القصة القصيرة

بيوت بلا أبواب

تلملم ذاكرتي أطرافها، ترتق ثقوبها، توقف زحف الحياة نحو المجهول، تنفلت منها صورة: صراخ العصافير يملأ حينا ضجيجا، فيقض مضجع الكبار٠ كالعادة، يخرج سربنا الجانح الجامح طلبا للمغامرة: نتسلل عبر دروب مشبعة بالرطوبة حد الانهيار، مصفوفة على طول متاهاتها الحلزونية أبواب سماوية قزمية ملتصقة بالأرض، تأكل منها الرطوبة الخشب المهترئ والمسامير، تترنح كالسكرى، فتوشك على السقوط٠
دوما أسمع الآباء يتأوهون ويتأففون، فالصدأ سم قاتل ينخر الحديد، فما بالك بالخشب؟ وبيوتهم تبقى عرضة لهذا الخلاء بلا أبواب، أما نحن الخنافس المتمردة أبناء الحرافيش، نعشق بيوتنا مفتوحة على الفراغ، وبلا أبواب، لأن الأبواب كومة من الأسرار، ونحن شفافين كقناديل البحر، ليس لنا ما نخفيه، وهذا الفراغ يعني الحرية، فلا حدود ٠٠٠لا سدود٠
تلوكنا رطوبة حينا كالعلك، نتجرع نتانة الحيطان الباردة، ورغم ذلك ننتشي بها حد الثمالة، ونحمد الله كثيرا٠ نعشق ركوب موج المغامرة لكشف أسرار عالم غير عالمنا: عالم قصور وفيلات قرميدية السقوف، تتربع على مساحات عريضة تمتص كل بيوتنا الطينية الحقيرة في جرعة ماء٠
نتسلل من الباب الخلفي للمدينة العتيقة، نعبره، وتعبرنا رغبة جامحة مشبعة بالحموضة: حموضة الفقر، والطموح والجناح المكسور٠ نخترق كالنبال الزقاق رقم ٨، وهو يتلوى كالأفعى، فيربط أطراف مدينة البؤساء بمنازل طبقات متوسطة كالبنفسجة الحمقاء في طموحها، ويتفلنا في حي الفيلات، فننتشر كالجراد، لم يكن مرحبا بنا عند هؤلاء القوم، فهم – صراحة- يعلنون القطيعة بيننا وبينهم، فلا هم منا ولا نحن منهم٠ ربما يكرهوننا، فنحن همج، لكنهم يقتاتون من همجيتنا، ومنها يشيدون القصور ، ويجحدون النعمة٠
نشم بلهفة روائح زكية، تختلف عن رطوبة حينا الآيل للسقوط: بنفسج ٠٠٠ياسمين ٠٠٠ نيلوفر٠٠٠ونمعن في الشم بشراهة وملء الرئتين، نريد أن نشفط من أجسادنا النحيلة روائح مطارح النفايات التي تطوق حينا٠ نملأ عيوننا التي أذبلها القهر والفقر بعناقيد الموز والعنب المعلقة فوق أسوار تلك المساكن الفخمة، فنكرر حكاية القط واللحم المعلق، لكن، كل هذا الأريج الفواح لا تخلو من روائح دم وعرق جبين وآباط فقراء حينا المقهورين، يشعرنا ذلك – رغم طراوة العود- بالامتعاض والغبن، فنكيل للزمن الشتائم٠
كيف؟ هل هذا عدل؟ هم يأكلون من رأس السوق، ونحن نمضغ روائح ما يأكلون٠
يفرج زعيمنا أصبعيه الغليظين ، يطل من بينهما، ويغرزهما في عيوننا، فهو مشبع بحس الثورة حتى النخاع، ويصرخ فينا :
الغد لكم يا صغار الحرافيش٠
الغد نهاية صغار الخفافيش ٠
في حلوقهم لحمنا مر ومالح٠
هيا، إلى (٠٠٠) هيا يا صالح ٠
وننطلق كأحصنة وحشية مذعورة، نطقطق رخام الأرصفة بنعالنا البيضاء الممزقة٠ يا للعجب ! حتى أرصفة بيوتهم حريرية ناعمة الملمس، وإذا كان هذا فعلا، فكيف ستكون المنامة؟ كيف سيكون اللحاف؟ كيف سيكون التبان؟ لا أظنهم مثلنا يتكومون على أنفسهم، يتكدسون مصفوفين كحبات السردين، وتحت لحاف بارد واحد، ضحاياه ميمنة الصف حينا، وميسرته أحيانا٠
يمسح ذلك الثخين الأرعن- ابن خالتي وردية – مخاطه الأصفر بكم قميصه المتسخ، ويدخل ألف نملة ونملة في الغار، ويخرجها من خرم الابرة (ولد الحمار)، ويقول ببلادة فيها حكمة:
-هؤلاء يا رفاقي، يأكلون الجمال المشوية واقفة، يفترسونها كالنسور بالسكاكين وبمدار صغيرة٠
نقهقه عاليا ساخرين من هذا البليد الحكيم:
-ليست مدار يا غبي، إنها الشوكة، استوردها لصوصنا -في زمن مضى- من لويس الرابع عشر، ومنه تعلموا آداب المائدة واستعمال الشوكة والسكين ، وشرب لبن العصافير، ألا ترى يا بليد،أنهم لا يتكلون لسانا غير لسان صاحب الشوكة والسكين؟
يسرط ريقه في نفس عميق، ويقول:
-بنت جيراننا خادمة في قصور هؤلاء، وهي تحكي لنا بعظمة لسانها عنهم حكايات غريبة، فهم لا ينهشون اللحم بالأظافر كما نفعل في نهاية الأسبوع، هم يوكلون مهمة تقطيع السقائط المشوية لرجل أنيق قوي البنية، هم يأكلون، وهو يقطع، وبطونهم كجهنم كلما امتلأت تطلب المزيد، ويستعمل السيف بدل السكين تتلمس شوكاتهم الذهبية جنبات السقيطة المحمرة، لكن، لا تحظى منها بنت الجيران ولو بشنتيفة أوعظمة، تكتفي المسكينة بمضغ البخار، وما تبقى يرمونه في حاوية القمامة، فهي خادمة بنت حرفوش، وإذا حصل وأكلت من جمالهم، فإنها ستنبت أجنحة، وسيفقص بيضها، وتكسر حواجز الحشمة، وتخرق طقوس السيادة٠
يشدها كبير الدار الكبيرة من أذنها، يحكها حتى تحمر، ويهمس لها:
– لحم الجمال يا غبية، ينشر بينكم- معشر الحرافيش- القمل والبراغيث، عصيدة شعير حافية فيها بركة وأجر عظيم، وخالية من الكوليسترول٠
تبلع بنت الجيران ريقها، يبهت الجوع بريقها، تعود إلى كوخها الصغير كسيرة حسيرة، تنتشي بمضغ الروائح، تحلم بجمل محمر فوق ظهره تحلق، ومن سنامه تأكل حتى التخمة٠
وتنتشلها أمها من حلمها بصفعة قوية، لأنها كانت على وشك أن تسرط نصف اللحاف٠
تدق حكاية بنت الجيران في نفوسنا مسامير صدئة حد الألم، فننشد جماعة:
-عروشنا … كروشنا٠
– مآسينا …. كراسينا٠
تتدلى فواكه استوائية شهية، تحبل بها أشجار باسقة تغالب الأسوار العالية، تجتاحنا رغبة حمقاء في كشف ما وراء هذه الأسوار والأشجار٠ لكن، لماذا كل هذه الأسوار العالية؟ لماذا كل هؤلاء العسس؟ نحن نعشق بيوتنا بلا أبواب، ربما لأن كروشنا لا عجين فيها، أو ليس لنا ما نربحه أونخسره٠
من بين الشقوق، تدغدغ أبصارنا فتاة شبه عارية، ترتدي تنورة شفافة، خلناها منامة السلطانة هيام، شقراء، بيضاء البشرة كالثلج، تستلقي على عشب أخضر داكن، وبجانبها يتمدد كلب مخيف كبير، بلطف تمرر أناملها البلورية على فروته المسدولة، يبدو أنها أكثر نعومة من الحرير، توقظ رومانسية المشهد في نفوسنا مواجع رغبات مكبوتة، فنحن حرافيش صغار: حيلة قليلة٠٠٠يد قصيرة٠٠٠ عين بصيرة٠
ويتأوه زعيمنا، ويتأفف من هذه الدنيا العجيبة: تركلها بالحذاء فتعانقك بالأحضان، هي غانية تستعذب الاغتصاب٠ يخبط صدره بقبضتيه كغوريلا، ويتنهد تنهيدة عميقة، ويصرخ فينا:
-كلابهم منكم أوفر حظا يا كلاب، تأكل شهي طعامها في معلبات مستوردة من الغرب، وتنعم بدفء أحضان مرمرية، وتستمتع بنعومة اللحم الأبيض، أما أنتم ففراغ أيديكم فراغ في فراغ، وفي كل ذرة منكم فراغ ٠
ندخل خطبته الرعناء من الأذن اليمنى، ونخرجها من اليسرى٠ ونتزاحم حول الشقوق كالخطافيف، نتلصص على بنت الأكابر، نمضغ فتات رغباتنا المقموعة، نستلذذ بحموضة كبتنا، ونفترس الطفلة كمجانين الزومبي بعيون وقحة تكاد تنط من محاجرها، نجرد المسكينة من تنورتها الشفافة، ويشذ ذلك الأرعن الثخين عن القاعدة :
– يا أصدقائي، إني أحس ببلل ساخن وباتنفاخ لذيذ.
ويقوم بحركات بلهاء تستفز كبرياء الفتاة، وتوحي بأنه يتحرش بها، فالأرعن من طبعه لا يفكر في العواقب٠
يقعي الكلب كالأسد على أهبة الاستعداد، تتسمر أذناه كرماح مركوزة في الفراغ، وينتظر أوامر سيدته، هؤلاء قوم من عالم آخر، كل شئ عندهم بالأوامر، ولهم طقوس يفرضونها حتى على الكلاب، فما بالك بمن هم لهم كلاب؟
تشده من أذنه الطويلة، وتحرضه علينا:
-روكس، إليك بالكلاب٠٠ attaque٠٠٠attaque٠٠٠attaque٠
يقفز كالنمر في فراغ الحديقة، وينطلق نحونا كقذيفة (ر ب ج) مجنونة٠ كجياد نتعثر٠٠٠نكبو٠٠٠ نركض٠٠٠ ونسابق ريح الريح، حفاة وأنصاف عراة ، وقد اجتاح البلل سراويلنا القصيرة، وننتشر كالقراد في أزقة منازل الأكابر، نطلب تلك الأشجار الكثيفة لقصر فخم مهجور، وقبل أن نتجاوز هذه الأزقة ببضعة أمتار، نفاجأ بخالتي الواشمة (٠٠٠) تسد أمامنا كل المنافذ، يترجل منها رجل شرطة منفوخ الصدر ببدلة عسكرية، وعلى صدره نجمة نحاسية تلمع في سماء حريرية مطرزة بخيوط من نحاس٠ يحاصرنا في زاوية ضيقة كأسراب السردين تعلق بالشباك، ويتقدم نحونا، بسحنته القمحية بخطوات مرتبة، وكرشه تتدلى أمامه، يفتح شكله المخيف متاناتنا، فنتبول بغزارة، يطقطق بحذائه العسكري الثقيل على إسفلت الرصيف، وهو يتفحص وجوهنا الشاحبة، فيأمرنا بنبرة صارمة:
-بطاقات هوياتكم يا كلاب!
نتبادل نظرات الحيرة والاستغراب، لم نكن نملك بطاقات هوية، نحن مجرد حرافيش، لا نخضع لقوانين الهوية، لأننا نعيش خارج الدائرة٠ يغرز أصبعه الغليظ في صدر زعيمنا، ويقول له بسخرية :
-بطاقتك يا ابن العاهرة !
يلصق الزعيم عينيه بالأرض، ويقول :
-أنا يا سعادة (الشاف)، مواطن لكني بلا هوية، أكتفي بوطنية مدفونة في أعماق قلبي ، أما الوطن فهو لأصحاب المنازل الفخمة والكلاب المدللة، نحن الحرافيش لنا هواء الوطن، وهم لهم ما في باطن أرض الوطن، فما الفائدة من بطاقة هوية ما دمت لست في حاجة إليها؟
يرميه (الشاف) بسهم من سهامه الحاقدة :
-هذا كلام غليظ عريض يا حثالة، يعاقب عليه القانون، يا ابن الق٠٠٠
يصفد معصميه، يعصب عينيه بخرقة سوداء، ويزج به في (خالتي الواشمة) وركلات حذائه الحاد كرأس الرمح تلاحق مؤخرة زعيمنا، وهو يتمتم كلاما مبهما:
-الزنازن فارغة تماما هذه الأيام، كل (الفايقين والعايقين) بلعوا ألسنتهم، فلا أحد يتكلم في السياسة، وبصمتهم هذا سيدخلوننا في عطالة قسرية٠
يلتفت إلينا، والشرر يتطاير من عينيه البراقتين، ويقول :
-أما أنتم يا كلاب البرية، فتهمتكم ثقيلة جدا٠
يمسح الأرعن دموعه ممزوجة بمخاطه، ويقول وهو يرتعد :
-وماذا فعلنا يا سيدنا (الشاف) ؟
-أنتم تحجبون أشعة الشمس عن عرصات عنبهم، تسرقون عناقيد الموز من حدائقهم، وتتحرشون ببناتهم وراء أسوار قصورهم، كل هذه جرائم خطيرة ترتكبونها في حق أولي الأمر منكم٠
ويحدق طويلا في الأرض المفروشة برعبنا، يطرق هنيهة، وفي قرارة نفسه:
-أنتم تسرقون عناقيد العنب، وهم يسرقون أكوام الذهب، وسرقة البيضة أثقل من سرقة الجمل٠٠٠ إنكم لاتستوعبون دروس الوطنية في محافل خطب دجلهم السياسي٠٠٠

السابق
غبن
التالي
انتظار

اترك تعليقاً