القصة القصيرة

تغريد الجميلة

لم يكن يظن يوماً أن حاله سيصل إلى هذا المنعطف!!
فكانت أيامه المنصرمة إلى وقت قريب صفحاتها مملوءة بالأخبار السارة.. يلوكها الجميع بأشكال مختلفة .
بالرغم من البدايات المتواضعة ..
(بيت ريفى بسيط مبنى بالطوب اللبن ، وسط ديار (قرية) صغيرة جداً) .
(قرية) لا تعد من (القرى) المتعارف عليها فى الريف المصرى على امتداده ، كما فى سجلات العديد من المراكز .. فهى متفردة فى كل شىء .
(قرية) ليس لها عمدة بالرغم من جذورها الضاربة فى عمق التاريخ ، وإن كان لها (شيخ) بلد يتبع مباشرة لمأمور (المركز) المنتمية إليه ، حتى (الخفراء) يأتونها من القرى المحيطة بتعليمات من المركز ، وإن كان منها (خفراء) ولكن نوبات خفارتهم دائماً ما تكون بالقرى الأخرى .
فتلك القرية لا يوجد بها سجلات لإثبات المواليد ، ولا الأموات على حد سواء ، للحد الذى يصعب على الكثيرين أن يعدوها (عزبة) كعزبهم قليلة الديار والسكان والتابعة إلى (كفر) معلوم الأبعاد ، أوقرية كاملة الأهلية والشخصية الاعتبارية ، من حيث السجلات والحيازات والمواليد والمدارس وكل شىء , مما يضطر أهلها لتسجيل أبنائهم ، وإلحاقهم بمدارس القرى المجاورة .
فلهذا ضاعت وتفرقت المواليد والمدارس ، والحيازات الزراعية بين الوحدات المحلية المجاورة للقرى والكفور المتعارف عليها ، حسب سجلات الحصر والتكليف الجغرافى والمساحى ، وكذا الترقيم القومى ، كل حسبما يريد…
وهذا يضاهى ما صنعه الاستعمار بكل البلدان ، التى استعمروها عبر التاريخ الإنسانى .
مع أن هذه (القرية) لها مقابر خاصة تدفن فيها موتاهم ، وكل من يولد على ترابها ولو حتى كان مقيماً خارج حدودها الجغرافية، بتصريح خاص من مكتب صحة المركز ، وهذه الميزة الوحيدة التى كانت تجمعهم فى صعيد واحد .
تلك القرية أوالعزبة (سمها ما شئت) تقع داخل حدود محافظة من محافظات الدلتا ، وبالتحديد بالجزء الأوسط منها ، وعلى الأخص بالقرب من شاطىء ترعة ضيقة ، مياهها أقرب ما تكون راكدة أو منحصرة إلى حد بعيد طوال أوقات السنة ، اللهم عند دفع بعض (المناوبات) المتقطعة حسب مزاج المسئول عن الرى.. وربما لكونها كانت تقع فى نهاية تلك الترعة ، وهذا لا يؤثر من قريب ولا من بعيد مما حدث مع (زياد الحصرى) .
ــ فلقد وجد نفسه (الولد) البكرى لأبوين فلاحين أباً عن جد ، وسط خمسة إخوة أشقاء (ثلاثة ذكور وبنتان) .
ووالده يمتلك من الأطيان الزراعية قراريط معدودة ، تسمى بأرض (التربيعة)
الواقعة ببر (الزراعية) من الناحية البحرية ، و(مصرب البلح) من الناحية القبلية
بطول خمسين متراً ، وانحصارها بين (مِسْقَة ولاد الدُكش) من الناحية الشرقية
، و(ديار العزبة أو القرية) من الناحية الغربية بعرض خمسة وثلاثين متراً .
بخلاف دار محشورة فى نهاية زقاق ضيق وسط كومة ديار القرية .. زقاق لايتسع (لدابتين) يسيران فى عكس الاتجاه فى آن واحد .
ــ و(عمين) أحدهما يعمل بمطابع (أخبار اليوم) بشارع الصحافة بالقاهرة ، ومقيم بمدينة قليوب البلد ، والآخر فلاح كوالده ، و(ثلاث) عمات جميعهن متزوجات ، ومستواهم الاجتماعى وأحوالهم المادية كغالبية القرويين ، والذى يساوى خط العدم سواءً بسواء .
ــ و(خال) شقيق لـ (والدته) من الأب والأم ، بالإضافة إلى ثلاثة (أخوال) و(خالتين) أشقاء لوالدته من جدته (شفيقة) التى تزوجت من عمدة قرية (ط.د) بعد وفاة زوجها الأول (ابن عمه) والذى ضم ميراثه وميراثها و(ولديها) إلى ما كان فى حيازته ، وهو كثير .. يقاس بعشرات الأفدنة ، كصنيع أبناء الريف عندما يموت زوج (امرأة) فى نطاق العائلة ، وحتى لايتفرق الميراث إلى عائلات أخرى .
كانت الأوضاع الاجتماعية والتعليمية لـ (أخوالة) غير الأشقاء لوالدته مرموقة ، بخلاف (خاله) الشقيق لوالدته ، والذى اختار رغماً عنه موالاة ميراثه وميراث شقيقته بجوار أطيان عمه وأخواته غير الأشقاء ليحافظ عليها .. لأنه ببساطة فاته قطار التعليم .
= عندما شق (زياد) الطور وأصبح مهيئاً للدخول للمدارس الإلزامية ، كان (خاله) الأكبر غير الشقيق (طبيب) يعمل بالمستشفى (الأميرى) بمدينة طنطا ومقيم فيها , و(خاله) الذى يليه مهندس يعمل بمصلحة الرى بمحافظة المنوفية ، و(الخال) الأصغر كان يدرس بكلية التجارة جامعة القاهرة ، والذى اختار لنفسه بعد الحصول على درجة (البكالوريوس) أن يدير أطيان والده الزراعية ومشاريعه الواسعة ، بعد أن دخلت مظاهر (الشيخوخة) إلى عقر حجرة العمدة ، وأصبح لايستطيع إدارة دفة الأمور .. لذا انتقلت إليه مهام العمودية أوتوماتيكياًّ .
انفصل (الخال) الشقيق بميراثه الشرعى بعد وفاة عمه ، وعاد ليفتح داره ويتزوج فيها .
ــ كانت قرية (أخواله) تعد من القرى النموذجية على مستوى المحافظة ، وكانت تحظى بالكثير من العناية الزائدة من المحافظ المنتمى لنفس القرية ولنفس العائلة ، وإن كان يشهد له بالكفاءة بغض النظر عن هذا الانتماء .
كانت المسافة بين (القريتين) ليست بالقليلة .
= وكانت (جدته) لأمه شغوفة به بشكل يثير الدهشة لكونه كان الحفيد الأول لها ، بخلاف ميراث والدته الذى كان تحت يد (خاله) الأصغر ومن قبله العمدة .
ــ وكان (والداه) وكل من رأوه يتنبؤون له بمستقبل باهر ، لنبوغه الفطرى
وشدة ذكائه وحدة بصره وبصيرته ، وكانا يريدان أن يرحماه من قسوة الفلاحة ، ومشقة المسير للمدارس المجاورة لـ (قريتهم) ذهاباً وإياباً كل يوم ، ويتمنيان أن يلحقوه للدراسة بمدارس (قرية) أخواله بالرغم من ندرة الراغبين من أهالى تلك القرى لهذا المنحنى ، والاستفاده بهم فى أمور الفلاحة .
ــ عندها فرحت (جدته) لأمه بهذا القرار ، ورأت فيه العوض بعد زواج ولديها (الطبيب) وإقامته بمدينة طنطا ، و(المهندس الزراعى) وإقامته بشبين الكوم .
تفانت (الجدة) فى خدمة (زياد) تكفيراً لما فاتها مع أمه وخاله الشقيق .
خصصت له حجرة مستقلة بمفرده فى بيتها ، الذى كان يعده معظم أهل القرية والقرى المجاورة أنه يضاهى أفخم (الفيلات) التى كانوا يرونها بالعاصمة وبعض عواصم المحافظات الكبرى .
ولِما لا ؟ وهو بيت العمدة الكبير؟!
كان يضم (دواراً) و{سلاحليك} لبنادق الخفراء ، وحجرة (حجز) للخارجين على الأمن والمطلوبين للتجنيد … إلخ .
وكان مبنى بالطوب الأحمر والخرسانة على هيئة دائرة كاملة الاستدارة يحيطه سور مستطيل بمدخل طويل تلفه الأشجار المثمرة ، من شتى أنواع الموالح من كل جانب .

***

يرتفع قرص الشمس لعنان السماء كل يوم ، فيسطع شعاعه الدائم فينير الكون بلا عناء ، فيعرف كل من يدب فوق ظهر الأرض موطئ قدمه وحافره ، وتسعى أسراب النحل إلى مكامن الرحيق الشهى فى أكمام الأزهار ، وكل الخلائق تدور بعزم المشوار لتلتقط رزقها المكتوب فى خفة ودأب وحنو .
ولكونه الحفيد الأوحد آنذاك لـ (جدته) لأمه فى هذا البيت الكبير الطويل العريض ، وندرة حضور أحفادها لأبنائها الذكور ، وعزوف (خاله) الأصغر عن الارتباط ببنت الحلال .
أسرفت (الجدة) فى تدليله بعد زواج (خالتيه) وبعدما أصبحت إقامته شبه دائمة معها .. اللهم سويعات قليلة تلك التى كان يقضيها بين إخوته ووالديه كل أسبوع ، فى قريتهم الفريدة فى كل شىء عن كل القرى…
حتى فى الاجازات النصف سنوية والسنوية كثيراً ما كان لا يبرح حضن (جدته) خاصة من بعد أن أصبح (الخال) الذى عزف عن الزواج يتخذه ولداً .
ــ كلما شب عود (زياد) وزاد طوله واخشوشن صوته فى جوفه ، كان يصحبه (خاله) إلى مجالسه التى كانت شبه دائمة ليلاً بـ (الدوار) ويشركه فى الحوارت الدائرة بين الكبار…
شيئاً فشيئاً صار (زياد) له كلمة مسموعة بين الناس .
= أكمل تعليمه الثانوى بشق الأنفس ، وحصل على شهادة الثانوية العامة .. السنة الثانية (للنكسة) ولشىء فى نفس (خاله) الأصغر ألحقه بـ (الكلية
الحربية) .
……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

ولظروف البلد التى كانت تمر بها حينذاك ، قبلته (الكلية الحربية) لسد النقص فى صفوف القوات المسلحة ، دون التفريط فى مبدأ من مبادئ القبول ، ولنفس السبب تم تخريج هذه الدفعة بأكملها والدفعة التالية لها ، بعد مضى عامين ونصف العام فقط .
………………………………………………………………………………………
………………………………………………………………………………………

فى أول أجازة بعد تخرجه كانت (جدته) لأمه تنتظره بفارغ الصبر، وكانت قد جهزت له أربعة (نجيمات) ذهبية لتعبر عن فرحتها بتخرجه .. وما أن توجت كتفيه برتبة (الملازم أول) سرعان ما دخلت فى نوبة صراع شديدة مع مرض (الربو) اللعين ، والتى لم تستطع مقاومته سوى شهور معدودة .
فارقت الحياة من بعدها ليعود (ابن الحصرى) إلى أبويه وأشقائه والقرية ، التى هى ليست بـ (قرية) ولا هى بعزبة ورأسه أعلى من النجوم .
ــ فى تلك الشهور كان (الخال) الأصغر قد عدل عن إضرابه الطويل عن الزواج ، واستطاعت فتاة (طنطاوية) كان أبوها عضواً بمجلس الشعب آنذاك ، من عائلة (عوارة) أن تثنيه عن هذا الإضراب ، وتوافقت مع ميوله وزفت إليه وهو لا يدرى مقدار اهتمامها وتقبلها لـ (زياد) .
………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………

ــ أخذته التدريبات العسكرية الشاقة فى تشكيلات وحدات القوات المسلحة من نفسه ، وكانت أوقات أجازاته قصيرة للحد الذى كان لا يستطيع فيها العروج على كل أهله دفعة واحدة ، إلا بعد ما تمكن رجال القوات المسلحة المصرية الأخذ بالثأر، وردوا الصاع صاعين للعدو الصهيونى المتغطرس والدائم إلى يوم القيامة .

***

عندما تهدأ الأعصاب وتسترخى الأبدان ، تتفتح الشرايين فى الجسد مهما كان مكدوداً ، وتطفو البسمة فوق الشفاه العابسة ، ويصير كل من كان يجر ذيول الاحباط بالأمس القريب , وكأنه اليوم يرفل فى النعيم المقيم لتصبح الأعناق تطاول شواشى الأشجار الباسقة ، وبخاصة كل من كان ينتمى إلى المؤسسة العسكرية ، وعلى وجه التحديد من تعلو رؤوسهم النجوم وتزين صدورهم النياشين والأوسمة .. لشعورهم بأنهم فوق العادة ، وأنهم محوا العار الذى جلبه بعضهم فى ساعة غرور وتضخم “الأنا” والحقيقة تنطوى على كثير من المفاسد الغير معروف أبعادها الكاملة حتى الآن .
ــ حصل الملازم أول (زياد الحصرى) على وسام عسكرى للدور البطولى الذى بذله ضمن أفراد اللواء (117) مشاة ، وقائده (اللواء محمد الحديدى) إثر تصديه للواء الإسرائيلى (190مدرع) وتدميره بالكامل ، وأسر قائده العقيد (عساف ياجورى) والتى توقفت عندها العسكريات العالمية كثيراً بالدراسة والتحليل لسنوات طويلة .
ــ من هنا كانت نقطة التحول والتمكين الثانى للمؤسسة العسكرية ، وعلت وتيرة الهيمنة على مقاليد الحكم المدنى , حتى أصبح الفصل بينه وبين الحياة العسكرية درب من الخيال ولتصبح المقولة الثابتة راسخة ومحققة عند العامة :
” إن فاتك الميرى اتمرمغ فى ترابه . وضده . السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ”
وكان الدوران الحتمى دوران للعكس ، ومن ثم انطلقت صيحة الانفتاح الاقتصادى بلا ضابط ولا رابط ولا منهجية مدروسة ، وركب الغرور الأنفس الشح والحمقى ، ودارت الأبصار الزائغة وسط هالات الضلالات المتفشية بالأطماع ، والأقوال الفضفاضة و(الهمبكة) والغلول الذى دائماً ما يصفو على لا شىء .
ــ فما هى إلا شهور معدودة بعد تحقيق النصر المؤيد بسجود الشيوخ الركع والأطفال الرضع والبهائم الرتع ، واستقبلت مدن القناة الثلاث أهلها بأذرع مفتوحة عن آخرها ، ولكن كان على حساب باقى أفراد المجتمع الذى دفع الثمن غالياً من دمه ومستقبل أبنائه ، ولتعود شريان التجارة الدولية ، وصار كل من كان يحبس (مليماً) ينشره للفضاء وللتكاثر (لتقب) فئة طفيلية على السطح ، وتدور فى فلك النخبة الحاكمة لتستفيد من فساد القوانين المفصلة للمرحلة ، ولتفتح الأبواب الخلفية ويفرجوا بدورهم عن نقودهم المخبأة تحت (البلاطة) ويدوروها فى (ميغة) السوق المسماة بالاقتصاد الحر ، ليصبح سعر (أبو قرش .. بقرشين) ولتختفى من الخريطة الطبقة المتوسطة ، لتنعم الطبقات الجديدة بكل الاستثناءات والإعفاءات والتسهيلات ، ليكونوا من بعدها (رجال أعمال) وزادوا فى القول أمام عيون العامة كمن يقول :
(للإتان.. شى) وكأنه جواد عربى أصيل ، وأسموهم بطائفة (المستثمرين الجدد)
ولم يفُتهم أن يجدوا للجماهير المطحونة بروازاً ذهبىياًّ يدغدغ عواطفهم ويرضى غرورهم بـ (محدودى الدخل) ..

***

فى إحدى أجازات (زياد) القصيرة التى كان يعرج فيها إلى مسقط رأسه ، وجد قراريط (أرض التربيعة) كل ميراث والده قد دخلت كردون المبانى ، حسب آخر خط تنظيم (للقرية) فشرع مع (خاله) الأصغر في تقسيمها إلى (عشرة) قطع متساوية على صفين ، بينهما شارع عرضه ستة أمتار ، وطرح تسع قطع منها للبيع بمعرفته بأعلى سعر .
ــ لم تمض السنة وكان بيت (الحصرى) الجديد ببر (الزراعية) واقفاً شامخاً على قواعده وأعمدته الخرسانية المسلحة بين بيوت القرية الطينية ، يضارع العمارات الشامخة بالمدن الحضارية .. بينما كان (زياد) يبحث عن نصفه الآخر فى كل شقوق (البلدة) محل ميلاده بمدقاتها وحواريها ، عن فتاة تساويه وتكافئه فى القَدْر والمكانة .
لم يجد ..
طلب من خاله (العمدة) أن يدله على أهل بيت ، يضاهى مكانته المرموقة التى تنتظره .
تمنع (الخال) عن التمادى مع ابن شقيقته فى هذا الموضوع ، بناء على رأى قرينته الذى قرأه دون تصريح منها .
انطوى (زياد) على نفسه فى وحدته العسكرية التى نقل إليها حديثاً بالمنطقة المركزية ، وعزف عن النزول في أجازاته الدورية .
ــ بعد مدة تغلب (زياد) على أحزانه الشخصية ، وفى إحدى عربات قطار الإكسبريس المتجه لمدينة طنطا .. كانت جلسته بجوار النافذة المطلة على الطريق الزراعى (القاهرة – الإسكندرية) عكس مصدر أشعة الشمس وقت الغروب .
بعد فترة لا يعلم مداها ، اكتشف أن الفتاة الجالسة بالكرسى المقابل له تتطلع إلى كل تفصيلة فى ملامحه الشاردة ، وكأنها تعرفه أكثر من نفسه .. تداخل فى نفسه أكثر فأكثر حتى لا تصل الفتاة بنظراتها المدققة لأغواره الداخلية ، فتعريه من وقاره .. رسم ابتسامة ثقة على شفتيه الرقيقتين .. واستكمل تصنع الوقار الذى يجيده ، بينما داخله كاد يقفز من بين جوانبه ويلتهم الفتاة فى قضمة واحدة .
إلا أن قدوم رصيف محطة الوصول كان أسرع من أفكاره المتلجلجة .. قبل أن يهم بالنزول (كبس) الكاب الميرى ذو الشريط الأحمر والنسر النحاسى فوق رأسه ، وتناول الشنطة (السمسونايت) من فوق الرف .
فى هذه الأثناء كانت الفتاة قد انسلت من كرسيها ، ووقفت أمام باب النزول ..
تقهقر للخلف خطوة ليتيح لها الهبوط أولاً .
أثناء هبوطه درجات السلالم المفضية لخارج محطة السكة حديد (طنطا) كان
قد قرر أن يعرج على بيت خاله الطبيب الذى أصبح مدير مستشفى (المنشاوى) والمبيت عنده ليلته قبل الذهاب لداره بقريته .
كانت المسافة بين محطة السكة الحديد و(ميدان الساعة) حيث منزل (خاله) الطبيب لاتستحق الركوب .. شد طوله ورفع هامته وبخطوات منتظمة أطلق ساقيه بالسير وكأنه فى طابور تشريفة عسكرية ، والفتاة تلهث بخطواتها
القصيرة كى تلفت نظره بوجودها خلفه .
قبل خطوات معدودة من منزل (خاله) لمح الفتاة تلتقط أنفاسها بصعوبة ..
أشفق عليها من هذا اللهاث حتى انخلع قلبه خوفاً عليها .. أبطأ السير حتى يدعها تمرق أمامه .
ماهى إلا سوى خطوات قليلة تلك التى سارتها الفتاة أمامه ، وسرعان ما انبرت يميناً وولجت داخل البناية المقابلة لبيت (خاله) الطبيب .
رماها بنظرة حانية وابتسم ابتسامة عريضة ، قبل أن تندلف بالكامل داخل تلك العمارة .
ــ استقبلته زوجة (خاله) الطبيب بوجهٍ بشوش وترحاب كعادتها .. وبنظرة فاصحة وجدته (مشوش) الفكر والنظرات واللفتات.. خَلّت بينه وتركته لنفسه ، ولم تعقب على تلك النظرات الهاربة واللفتات الزائغة ، أو تقطع برأى فيما تساءل عنه حول فتاة القطار ، التى دخلت العمارة المقابلة لعمارتهم ، حتى المساء انتظاراً لحضور (خاله) الطبيب .
ــ استقبله (الخال) بنفس الحفاوة المعتادة ، وبعدما تناولوا العشاء قص الحكاية على مسامعه بتحفظ شديد ، وخشى أن يخوض فى التفاصيل العميقة ، لأن المسافة بينهما لم تكن تسمح بالغوص العميق .
ــ فى صباح اليوم التالى كان بين يدىّ (العمدة) خاله الأصغر يقص عليه كل ما حدث له خلال الساعات القلية الماضية .. بش وجه (خاله) للابتسامة التى ارتسمت على محيا قرينته ابنة (عوارة) ورضاها التام عن هذا الحوار بعكس ما كان منها من قبل! وقبل أن يحتجب (زياد) فى المعسكر لشهرين متتالين .
على الفور أحال الأمر برمته لزوجته ابنة (عوارة) .
ــ جلس (زياد) عند ركبتيها وقص عليها كل شجونه .. فمنذ تلك اللحظة تجمعت كل الخيوط بين يديها ببساطة متناهية ، وهى أبداً لم تحسب لهذا من قبل حساب ، ولم تكن تتوقع أن يأتيها اليوم لتطفئ النيران القديمة التى كانت مازالت متأججة تحت الرماد بصدرها وفؤاد أسرتها من عائلة (أبو حلاوة) المنتمية إليها البنت (تغريد) التى سحرت الضابط المدلل عند (أخواله) بفتنتها الطاغية ، وأسرتها الراقية والمكانة الزائدة عن الحد ، والذى قرأته فى كل العيون من حولها .
تلعثم (زياد) أمام انفعالات زوجة (خاله) وردود أفعالها والضحكات المسترسلة
التى كانت تطلقها على كل سؤال يطرحه وهو جالس عند ركبتيها .
فجأة ..
من بعد قهقهات بنت (عوارة) التى أثارت حفيظة زوجها ، قالت بصوت قاطع
وحروف مستقرة بعد ما قرأت ما كان يجول بخاطر كل منهما قراءة جيدة :
(عليكما أن تدعا هذا الموضوع على الله وعلىّ ، وكل ما أستطيع أن أقوله لكما (ألف مليون مبروك مقدماً) .
بشرط واحد ..
ولم تفصح عنه فى حينه .
ثم عادت لتقص عليهما تفاصيل عائلة (أبو حلاوة) وتذكر أدق التفاصيل التى
يكن يعلمها زوجها عن هذه الأسرة من قبل .
ولكن (زياد) استشف من قهقهة وبرودة حكى زوجة (خاله) أنها على علاقة وطيدة بهذه الأسرة قديماً .

………………………………………………………………………………………
……………………………………………………………………………………..

ــ (تهانى) الشقيقة الكبرى والوحيدة لـ (تغريد) ووالدهما (أحمد أبو حلاوة) هما اللذان رفضا طلب والدها وشقيقها عندما تقدم لطلب يد (تهانى) قائلاً :
لا.. لا..
كيف لطبيبة الغد الارتباط ببائع (حمص وحلاوة) ولو كانت المحلات محلات والده ، و يحمل بكالوريوس تجارة ؟!
ــ من بعدها تقدم شقيقى إلى جامعة عين شمس (الدرسات العليا) للحصول على درجة الماجستير تمهيداً للحصول على درجة الكتوراة لكى يتناسب مع (تهانى) وعائلتها ، وقف له الدكتور (رمزى) الشقيق الأصغر لـ (أحمد أبو حلاوة) بالمرصاد – وفى الخفاء – فكان وقتها يشغل (عميداً لكلية الزراعة) جامعة عين شمس قبل أن يصبح نائباً لرئيس الجامعة للدراسات العليا فيما بعد ، من إدراج طلبه ضمن المتقدمين للدراسات العليا .
فى نفس العام .. وبينما كانت (تهانى) فى سنة الامتياز ، ارتبطت بمهندس كان يعمل بشركة (المقاولات) ملك أبيها ، ومن ثم حمل أعباء الشركة على أكتافه بأمانة .
ــ أما {تغريد} والتى تقصدها فهى خريجة كلية الاداب جامعة طنطا ، وتختلف عنهم كثيراً فى كل شىء .
= تهلل وجه (زياد) بشراً بهذه المعلومات الجامعة ، وقبل أن يقوم من مكانه سمع صوت (نحنحة) خشنة أطلقتها زوجة (خاله) بحدة فى صورة تنويه وتحذير شديد اللهجة :
ــ قبل أن تغادرا مكانكما ، وتطلبا منى كما أرى التدخل فى هذا الموضوع وإنهائه .
ــ هل أنتما على استعداد لتلبية طلبات هذه العائلة؟
فأنا لا يمكننى الدخول فى أمر مرتين ، ولا أطيق الفشل ثانياً .. احزما أمركما قبل طرق الأبواب ..
وقع التحذير على رأس (الخال) كالصاعقة ، بينما دب الرعب فى قلب (زياد) وقبل أن تخور ضربات قلبه تذكر أنه رجل عسكرى ، ولابد أن يتحلى برباطة الجأش حتى تقيه فى مثل هذه المواقف الغامضة ، ولابد أن يبحث من داخله عن روح التحدى ، ولا يركن مطلقاً لليأس ، بالرغم من أنه لمح نظرات الهلع تملكت من دواخل (خاله) وأحس بشىء مريب يسيطر على عقله ويلف بصره بغلالة قاتمة اللون ، وكأن لسان حاله يقول :
ابنة (عوارة) زوجتى تضمر شيئاً فى نفسها دونما تصريح منها .
= قرأ (زياد) مالا يصرح به (الخال) الأصغر .
على الفور أخذ بذراع (خاله) وانفرد به بعيداً عن مسامع وعيون زوجته ، وأسر فى روعه ببعض الكلمات ، ثم رحل إلى داره أبيه بالقرية يزف لهم البشرى ، بأنه استقر مع خاله (فخرى) على بنت الحلال .
ــ سُرت الأم بالخبر السعيد والذى كانت تنتظره منذ سنوات ، وحاولت أن تعرف من ولدها شيئاً عن العروس .
أبداً..
ــ قبل أن تنتهى الأجازة السنوية ، كان (زياد) قد تأبط ذراع خاله (فخرى) وزوجته ، وشد الرحال فى الصباح الباكر إلى بيت (خاله) الطبيب ..
أرسل زوجة خاله (فخرى) تستطلع الأمر وتحدد ميعاداً لحضور العائلة .
وأمام رغبة البنت ومعرفتها بأن الأجازات العسكرية قصيرة ، حددت الميعاد فى مساء ذات اليوم ..
انطلق (الخالان} وزوجاتهما إلى بيت (أبوحلاوة) .
استمعوا جيداً إلى كل الطلبات ، والتى لم تطلب منها (تغريد) مطلباً واحداً ، وهى ترأف لحال من كانت رأسه أعلى من النجوم .
= لم يمر العام إلا وكان (زياد) قد تحصل من والدته على توكيل عام شامل ، كتعليمات زوجة خاله (فخرى) بحجة أنه سيقوم بالاقتراض من بنك القرية مبلغاً كبيراً بضمان ميراثها عند (خاله) الذى سبق له تسويق (ست) قطع من التسع التى قسمها من قبل بأرض التربيعة ، بسعر يفوق الأسعار حينذاك بعواصم محافظتى المنوفية والغربية على حد سواء ، وأودع حصيلة البيع ببنك المركز فى حساب خاص باسم (زياد) .
أيام معدودات تلك التى مرقت من العام الثانى للخطوبة ، وتم عقد القران ، وكان (زياد) قد تسلم مفاتيح الشقة (التمليك) بشارع البحر بطنطا كاملة التشطيب ..
تلك الشقة المكتوب عقدها باسم (تغريد) حسب الشروط المملاة سراً على خاله (فخرى) وزوجته وبرضاه الكامل ، ومن ثم بدأ تأسيسها بالأثاث الكامل على (مزاج) ورغبة أهل العروس .
فى هذه الأثناء كان الدكتور (رمزى أبوحلاوة) عم (تغريد) قد أنهى إجراءات إلحاق الرائد (زياد الحصرى) على قوة منطقة وسط الدلتا العسكرية بمدينة طنطا .
ــ فى أجازة نصف العام تم الزفاف السعيد بأرقى قاعات الافراح بالمدينة ..
حضره عدد محدود أو قل (معدوم) من أهل (زياد) .. أبواه وشقيقه الذى يليه فقط ، بالإضافة إلى أخواله غيرالأشقاء لوالدته .
= انتشر الخبر كالنار فى الهشيم بين الأزقة والحارات ، والغرف المغلقة بالقريتين ، وانتقل بسرعة البرق لكل القرى والعزب المجاورة !
(زياد بن الحصرى) الضابط الحاصل على أعلى (وسام عسكرى) فى معركة العبور الخالدة ، تنكر لوالديه وقام بالاستيلاء على ميراث والدته بالتوكيل العام الشامل بالتحايل ، وباعه خلسة لخاله (فخرى) بسعر لا يعلمه الكثيررون ، بعدما سطى على الأموال التى بيعت بها الـ (ست) قطع من أرض التربيعة كل ميراث والده من أجل أن يكافىء عائلات (عوارة ، وأبوحلاوة ، والمغازية) ومن أجل عيون (تغريد) الجميلة ، والحيثية التى رسمها لنفسه منذ هجر قريته الفريدة فى كل شىء منذ نعومة اظفاره .

السابق
ذكريات امرأة متعبة
التالي
استعار

اترك تعليقاً