القصة القصيرة

تخاطر

على امتداد الأرض و البصر بما حوى ، و السماء ..
ترى كائنات حية شتى تنتشر فى اتساق بديع .
ترى البشر و ما دونهم من خلايا وحيدة التكوين و ذرات و جزيئات تسبح فى ملكوت الله كيفما تشاء يربطهم قانون ثابت .
تتحد حينًا و تنشطر أحيانًا أخرى و الناموس الإلهى ثابت لا يتغير .
الكل يصارع عجلة الزمن وصولًا إلى الهدف المنشود سواء كان تحت سنا القمر الساطع أو فى ظل انتشار الظلام الكثيف .
منهم من يطير بجناحين فى جو الفضاء يحاول اختراق المدى البعيد ، و كأنه يسابق حكم القدر ، و يتوق إلى السمو إلى طبقات العلى كى يرفل فى النعيم المقيم ، و منهم من ينبطح داخل ذاته على وجهه يغط فى سبات مُليم .
خسر الدنيا و الآخرة ..
غير أن الكل يتنفس الصعداء فى النفس الواحد ، و هم يشهقون الشهقة الواحدة لا يدرى أحدهم مقدار ما يعانيه الآخر .
بينما أعينهم و أفئدتهم مملؤة بنظرات الحيطة و الحيرة على الدوام ، و لا يأمنون غدر الآخرين .
بينما (سعيد) ابن القرية الغافل أهلها إلى حد الموات ،
و المسافر دومًا منذ يوم بلوغه إلى المدينة الساهر أهلها
فيما لا ينفعها و لا يضرها بحثًا عن لقمة العيش ..
لا تشغله مظاهر (العولمة) التى تلف أرجاء الدنيا و كل الكائنات الحية المنتشرة دونه .
لا يشغله غير إحساسه المتنامى بأنه الإنسان الوحيد السعيد دون أبناء قريته الرابضة بعيدًا عن أطراف المعمورة .
فهو لا يهتم بطائر محلق فى جو السماء ، أو كان يتوق للوصول إلى المنتهى ، أو ينكفئ إلى سابع أرض .
لا يقلقه إن كان يعى معنى كلمة (العولمة) ، و ما تكون ، و لا إن كانت حكت له جلده من عدمه .
ماض هو فيما درج عليه من يوم مولده .
حريص على علاقتين متلازمتين فقط .
علاقة خاصة جدًّا .. تربطه بذاته و كسب قوت يومه ..
و علاقة حبالها موصولة بدائرة محدودة جدًّا من البشر المحيطين به تخص أسرته الصغيرة .
قانع و راض بهذه العيشة البسيطة ، و سفره و عودته كل يوم من و إلى المدينة .

***

فى ظهيرة يوم عبوس …
دخل (سعيد) صحن داره على غير المعتاد محملًّا بأرغفة المخبز الآلى القريب من موقف (عبود) كالمعتاد ، و بعض بقايا الخضار العازف عن شرائه الزبائن بالوكالة محل عمله بالسوق الجديد بعد نقله من حى روض الفرج إلى موقعه الجديد .
كان (سعيد) كلما خرج من داره مع أول شعاع يهبط على القرية لا يعود إليها إلا فى غبشة الليل .
هكذا كانت سنين عمره التى تجاوزت الخمسين عامًا بقليل الآن .
فى عودته هذا اليوم على غير العادة ، سمع صوتًا يموج بالغناء فى (القاعة) الضيقة بوسط (الدار الجُوّانى) .
تسمر فى مكانه ..
استرق السمع مليًّا ..
للحظة ، اختلط عليه الصوت ..
هل هذا الصوت … صوت ابنه ؟!
أم أنه قادم من تلفاز الجيران ؟!
بعد برهة تأكد يقينً أنه صوت ابنه ، فأذناه لا تخطئان نبرات صوت ولده .
إنه صوت (مجدى) لا محالة .
ثبت (سعيد) فى مكانه و لم يتململ ــ و هو غير مصدق ــ
حاول أن يصدر صوت ( نحنحة) عالية ليعلم من بالدار أنه قد وصل ..
لم يطاوعه صوته الأجش .
كرر المحاولة عدة مرات …
لم يستطع ..
صفق (سعيد) بيديه الخشنتين بعدما وضع ما كان
يحمل على (المصطبة) القريبة من يده ، و كأنه ينادى على نادل فى قهوة بلدى …
لم يأته الرد !
زاد حنقه ..
لم ينتبه (مجدى) إلى قدوم والده على غير العادة .
واصل شدوه المنفرد مرددا هذا المقطع : ــ
“يابت .. يا محيره العـشاق ..
مين اللى دلك ع القــساوة ؟
لو كان الفراق هو السبب ..
دا البعاد يا حلوه يزيدك غلاوة
و لوكان السهاد هو السبب ..
أنا يا قلبى على الغـرام ناوى
أنت روحى , و روحى لكِ ..
مهما تُهتِ فى بحر الغباوة “.

***

انتظر (سعيد) لبعض الوقت ، و الحيرة تـقذف به فى كل جانب ..
طرأ على خاطره المتكلس بعض الأسئلة :-
ماذا أنت صانع يا سعيد ؟
من أين جاء (مجدى) بهذه الكلمات الهابطة ؟!
بل من أين جاء بهذا الصوت الجميل ؟!
و هذا اللحن الشجى ؟
و من تكون هذه البنت التى يناجيها هذا الولد (الخلبوص)* بهذه الكلمات المنحطة ؟
و كيف سمح هذا الزنديق لنفسه أن يغلق عليه الباب ، و كيف أدخلها إلى الدار من أصله ؟
بل كيف سمحت له أمه بأن يدخلها إلى مخدعه ؟
بل أين ذهبت أمه فى هذه الساعة ؟
الأفكار تكاد تأكل جل عقله المتوتر .
لم تطل وقفة الرجل بصحن الدار ..
تقدم و الغيظ يتملك منه .
خلع الباب الحاجز بينه و بين ابنه الفاسق .
وجده مستغرقًا تمامًا ، و ظهره منحنٍ على لوحة الرسم الهندسى التى اشتراها له يوم أن أدخله مدرسة الصنايع كقوس قزح فى أيام الشتاء القارص .
وجده منفصلًا عن الوجود ، للدرجة التى لم تجعله يحس بدخوله عليه ..
فى لمح من البصر كانت عيني (سعيد) قد جابت كل أرجاء (القاعة) الضيقة ليكتشف وحدة ولده ، و انغماسه فى رسم منظور هندسى أمامه .
توقفت فورًا نظرات (سعيد) و نزلت بردًا و سلامًا على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جذور البوص البلدى
المكان و وجه ولده الشاحب ، و انتفخت أوداجه دون أن ينبس ببنت شفة ، ثم خرج يبحث عن (أم عمارة) زوجته
خارج هذه القاعة الضيقة .
فهو لا يستطيع حمل النبأ الذى جعله يعود فى هذا التوقيت من النهار طوال هذه المدة .
فتش فى كل ركن بالدار عن (أم عمارة) ، لم يجدها ..
فالدار على رحابتها لا تضم سوى مندرة ، و قاعة بوسط الدار الجوانى و حظيرة للمواشى لم تسكنها دابة واحدة من يوم ورثها عن أبيه ، و سلم يؤدى للسطح العامر بعشش الدواجن الخاوية على عروشها ، و (أمطار) القمح التى بطل استخدامها من يوم استنباط سلالات (سخا) و توابعها ..
حظيرة المواشى جاثم على صدرها فرن بلدى خامدة نيرانه من يوم إنشائه ، و أمامه موقد بوتاجاز مطفأ أغلب ساعات النهار ، فالقراريط القليلة التى ورثها عن والديه باعها بجنيهات معدودة من أجل شراء تلفاز ملون و بوتاجاز بفرن .

***

عندما لم يجد (سعيد) ضالته في أركان الدار عاد إلى القاعة و هز ابنه هزة أخرجته عن سرحانه و شروده و سأله بحدة عن أمه …
قبل أن يجيب (مجدى) أباه كانت والدته تدفع باب القاعة بردفها ، و هى تحاول خلع جلبابها الأسود عن
جسدها الأبيض البض كشفت عن ساقيها لما فوق الركبة
رغمًا عنها ، فهى تدرى أن ولدها بمفرده داخل هذه القاعة الضيقة التى يدخلها كومة من شعاع الشمس فى هذا التوقيت بالذات من (الرّزونة) التى تتوسط سقفها المعروش بحطب الأذرة ، و بعض أعواد البوص البلدى، هذه الكومة من شعاع الشمس الساقطة بمنتصف القاعة يتخذها ولدها (أباجورة) تضىء لوحة الرسم الهندسى .
فى هذه الأثناء بدا لـ (سعيد) استدارة سمانة سيقان زوجته فجأة …
أخذته نشوة خاطفة ..
و حتى لا ينفضح أمره أمام نجله تبسم خلسة لما رآه من زوجته .
عندما أحست (أم عمارة) بوجود زوجها جالسًا على (كنبة) عمارة ولدها البكرى صكت صدرها قائلة :-
“يا لهوى ..
أبو عمارة ..
جيت إمتى ؟
إيه اللى حصل ؟”.
علت ضحكة (سعيد) لحد القهقهة ..
ملأت الضحكات براح القاعة الضيقة .
لم تدرِ (أم عمارة) هل كانت قهقهة زوجها مما رآه من
سيقانها الملفوفة و جزء من نهاية فخذيها ، أم لسبب آخر يكنه فى صدره .
أخذ (سعيد) بيد زوجته على ما هى عليه بشعرها (المنكوش) الذى يغطى نصف وجهها ، و يضفى عليها بعض البهاء ، و صدرها شبه العارى لكونها كانت ترتدى الجلباب الأسود على قميص بحمالات شفاف لشدة حرارة الجو .
سار بها إلى وسط الدار البَرَّانى ، ثم رفع ما كان وضعه فوق المصطبة من حاجات تخص طلبات الدار ، و وضعها بين يديها ، و راح يهمس فى أذنيها ببعض الكلمات التى لم تنتبه لها (أم عمارة) جيداً بسبب انخفاض صوت زوجها .. قائله له :-
ــ “مالك يا سعيد ؟
موطى حسك ليه ؟
باب الدار مقفول و الساعة ساعة قيالة ، و كل الجيران هاجعين فى هذا التوقيت ..
هو فيه إيه ؟”.
ــ عندى لكِ خبر بمليون جنيه .
ــ طيب .. متقول على طول .
ــ الواد عمارة .
ــ ماله عمارة يا بوعمارة ؟
ــ المعلم بتاعى وافق .
ــ وافق على إيه يا بوعمارة ؟
ــ وافق على شغله معانا .
زادت اتساع حدقتي (أم عمارة) فى وقفتها بين يدي زوجها , و كل ما كان يجرى على لسانها :-
إزاى؟ ..
إزاى يا (سعيد) .. إزاى يا ناس ؟؟..
ــ ليس هذا فقط يا (أم عمارة) .
بل إن (المعلم) وافق على ارتباط ولدى (عمارة) بابنته الوحيدة و زميلته في الجامعة ، و تخصيص الدور الثانى مـن (الفيلا) مقـرًّا لإقـامتهما بعد التخرج ، و إتمام الزواج .
خارت قوى (أم عمارة) و ارتمت بكل جسدها البض فوق مصطبة وسط الدار تنتحب بشدة ، و هى تتعلق بذراع زوجها المرتعش ، و عيناها تتوقف عند شفتيه اللتين لم تكفَّا عن التوقف دون إصدار حرف بعد الذى قاله .
ربتت (أم عمارة) على كتف زوجها و دموعها تسيل بحارًا تروى أرضية وسط الدار البرانى .
فاليوم كان يوافق ذكرى حادثة قطار قليوب الذى راح ضحيته الكثير من أبناء الوطن للإهمال المنتشر بكل شبر في ربوع البلاد ، و أولهم ولدها (عمارة) .
لهذا كان حضور (سعيد) زوجها على غير العادة و خروجها وقت القيلولة للمقابر لقراءة الفاتحة على روح فلذة كبدها ، نوعًا من التخاطر ….
***

السابق
مات الكلبُ في حيّــنا
التالي
شكّاك

اترك تعليقاً