القصة القصيرة جدا

تحليق

وصلت الفصل لاهثا ، العرق يتصبب من جبيني و جسمي ، وجدت التلاميذ قد اتخذوا أماكنهم بنطام ، جلست على الكرسي ، أخرجت منديلا معطرا أهدته لي حبيبتي ذات لقاء ، مسحت به وجهي ، و بعد أن استرجعت أنفاسي المتقطعة ، ألقيت نظرة على الفصل : لأول مرة أجده ضيقا ، كئيبا و متسخ الجدران ، بابه حديدي ، لم هو كذلك ؟ عجيب أمر الإدارة ، تصر على جعله زنزانة. النوافد لا تنفتحباستثناء واحدة و بصعوبة ،و كأن الأمر مقصود قصدا؛ الهواء لا يسمح لنفسه بالدخول مخافة التلوث. التلاميذ متأهبون ، و متحمسون لاجتياز الامتحان ، في عيونهم تحد ، و في أنفسهم شراهة النجاح.
دق الجرس فقمت بتوزيع أوراق التسويد و الامتحان. و بقيت أذرع الحجرة ، أحس بمتعة و أنا أنصت لوقع أقدامي ترسم الخوف في القلوب ، يطربني إيقاع الحذاء ، أحس نفسي جنديا في ساحة الوغى ، أزرع الرعب في قلوب الأعداء ، و أجلب لي نياشين النصر؛ أتنقل بين الصفوف متأملا صمت الفصل و إيقاعي ، في ما التلاميذ قد انكبوا على الأوراق باهتمام بالغ. ظننت ، للحظة ، أنهم قد غرقوا ، فكانت فرصة لاعود إلى الكرسي جلبا لمزيد راحة ، فلا حركة تدل على نية القيام بالغش.
في لحظة ، رفع التلاميذ رؤوسهم ، استقاموا ، رشقوا السبورة بنظرات متسائلة ، ثم جمعا تثاءبوا ، انفتحت أفواههم على أشدها ، فخيل لي أن الفصل قد صار فم قرش يطلب الطعام ، و خيل لي أنني ذاك الطعام المطلوب ، و وجدتني أنجذب إلى داخله حتى إني أحسست بحدة الاسنان الشبية بالمناشير. تذكرت ذلك الذي ذهب مغاضبا فالتقمه الحوت ، ها أنا في بطنه ، أتنقل بين أروقته ، قاومت بدمع الروح ، و بالصبر مقتاح الفرج ؛ قاومت بقوة الرغبة، بالكاد استرجعت حضوري و خرجت من دهشتي. مازال التلاميذ متثائبين ، يصدرون في الوقت نفسه صوت : آآآآآآآآآآآآخخخخ؛ لم يضعوا أيديهم فوق أفواههم الفاغرة ؛ فسرت العدوى في جسمي ، و بشكل لا إرادي فتحت فمي متثائبا ، شعرت بدبيب خدر لذيذ يكتسح جسمي ، و بعيني و هما ينغلقان من دون إرادتي. و بارتخاء شديد ، ملت إلى الوراء مغمض الجفنين ، و مال رأسي إلى أن لامس الجدار، و بدأت في إصدار شخير متقطع..و حلمت أني أغرق ، و أغرق ..إلى أن أخرجني صوت ينادي علي :
_ أستااااااذ ، أستاااااااذ ؟
نهضت مرتجفا ، و بصوت متلعثم رددت :
_ماذا ؟ و وضعت ظهر يدي اليسرى على فمي و قد تابع تثاؤبه.
رد علي التلميذ المنادي بهدوء :
_ لقد أنهينا الامتحان ، و الأوراق أمامك ، و قد وقع كل واحد ..
دعوتهم للانصراف. و بقيت أمام كومة الأوراق متأملا..بدت لي شبيهة بأكياس خندق وضعت لحماية النفس من رصاص طائش ، و غير طائش ، تبسمت لأبعد كآبة حلت كفراشة ربيع أزهر قبل أوانه. و أنا محلق في وهمي الجميل ، هبت ريح صرصر عاتية ، أطارت الأوراق ، و للحظة تخيلتها طائرات نفاثة تريد إلقاء كرهها علي . ارتعبت ، رمت الفرار، ثم ، بفعل فكرة ملهمة ؛تدثرت بكومة الأوراق كطوق نجاة ، و أكملت غرقي.

السابق
ربع دينار
التالي
خريف

اترك تعليقاً