ثبات وثقة في النفس: أعرف أعماق حبيبة لي معها ماض عريق هي من صنعتني من خرقتين باليتين مختلفتين خرقة وجهي لا تشبه خرقة ظهري وما في بطني لا يشبه البتة ما في بطنك. قطع أقمشة وثياب قديمة جمعتها حبيبة من عند خياط الحارة وملأتني بها. كانت تضعني تحت رأسها تارة وتعانقني أخرى وهي تسرح في خيال عريض فتهب نفسها أميرة في قصر كبير تارة وأخرى زوجة رجل غـني ينتشلها من فقرها العريض. كنت أدخل غياهب جمجمتها وأتجول في دهاليزها. كانت تبكي أحيانا وتتنهد أخرى. كانت كثيرا ما تأتيني برأس مثقلة بالأحلام فتنام طول النهار بعدما تتناول حبة منوم. كنت أدخل دماغها وهو يسترجع شريط ليلتها الماضية فأراك فيها وأسمع حديثها إليك

– الوسادة الغنية بألوانها الفاتنة: كنت تعرفين ما يدور بيننا؟ أي ترهات هذه؟ كيف تسمحين لنفسك بالتطاول على أسيادك أيتها المتعددة الهويات؟
– الوسادة المزلوطة: نعم أعرفني كذلك أنا من بحت لك كوني مصنوعة من خرق مختلفة الشكل واللون.ألم تكونوا أربعة، أنتِ وأختك وحبيبة والرجل العريض البطن الذي كان كلما رقصت له حبيبة عارية في ثوب أنيق شفاف اشتراه لها خصيصا لتلك الغاية، كان يلقي عليها بكومة من الأوراق النقدية تتساقط عليها كما الثلج من فوق رأسها حتى قدميها؟ ألم يكن يعانقها ويقول لها كلاما حلوا تستسيغه أذنيها وتنقاد وراءه؟ كم عانقته وضمته إلى صدرها وتمنت لو كان زوجا لها وله معها أبناء رغم رائحة الخمر والإثم التي كانت تنبعث من فمه وجسديهما.
– الوسادة الغنية: من أمدك بكل هذه التفاصيل؟ أنت جاسوسة. أنت لسان سوء تذيعين أسرار الناس.
– الوسادة المزلوطة: لا، لا أبدا. أنا أعلم ما لا تعلمين، كانت تضع رأسها فوقك حبيبة الممثلة، التي تتجمل لتقضي ليلة بين ذراعي ذاك الغني، حبيبة المتقمصة لدور بائعة الهوى المبتسمة الراضية بوضعيتها، أنت تعرفين حبيبة الدمية ، أما أنا فأعرف حبيبة الحقيقية، حبيبة البؤس، حبيبة الندم،حبيبة التي تتمنى لو كانت تعانق ذاك الغني وقد جمعت بينهما وثيقة عدلية تبيح تلك العلاقة وتشرعنها أمام الله والعباد. حبيبة التي ترجع صباحا فتضع فوقي رأسها وتجهش بالبكاء ندما على تلك الليلة الحمراء وعلى ما فعله بها ذاك الغني أمام عينيكما أنت وأختك. كانت تتحدث بصوت خافت فتلعن حظها ووضعها وفقرها الذي قادها إلى بيتكما فتبلع حبة منوم كلما رفض النوم زيارة جمجمتها. هذه هي حبيبة المسكينة.
تعالى في الفضاء صوت البائع : عشرة دراهم… عشرة دراهم.. عشرة دراهم.
استفز صوته الخشن الوسادتين فكفتا عن الكلام. أما أنا فلم أجد قميصا يليق بي وجئت للقائكِ بقميصي القديم.

السابق
حليمة
التالي
وكيل ثقافى

اترك تعليقاً