القصة القصيرة

تحت أغلال الرحيل

ها هو ذا في وحدته وصمته وحزنه في لبل طويل لا تبدو له نهاية .. ما الذي تبقى له بعد أن رحلت عنه نبض حياته ورفيقة دربه ! كيف له أن يصبر على فراق امرأته الفراق الأبدي ؟ هل من طعم للحياة بعدها ؟ لماذا جاءتها هذه العلة في غفلة من الزمن كانت قبلها كالوردة الفواحة التي يفوح عطرها ارجاء الدار ؟ ثم ما تراه فاعلا ازاء أبنائه الثلاثة الذين احتواهم اليتم قبل الأوان ! وكلما استرق النظر اليهم رثا لحالهم قبل أن يرثي لنفسه .. ان كبيرهم لا يعدو الثامنة من عمره يتلوه صبي في السادسة ثم صبية في الرابعة .
أجل هو في موقف لا يحسده حاسد ولا يشمت به شامت ، وها هو لم تعد له قدرة على التركيز وكأنما شل عقله وارادته معا وسط فاجعة لم يكن يتوقعها ولم يكن يحسب حسابها .
كيف يوفق بين وظيفته وبين تربية أبنائه ؟ هو ذا السؤال الذي يحيره .. من يأخذ بأيديهم وهم بعد في اولى سني حياتهم .. في طور طفولة لا غنى لهم عن أحضان الأم .
بات في ليل يؤرقه ويقلق مضجعه ، بات في رحلة مضنية تحمل الشوق الى تلك الأيام الخوالي من علاقة زوجية عمرها عشر سنوات وكأنه يعيش الحلم في أحلى ساعاته .. هائما في بحر عينيها ، عاشقا لقسمات وجهها ،مفتونا ببراءة حديثها .
جاءت اليه ابنته الصغيرة وهو في دوامة افكاره متساءلة :
– أين هي أمي يا أبي ؟
بوغت بسؤالها ولم يعرف كيف يرد عليها .
– ستعود اليك أمك يا صغيرتي قريبا .
– هل خرجت لتشتري لي لعبة ؟
اومأ برأسه وهو يأخذها الى صدره ليغمرها بالقبلات بينما دموعه تنهمر .
– لماذا تبكي يا أبي ؟
– لا يا ابنتي ..انما هو وجع في عيني ما يلبث أن يزول .
– حسبتك تبكي يا أبي .
يا له من وجع يصرخ في أعماق نفسه .. يا له من وجع يمزق أشلاء بدنه .
– تعالي يا ابنتي لتأخذي قسطا من الراحة فقد سبقك اخواك الى النوم .
– لكني أريد أمي لأنام في حضنها .
أي عذاب يتلقاه حتى في هذا الحديث البريء الذي يسمعه من لدن ابنته الصغيرة ..عذاب سيطول أمده حتى يكبر هؤلاء الصغار ليعرفوا الحقيقة .. حقيقة أن غياب الأم هو أكبر صدمة لحياتهم وأن الأم برقتها وحنانها ورعايتها هو وحده الذي يعيد البهجة والسرور الى نفوسهم .
ما زال الرجل يترنح في دوامته وهو لا يدري أي طريق يسلك لاعادة التوازن الى أسرته ، لعل ذاكرته تنقذه بعد أن ينجلي عنه الحزن وما عليه الا التريث للغد الذي قد يجد فيه حلا للمعظلة الكبيرة التي خلفتها امرأته برحيلها .

السابق
أقنعة
التالي
إستنتاج

اترك تعليقاً