القصة القصيرة

تفصيل وخياطة

نادرة كانت لحظات استرخاء أمي التي مكٌَنتها مشاركتنا ذكريات صباها او طفولتها فطلبات عائلتنا المباركة الأفراد لم تسمح لها بالراحة لأنها كانت دائمة الدوران في انحاء البيت مشغولة، وفي اللحظات القليلة التي اقتنصتاها لتبادل الحديث، كانت تسارع إلى توجيه دفة الحديث نحو طفولتها التي افتقدت الأب وانتظرت الأم العاملة كونها المعيلة الوحيدة التي ربت ثلاث فتيات من دخلِ عملٍ مضنٍ في الغسيل ، نعم كانت تغسل للخواجات ملابسهم وتعود من المدينة بعد مغيب الشمس منهكة لتطبخ بعض البرغل أو العدس ان توفر ، أعجبنا هذا المقطع الحزين وتعاطفنا مع جدتنا التي تعبت وبصقت الدم ، ولم يطل هذا الشعور طويلا فانصب اهتمامنا على ذالك الجزء من سيرتها الذاتية ،أعجبنا كثيرا كاطفال يتمنون التحرر بضع ساعات من تعليمات واحتجاجات الأم فرددنا بحسد : يا لك من محظوظة يا أمي كنت تلعبين كما تريدين ! معفاة من الوظائف البيتية وصراخ معلمة الحساب وعصا معلم الزراعة .

تقفز الى الفصل الثاني من رواية سيرتها الذاتية وتبدا بحزن دفين : يا ريت وافقت أمي وعلٌَمتني في المدارس ع الأقل أفك الحرف ! يا اولاد الدنيا عتمة سودا بعينين اللي ما بقرأ ولا بكتب ! أنا أمية لأن التعليم ع زماني كان للشباب وممنوع ع البنات لو تعلمت اختي الكبرى لساعدنا امنا في مصروف البيت ولو أن أمنا تعلمت القليل أو أتقنت صنعة ما ، لعَملَِت في مجال أفضل من غسل الملابس الذي اهلك يديها وكسر ظهرها ، وكأنها تلتقط السؤال من أعيننا الشاخصة فتواصل: ختيارية بلدنا كانوا يؤكدون أن التي تتعلم الكتابة والقراءة ستتعلم كيف تكتب مكاتيب الغرام للشباب وتفضح أهلها !
دائرة شديدة الضيق حلٌق فيها تفكيرهم الهزيل ولم يتمكن أحد من اقتحام حدود هذه الدائرة المفخخة .. هكذا قالوا واستمر فكرهم في التدحرج عل جليد سوء الظن واتهام كل امرأة حتى تثبت براءتها ومن حاولت الإحتجاج ، تدٌَخل نصل السكين فقطع أوتار صوتها وقصبتها الهوائية وشخب دمها فصبغوا منه ايديهم وطبعوها على جدرانهم الآيلة للسقوط … تهديد وعبرة لمن ترفع رأسها وعقيرتها ! ولم يسمحوا بغسل أو إزالة هذه البصمات الدنسة ، الله يتولاهم برحمته على تحكمهم بالنسوان والبنات .
أمي طلبت من والدتها ، جدتي ، أن تتعلم الخياطة والتفصيل عند إحدى السيدات اللواتي قصَدَتْهُن الأمهات لتعليم بناتهن و هو التحرك المتاح في مساحة النساء .. فهي تحمي الفتيات من الحب ! وتكسبهن مهارة تصليح وتدوير ملابس الأولاد، والزوج مستقبلا ، كما أن للخياطة فرع آخر وهو فن التطريز من قٌُطبة الفلاحي التي طرٌزنها وما زلن على الفستان الفلسطيني وهي على شكل علامة اكس ( × ) فنجحت أمي نجاحا باهرا في هذا الفن وحصلت على شهادة وجدناها صدفة في إحدى البقج حيث وضعت أمي مقتتياتها الخاصة ،جزدان عرسها الأسود المصنوع من جلد صقيل لامع، وفي داخل الجزدان بطاقات عيادة الأم والطفل التي تشهد على تناولنا تطعيمات الحصبة والكزاز والشلل وغيرها مما لم اكلف نفسي عناء فهمه ،فهذه التفاصيل لا تدخل في قائمة ميولي القرائية ..وصورة واحدة التقطت لها مع ابي في عرسهما ، كانت ترتدي فستانا من القطيفة السوداء(المخمل مع كسر الميم كما كانت تلفظها بتفاخر ) وإيشاربا فاتح اللون عقدته تحت ذقنها وأطل شعرها الأسود الجميل التجعيدة فاستقر أعلى الجبين .
يومها وحين ساعدنا امي أنا واختي في تعزيل الخزانة انهمكنا في تفحص تذكارات أمي وكم أحببنا ذلك الشرشف الأبيض المستطيل المشرشب الجوانب وقد تسطٌرت عليه خطوط متعددة لعدة أنواع وأشكال من الغرزات والقطب أولها قطبة الجنزير الشبيهة بسلسلة تتداخل حلقاتها شبه البيضوية وتتلاصق بعناية تثير الإعجاب ، وتأتي قطبة سن العجوز التي تتخذ شكل المستطيل بدون ضلعه السفلي ، يا لتلك الفراغات ، كانها حفر في القماش على شكل وردة باوراق متعددة …جميل في غاية الروعة ..نريد وضعه على طاولة غرفة الجلوس ، تحمَرٌ أمي وهي تكاد تستشيط غضبا : هذه شهادتي أيتها الغبيتان ! يضايقنا النعت بالغبيتين ولكن يشدنا الفضول : شهادة ماذا ؟
شهادة إنهاء تعليم التطريز وتختبرنا المعلمة في هذه القطب ، ألا تحصلان على شهادة في نهاية الفصل الدراسي من مربية الصف ؟ : نعم .. فهمنا يا أمي ..
وتبتسم رافعة لهجتها الفخور : كنت أشطر واحدة بالصف أنظرا إلى الاتقان والغرز كم هي صغيرة، ولا ماكنة خياطة سنجر.. نضحك ولكن بمحبة لهذه القدرة والإبداع وننظر إلى ماكنة السنجر الرابضة في زاوية الغرفة تحت المصباح الكهربائي والتي تدور مرة اسبوعيا حين تقوم أمي بتقطيب وتصليح كومة الملابس وفي حالات الطوارئ، مثلا تصليح وخياطة غطاء فرشة او لحاف لجارتنا صديقة أمي ، تخدمها بكل مودة وتردد : ام كايد امرأة عندها ذوق ، تحضر معها ماسورة خيطان من حين الى آخر او تمنحني بضعة امتار من بواقي اقمشة متنوعة أقوم باستصلاحها وخياطتها تنانير او ملابس لأولادي بل إنني قمت بخياطة عدة شلحات لي من تلك البواقي بعض الجارات ومنهن ام محمد يردن الإبتزاز فقط ، تشرب من قهوتي وتُلهيني عن عملي وأُخيط لها ، مرا ما في عندها نظرة ..طلبت منها أن تنقر لي القرع والكوسا ريثما أخيط لها فادٌَعت بأن يدها تؤلمها ، صحيح أننا نعمل مليح لوجه الله لكن ضربة ع المسمار وضربة ع الحافر ، لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم .
امي كانت تأبى انهاء جلستنا وإعجابنا الا بتأنيب حنون : مش عارفة ليش ما تعلمتوا الخياطة وما تعلمتو من أمكم.
نحن نذهب إلى المدارس ولدينا وظائف ..
وما الخطأ في تعلُم الخياطة والطهي إلى جانب الحساب والعربي ونتسلى بتطريز حلو كما نتسلى بقصة علي بابا اللي كنتو تحكوا عنها لازم نعرف كثير ..وتحسم بقوة : أنا رفضت الإكتفاء بان أكون تلميذة ناجحة فقط بل قررت أن اقوم بتعليم مهنة الخياطة والتطريز لفتيات القرية فمعلمتي أم عبدالله لن تعيش للأبد ولا بد من جيل يرث عن الجيل الذي قبله لينقل لأولاده والأجيال القادمة … حكمة أمي تفحمنا ، هل سنكتفي بشراء الملابس الجاهزة ؟ وإن اكتفينا ألا يصح أن نتعلم خياطة الزر إذا سقط من قميص الإبن أو الزوج ؟ وإذا أجبَرَنا الظرف على تصليح فستان أو بنطلون أليس الأفضل إصلاحه بإبرتنا فنوفر وقت الذهاب لخيٌاطة ونحتفظ بنقودنا ؟
وتُعدد أمي أسماء تلميذاتها من النساء اللواتي نعرف بعضهن والبعض الآخر تقول انهن تزوجن خارج القرية او منهن من توفين في عز صباهن !
يا بنات لا تتوقفن عن طلب المعرفة والتعلُم، قال أحدهم لتلاميذه أتريد أن أعلمك حتى تكبر ويشتد عودك ؟ أجابه التلميذ : بل علٌِمني إلى حين ساعة موتي.
الحياة كلها تفصيل وخياطة يا بناتي ونحن قادرون على تفصيل وخياطة مشاريعنا إذا صممنا على ذلك ، مهم جدا ان نملك خبرة رتق ما يتمزق دون الإتكال على الغير .
السابق
المصيــر
التالي
تلصص

اترك تعليقاً