القصة القصيرة

تقليد أعمىٰ

سَيُكالُ لي السبابُ وسأُغْرَق بالشتيمة فيما أجيز لنفسي الكتابة حول ما يشار إليه بالعيد المقدس، لفت نظري اللونُ الأحمر الذي صُبغت به بعضُ واجهات المحلات من وردٍ أحمرَ ودببةِ حُمرِ وبيجامةٍ حمراء ، وبعضُهم تجرأ وتواقح أكثر فوضع سروالاً نسائياً أحمراً في واجهة محله ليتبرك به. فسألت أحد أصحاب هذه المحلات قائلاً:
– خيراً إن شاء الله ، لماذا صبغتم محلاتِكم باللون الأحمر هكذا ؟، هل هو التعبير عن الدماء التي نزفت علىٰ طول البلاد وعرضها لحوالي عشر سنين عجاف ..؟!
فأجابني: لا
قلت له : أهو التعبير عن غليان الدم في قلوب الشعوب العربية جراء الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها الأمة العربية في شتىٰ أصقاعها ؟
أجابني : أبداً .. أبداً .
فقلت له مُطْمَئناً : إذاً فهي مشاركة وجدانية لأولئك المساكين الذين شاهدنا خيامهم تغرق في الماء والوحل .
قال لي لا تؤول الأسباب كثيرا .. سأجيبك :
إن اللون الأحمر الذي تراه قد صَبغ المحلاتِ والواجهاتِ وبعضَ العربات والبسطات والسيارات والرفوفَ هو بمناسبة عيد الحب ( عيد القديس ڤالانتاين ) الذي نُحضّر له كل سنة ..
فقلت له : يا سبحان الله وهل أصبح للحب عيدا ومناسبة يحتفىٰ بها ؟
وهل عاطفة الحب نحرك تقويمها بأيدينا حتىٰ نحب من نشاء أو نكره من نشاء وفي وقت محدد في كل عام ، وما هو نوع الحب المطلوب ؟
هل سمعتَ عاقلاً يسأل آخرَ ؛ لماذا أنت لا تحبني؟ فيجيبه : إن شاء الله سوف احبك في عيد الحب !!!
عيد الحب هذا الذي استوردناه نحن الجهلة من الغرب ( الأكثر جهلاً ) الذي احتل بلادنا وصدَّر إلىٰ أمتنا الموتَ والخرابَ والدمار !!! والذي نحتفل به والبلاد غارقة بهمومها ومصائبها.. !!!
أيحبنا ؟؟؟؟؟؟؟؟
ما هو عيد الحب هذا إذن ؟….
أهو أن يهدي الحبيب إلىٰ معشوقته الدبَ الأحمر والوردة الحمراء والمنديل الأحمر ووووو …. الأحمر … ويكتب لها رسالة بالقلم الأحمر علىٰ ورقة حمراء وبالحبر الأحمر معطرة بعبق يثير الغرائز ويضعها في ظرفٍ أحمر ؟؟؟؟!!!!
وبالنتيجة يأخذ بيدها وتأخذ بيده إلىٰ جهنم حمراء !!!!!!!!
ألا يا أُمّةً ضَحِكَتْ عليها ومنها ، بل وقهقهت مِن جَهلِها كل الأُمَمُ !!
فلماذا اخترتم “الدب” بالتحديد ليكون رمزاً في عيد حبكم ..؟!
يا دبَّ من أدخلك في عيد الحب ..؟
فنحن ندرك بأن لونك هو أسود أو أبيض أو رمادي وليس باللون الأحمر فهل تستعمل صبغةَ شعر ..؟
و “الدبُّ” كلمة صفة كانت ومازالت تقال للتوبيخ والوصف بالبلادة وليس للمحبة ..
فكلنا يذكر جيداً مقولة ( قام الدب ليرقص قتلو سبعة أنفس …)
وكلنا يعرف معنىٰ كلمة دب تليتي
آ اليوم تتربع علىٰ واجهات المحلات في عيد الحب لتباع بأسعار جنونية في الوقت الذي يئن فيه أبناء البلد ويصل فيهم الحال حتىٰ الفقر المدقع والحاجة الماسة ..
نتساءل ما هو القاسم المشترك بين الرومانسية والحب من طرف ، وبين مخالب الدب من طرف آخر ..؟
لا أقول إلا أن هذه المعادلة توازي تماماً وتشابه معادلة ماهي علاقة إرتفاع سعر الدولار بـقفا الدجاجة الذي يخرج منه البيض عندما رأينا أن سعر صحن البيض ارتفع لثلاثة أضعاف ، والبائع الجاهل أو المحتال النصاب يعزو هذا الارتفاع لارتفاع سعر الدولار .
نعرف أن الحب لدىٰ معاشر الدببة هو معارك وصراع في الغابات وقتال ودماء تسيل ليفوز الدب الذكر بالدبة الأنثىٰ ثم ليتخلىٰ عنها لينتقل إلىٰ غابة أخرىٰ وأنثىٰ أخرىٰ … وهكذا !!!
فما علاقة الدب في قضية الحب بين البشر ؟
فالدب من آكلي لحوم البشر .. وهو حيوان مفترس لا يرحم ..
مخالبه مقوّسة كالخناجر الحادة ..
صوته مخيف ومنظره مرعب ..
فكيف أصبح ملازما للحب بين البشر ..؟
وكيف اصبح الدب مفتاح القلوب ..؟
فهو لا يملك صوتا جميلاً ولا جسداً رشيقا ولا سمعةً طيبة… !!!
فكيف أصبح موئلاً لأناسٍ ولأشباه شعراء يتلاعبون بعواطف ومشاعر المحبين والعشاق وينظمون الأبيات الشعرية الغزلية… المقيتة ؟
بل وكيف أصبحت الحبيبة تفتخر بدبدوبها الأحمر الأضخم والأكبر ، الذي أهداها إياه حبيبها الدب الأصغر .
ياللأسف ، لقد أصبح اسمه … دبدوب …
آه_يابلد
سألني صاحب المحل الأحمر أخيراً سؤالاً أَحْمَرَ منه قائلاً ألا يكفيك هزءاً بالحب والعشاق في عيدهم :
هل ستحتفل وستشتري دباً تتباها به وتهاديه ..؟!
( مبدياً جُل اهتمامه في هذه المناسبة بالتجارة والربح )
فأجبته :
عندما أجد صهيونياً أو يهودياٰ يشتري خروفاً ليضحي به في عيد الأضحىٰ شأشتري كل ما عندك من دببة..!!!
وعندما أجد أناساً ممن هذا هو عيدهم يحتفلون بعيدٍ لدينا كما يحتفل الجهلة من القوم بعيد الحب هذا ويهادونني سأشتري كل ما عندك من دببة وأهديها لهم..!!!
وعندما أجد بلدان الغرب تحتفل بعيدٍ لنا نحتفل نحن به أصلاً لأنه عيدنا ، سأشتري كل ما عندك من دببة وأهديها لهم..!!!
فسدت الأذواق .. وقلَّ الحياء .. و ضاعت الفضيلة .. وانعدم الإحساس .. وفُقدت التربية ..
فإن كان كذلك ! فلا تتعجب من رؤية الدب المفترس الفاجر رمزا للرذيلة في واجهة المحلات و رؤية لون الدم الأحمر ناتج الإرهاب والقتل والجريمة وووو ( غير ذلك ) رمزاً للحب ..
إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت .. وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً.

السابق
دروب وحشية
التالي
تكنولوجيا

اترك تعليقاً