القصة القصيرة

تعبٌ كلها

كان وجود (رامي النحّاس) بيننا في الفصل أمرًا عجيبًا لا يكاد يُصدّق لشدة غرابته. كان معرفة بين نكرات، أو زنبقة في قفر، أو أميرًا بين الغوغاء. نسعى جميعًا لصداقته ونتزلف إليه نلتمس رضاه، غير أنه يوم عوقب لم يُخفِ أكثرنا شماتته وحسده.
امّحت ذكريات كثيرة بفعل الزمن، بهتت أحداث كانت من قبل متوهجة كالنجوم في سماء الذاكرة البعيدة، وتضبّبت أخرى فلم أعد أتبين ملامح أشخاصها. بقيت بقيّة كالوشم على الجلد، كأنما نُحتت في جدار الجمجمة كآثار الفراعنة الخالدة على جدران معابدهم، بكل ألوانها المتألقة وتفاصيلها الدقيقة.
لم تكن طفولتنا قطُّ طفولة عادية! على الأقل في المدرسة الإعدادية: تشرذمنا شللًا متنافسة وانقسمنا أحزابًا متناحرة، نتبارى في البطولات الرياضية، الإذاعة المدرسية، قيادة طابور الصباح، ريادة الفصل، تنسيق الحديقة، أمانة المكتبة، خوض المسابقات الثقافية والرياضية بين الفصول، وتمثيل المدرسة في المسابقات الكبرى على مستوى المحافظة والجمهورية.
نُقبل على تحصيل العلوم بنهم وشهية مفتوحة على مصراعيها، بحماس نوارس جائعة وقعت على شاطئ مكتظ بالسمك اللذيذ، عرفنا من أين تؤكل الكتف فكنا نتقرب إلى المدرسين زُلفى: نحمل عنهم حقائبهم الثقيلة، نُمدّهم بالعصي الخيزرانية والسياط الجلدية القصيرة التي يُرهبوننا بها، نسطّر كرّاسات التّحضير بأناقة وخط جميل، نرصد درجاتِ الاختبارات في الكشوف الشّهرية. نتولى حفظ النظام في الفصل بين الحصص لحين حضور أحدهم.
كانت المدرسة واحتي الفيحاء في هاجرة الحياة. فيها أتعلم وألهو وألعب، أدمنت القصص بأنواعها والروايات البوليسية بصفة خاصة، أصبر على الجوع ولا أصبر عنها. ألتهم يوميًّا واحدة على الأقل بمصروفي البسيط، فأشعر بلذة لا مثيل لها.
أنا و(رامي النحاس) كفرسي رهان، نتناوب المرتبة الأولى والثانية بفارق ضئيل، عقب أحد الاختبارات الصعبة بدا وكأنه سيحوز قصب السبق دوني، تملكتني غيرةٌ عمياءُ وهو ينظر إليّ نظرة ذات مغزى، ويهزّ رأسه ذات اليمين وذات الشمال، مترنمًا ببيت أبي العلاء المعري، ويغيظني غامزًا متهكمًا: تعبٌ كلها الحياة…
كان بحوزتي يومها (عصفور من الشرق) تُحفة الحكيم الرائعة، أخفيها بين دفتي كتاب القراءة كأنها عورة لا ينبغي لأحد رؤيتها، أختلس النّظر إلى سطورها بين الفينة والفينة، أحاذر أن تراها المعلمة فتبطش بي، أو على الأقل تُغيّر نظرتها إلىَّ وتسقطني من عينِها.
أغلبنا فقراء صعاليك، انتظمنا في سلك التعليم المجاني على أمل أن نصبح شيئًا مذكورًا. كان (رامي) من دوننا من أبناء الوجهاء المترفين، ربما أتى مدرستَنا الشعبية مُضطرًا، بسبب انتقال والده المستشار الكبير لرئاسة المحكمة القريبة، كتبه مجلدة، كراساته منظمة، ملابسه أنيقه، عِطرُه المميز يسبقه أينما حلّ، وينبئك أنه قد مرَّ للتوِّ قريبًا من هنا.
كان مترفًا تعرف في وجهه نضرة النعيم، بعينيه الخضراوين وخديه المتوردين وقده الرياضيّ الممشوق الذي يتفجر قوة وشبابًا، بينما نحن حوله هزالى كقطيع من الماعز الجبلي الأعجف، لطول ما أكل الفقر علينا وشرب. في مباريات كرة القدم لا يخسر فريقه قطُّ بل يحالفه الفوز دائمًا. فإمَّا أن ينحاز الأكفاء إليه طواعية واختيارًا، أو ينهزم الخصوم له تملقًا وتزلفًا. تتنافس على صحبته فتيات مدرسة البنات المجاورة، ويتسابقن في لفت انتباهه، والسعيدة منهن من تحظى برفقته ولو ليوم واحد تتيه به على قريناتها.
لا مجال للمقارنة بينه وبين الحرافيش المعدمين أمثالنا: فقد كنا كالنمل الجائع نقتات على طعامه الشهيّ، وحلواه الغالية وبعض مصروفه اليومي الكبير. نحيط به إحاطة السّوار بالمعصم، نستمع ونستمتع منبهرين بوصفه الماتع للحفلات والسّهرات، التي لم ترها منا عين ولم تسمع عنها أذن ولم تخطر لنا على قلب. حفلات كالأساطير تزينها الجميلات، حافلة بشتى أنواع الطعام والشراب من كل ما لذ وطاب، تتخللها الرقصات والأغاني، يستولي على مسامعنا وهو يقصّ نُتفًا من مغامراته العاطفية، التي كنا نظنّها لفرط غرابتها أحلام يقظة يبتكرها من بنات أفكاره، أو تخيلات يهذي بها من أمّ رأسه، وينثرها كالبُهارات، يفتح بها شهيتنا لحديثه الدّسم.
ذات ظهيرة رجعنا من الفُسحة؛ لنجد المعلِّمة مكفهرّة الوجه، تكاد تميّز من الغيظ، وهي تشير إلى بيت أبي العلاء المعري، منقوشًا على السّبورة بخطٍّ كبير وتصيح بغضب:
– مَن منكم كتب هذا الهُراء؟
لا أنسى نظرة العِتاب؛ التي صوّبها إليَّ (رامي) بعد أن وشيتُ به تحت التهديد. أعترف أني كنت يومها نذلًا إذ أفشيت سره مضطرًا، لأتجنب العقاب الجماعي الذي لوّحت به المدرسة وأقسمت على تنفيذه غير حانثة ولو تشفع إليها فينا من تشفع. ابتسمتُ مُتعجبًا من حقد المعلمة الطافح وهي تضربه بقسوة وتنوح من قلبها:
إذا كنت أنت تقول هذا فماذا يقول أمثالنا؟
ثم تلتفت إليَّ فجأة فتُحنِقُها بسمتي المتشفّية، وتأبى إلا أن يسيل دمعي معه.

السابق
الآخر
التالي
صفعة

اترك تعليقاً