القصة القصيرة

تبادلٌ أثمنُ

بينما كنتُ أزَيِّنُ ذقنِي أمامَ المِرآةِ كانتْ زوجتي تطوي أطرافَ سَجَّادتِها المُعطرةِ بمِسْكِ العنبرِ الذي يغزو بعطرِه أرجاءَ غُرفتِنا ، وهي تُتمتِمُ بكلماتِ الدعاءِ والابتهالِ ، جاءتْ مبتسمةً مداعبةً إيَّايَ بغمزةِ عينٍ وتقليبِ كَفٍّ تفسيرها إلى أين؟! رددتُ انفراجَ ثغرِها بابتسامةٍ حاولتُ جاهدًا أن أساويهما، لا سيما أنَّ دعوةَ العَشاءِ التي أتجهزُ لها أطفأتْ فيَّ روحَ الحياةِ ، راح عقلي يُقَلِّبُ صفحاتِ الذكرياتِ مما اختزنَ وكأنَّه يُقَلِّبُ ألبومًا للصورِ، فبحكمِ عملي ومنصبِي كمديرِ أكبرِ شركاتِ إنتاجِ الجلودِ – التي ورثتَها عن أبي وباعتباري المالكِ والوريثِ الوحيدِ لِكُلِّ تلك التلالِ من النقودِ – مَرَّتْ عَلَيَّ مجاملاتٌ ودعواتٌ وأناسٌ مزيفةٌ وقصصٌ جَمَّةٌ منها ما تُعقلُ ومنها ما لم يُخلقْ لها عقلٌ يستوعبُها، إلا أنَّ هذه الدعوةَ أخذتْ مني الكثيرَ لأجدَ لها أسبابًا وأعذارًا وتواريخَ ظهورٍ؟! هُزَّ كَتفي بفعلِ ضربةِ تنبيه من زوجتي وهي تقول : – ما بالك ياعادلُ ؟! أراكَ مهمومَ القلبِ مشغولَ البالِ؟ – آه .. لا يا عزيزتي أنشغلتُ فقط لأقولَ لكِ إننى مدعوٌّ لعشاءِ تبادلٍ ! بنظرةِ استفهامٍ واستغرابٍ ! تبادل ماذا ؟!
-زوجات!
قفزتْ وصاحتْ بنبرةٍ مرتعبةٍ حتى كادتْ ترتطمُ بالباب الذي يخالفُ وقفتَها : ماذا ؟!!
– هيا ياعزيزتي تَهَيَّئِي بدون أن تشغلي عقلي .. حقيقةٌ لم أر نظرةَ احتقارٍ واستصغارٍ كالتي سكنتْ أحداقَ أميرةِ بيتي، رأيتُها تقفُ أمامَ السيارةِ القديمةِ – التي اخترتها بقصد فهي تسيرُ بقدرةِ قادرٍ بفعلِ المشاكلِ الميكانيكيةِ الجمَّةِ التي تحويها – وكُلُّ علاماتِ الاستفهامِ تسكنُ ملامحَها، لكنْ دونَ أنْ تسألَ ، وصلتُ إلى بابِ المضيفِ طارقًا ، والذي نخرتْهُ الظنونُ السيئةُ ، ليفتح بيدِ امرأةٍ تُخفي هويةَ وجهِها خلفَ غبارٍ ملونٍ فتبدو كذكرى إنسانٍ ، ومن خلفها سنُّ ذئبٍ يلمعُ ينتظرُ نهشَ لحمٍ كُتِبَ لغيرهِ فامتعض، فزاحمَها بكلماتِ الترحيبِ الرسميةِ تارةً والشبابيةِ تارةً أخرى لكسرِ حاجزِ الخوفِ ملتويًا برقبتِه خلفي باحثًا عن فريستِه ، سائلاً أين هي؟! فأجبتهُ وقد ذهبت سبابتي مشيرةً إلى السيارةِ التي قد خلت من زوجتي الواقفةِ تراقبُ عن بعدِ – حيث طلبت منها ذلك. – ها هي .. يضحكُ باستغرابٍ ! ههههه أينَ هي أستاذي أنا لاأراها ؟! يبحثُ وزوجتُه عما احتوت .. يا خالدُ ! عَمَّ تبحثُ ها هي سيارتي القديمةُ جئتُ بها كي أبادلَها وسيارتَك الفارهةَ ، ألم يكن هذا قصدَك؟! كاد الدمُّ يخرج من عينيه وأنفِه من الغضبِ لولا تذكرُه لحاجةِ استمرارِه بالعملِ لشركتي الخاصةِ ، فقبضَ على مشاعرِه داخلَ جوفِه قائلاً – أستاذي أنا قصدتُ استبدال.. فغمزَ جهةَ زوجتِه ،لأصطنع الدهشة قائلاً في وجهها : أوه .. أعتذرُ جدًا أنا توقعتُ أنك قصدتَ تبادلا أثمنَ .

السابق
فرار
التالي
جوع

اترك تعليقاً