القصة القصيرة

بَعيرُ الرصيف

قال: لِمَ لَمْ تقل إبل الرمال ، ثم انزوى على أريكته ..يرتشف ما تبقى من قهوته بأحد المقاهي الشعبية الفخمة .
المقهى محاذ لتطلعاته وتخميناته ، وتجلياته ، وهو يقضم ” فصوص الحكم ” لمحي الدين بن عربي “..
الاجواء كانت مشحونة ببقايا تفعيلات منها ما لفظه البحر الوافر :مفاعلتن ، مفاعلتن ، مفاعلتن…وما تأخر عن ركب التقطيع والموكب : “فعولُ”.
قال الذي يرتشف القهوة بنهم : لمَ تأخرتْ “فعولُ ” عن الركب؟ ضحك صاحبه ملء فيه ، قال : لمْ تتأخر ، هي ملح البحر ،
أي بحر يا صديقي ؟ ..
– الوافر يا عزيزي …أو ألا تعلم أن هذا الاخير له أعاريض ويُستعمل تاما ومجزوءا ؟
– آه الآن أدركت مفهوم : الوقص ، والعلل ، والزحاف ،لكن لماذا أهمل مواطنه وغريمه “المتوفر” ، أليس هذا استصغارا منه أم ماذا؟
لا يا عزيزي : البحر الوافر ، أهمل ذلك وأكثر من هذا ، فقد سرق من “الكامل” بعض حقوقه ، انتشل منه التفعيلة التالية :متفاعلتن ….
استوى الاثنان على أريكتهما بالمقهى الشعبي …بل بصالونات التأويلات ..
قال الاول للثاني : أتستغرب من تَزامُن وفاة غابرييل غارثيا ماركيث بحدث هام جرى يوم 17 أفريل 2014..
رد الثاني في ذهول : وأنت يا عزيزي ألا تستغرف من أن هذا الأخير ، تم تشخيص حالته وإصابته بسرطان الغدد الليفماوية سنة 1999 ؟.
كانت جلبة المقهى مفشفوعة بالتأويلات …
وكان الصدى من ذوي الاختصاص يهز كما الريح العاتية كراسي المقهى الشعبي الذي غص به مجموع المتفرجين على قناة فضائية بعينيها …
زرقة الصالون كانت كما زرقة المدى .. وكانت كما مقولة محي الدين بن عربي المشهورة :‏”من قال بالحلول فدينه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد.”..
صدى من داخل المقهى يدحض هذه المقولة ، وأصداء أخرى تثمن صحتها ، فيما ذهبت الاغلبية المطلقة الا أن ابن عربي فنّذ جملة وتفصيلا التأويلات بشأنها …
كان ضمن الحضور الحسين بن منصور الحلاج وهو يرتشف ريقه الاخير قبل أن يصلب بباب خراسان المطل على نهر دجلة …ابتلع ريقه ، صرح للصحافة الدولية والمحلية التي كانت تؤم المقهى عندما سئل عن سبب وأده ..أفضى : لأنني أجبت ُ على سؤال الأعرابي عندما سألني : ماذا في جبتك ؟ .فأجبت ُ ” ما في جبتي الا الله “..اهتز الصالون لهذا الإفضاء، فيما اختلفت الرؤى والطروحات ..
قال أحد الضالعين بشؤون التصوف ، كان يعلك علكا بمصابا بالأرق : قد أعلك هذه الاجابة مثلما أعلك العلك الذي بفمي ..
رشقه بعض الحاضرين بالحجارة ، فيما لفه آخرون بإزار واق ..
وفرقتهم في الاخير شرطة مكافحة الشغب .
ارتطم المدى بالمدى إثر انفجار نعيق من الخارج صدته أمواج البحر ، وأريج المد الشعوبي ، عفوا ..المد الشعبي …
قال صاحبي لصاحبه ، وهو يرتعش من وطأة الهزة :
لماذا قصّد المهلهل أوزانه على وقع النوق ، وقد تكون في الحشد ناقة دوسرة ..وليس على وقع البعير .؟
رد الثاني : زده أبن ربيعة ؟ ألا يُكنُّ هكذا ؟
مضرجاً بكبرياء الليل وغسقه ، استفاق البياتي ، صلاح عبد الصبور ..قالا معا في جلبة وحسرة : صديقنا الثاني محق ، كان الأجدر بالأول أن يضيف ” الكُنية ” حتى يعرّف متحدثه .
لماذا لا نقترح عليكم هذا الاسم الكامل الوافر كما البحرين التوأمين
” الوافر والكامل ”
قال جموع الحاضرين بالمقهى في جلبة وإدراك : تفضلاَ ..
قال البياتي وصلاح عبد الصبور :المهلهل بن ربيعة ، ونُسقط ( التاء) ليستقيم النعيق ، فيصبح : المهلهل بن ربيع عربي ..
اهتز الكون ، تفتت جزئيا ت وتفعيلات البحرين الوافر والكامل ، دستهما رمال الصحراء في البصرة وبين جنبات جيد “قربان” النيل من العرائس الجميلات ..
استنهض الشعب همته ، من نعله ،من أخمص قدميه.
وتلا مع الشاعر “المنخل اليشكري”
هذا البيت في عفوية :
وأحبها وتحبيني ويحب ناقتها بعيري ….
لم يأبه ” النعمان “المنذر ملك الحيرة ، بما تفوهت به الالسن ، ولا الملاسنة …ولا “المتجردة ” زوجته أجمل نساء زمنه ..
أطل صاحبي في نهاية المطاف من ثقوب تخميناته ..
ارتطم هو الآخر بمجريات أحداثه ، ومكوناته …
شد أزر صاحبه ، خرجا من المقهى .. حيث كان الرصيف يغص بالمارة ..
سمع أحد المارة يقول : هؤلاء بعير الرصيف ..
قال آخر :
هؤلاء إبل السخاء …بعيرُ الرصيف يقبعون وراء نعيق الناعقين.
اهتز جبل قاسيون(1)..لهول ما سمع … تقيأ دمه القاني .غازل قدسية الدمشقيين له … واندثر الصد ى ..

السابق
السيجارة
التالي
صَرْخَةُ أُمٍّ فِي مَوْكِبِ الرَّحِيلِ

اترك تعليقاً