القصة القصيرة

تواطؤ

تمطى الأستاذ (لمعي بك مظهر) الناشط الحقوقي البارز، وتجشأ بصوت مسموع، ثم فرك يديه جذلًا وهو يغادر مقعده الدوار، عقب انتهائه من إرسال تقريره الدوري الهامّ عبر البريد الإليكتروني، إلى مصدر أممي شهير. بعد دقائق -وكما توقع تمامًا- تلقى على بريده صورة الشيك الدولاري الشهري، الذي تم إيداعه بحسابه البنكي، والذي ظل ينتظره على أحرّ من الجمر. هزَّ رأسه منتشيًا بما صنع، وطلب من السكرتيرة الحسناء إلغاء كافة مواعيده لهذا اليوم، لارتباطه بعشاء عمل طارئ على شرف شخصية أجنبية رفيعة المستوى. ثم استغرق في ضحكة هازئة طويلة لم يسطع أن يكتمها: فإنّ تقريرًا كهذا كان في الماضي كفيلًا بأن يتسبب في إعدامه شنقًا، بتهمة الخيانة العظمى، والتخابر مع جهات أجنبية معادية.
أمّا اليوم، وتحت مظلة منظمات المجتمع المدني -لا حرمه الله منها، وبارك الله فيها-، فإنه يُعدُّ عملًا نبيلًا يقرُّه القانون المحلي والمعاهدات الدولية، ويدرَّ عليه دخلًا وفيرًا في صورة تمويل خارجي شرعي، ويجني من ورائه شهرة عالمية، باعتباره رمزًا للمعارضة الوطنية الشريفة، التي تتبع سوءات الحكومة بدأب، وتتصدى لكشف عورات الفساد أينما كان، على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية…
تضمّن التقرير الأخير، الذي بذل مالًا كثيرًا وجهدًا خارقًا ووقتًا طويلًا لإنجازه، رصد عدة انتهاكات لا أخلاقية صارخة يندى لها الجبين، بحق المرضى النفسيين التعساء، الذين أوقع بهم حظهم العاثر في براثن الأسر المهين، داخل عنابر أشهر مشفى حكومي متخصص، تناول التقرير تفاصيل المهزلة العلاجية للنزلاء المقهورين، معزّزة بالصور الحيّة الدامية والفيديوهات الموثقة، والتي تحرك كوامن الغضب والثورة في نفوس أحرار العالم، وتذيب الجبال شفقة ورحمة بالبؤساء، الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلًا.
أسفرت جهود (لمعي بك) الحثيثة للضغط على المسؤولين من الداخل والخارج، عن تكوين لجنة تقصي حقائق عليا من السادة نواب الشعب المحترمين، أنيط بها إماطة اللثام عن حقيقة هذه الكارثة، التي فاحت رائحتها حتى تخطت الحدود. وفي حال ثبوت صحة وقوعها، حصر الأطراف المتورطة، وتحديد دور كل منهم، تمهيدًا لتقديمهم للعدالة، ليذوقوا وبال أمرهم، وينالوا العقاب اللائق بشناعة جرمهم، والكفيل بردع غيرهم من ذوي النفوس الدنيئة والضمائر الميتة. في ساعة مبكرة اقتحمت اللجنة المشفى في زيارة -قيل إنها مفاجئة- مطلع الأسبوع التالي، مصحوبة بقوات حماية مدججة بالأسلحة، تحسبًا لأي شغب أو مقاومة محتملة. أكد تقرير النواب المحترمين صحة الاتهامات المنسوبة لطاقم التمريض، وثبوت وقائع التعذيب بحق العديد من المرضى المساكين، ورصد حالات صارخة من المعاملة غير الإنسانية، تتفطر لها قلوب البشرية، وتحرك الحجر الأصمّ.
عقب مناقشة التقرير الأسود في جلسة طارئة مغلقة بمجلس الشعب، تقرر إخلاء المشفى على الفور من النزلاء، وتشميعه لأجل غير مسمى، وإحالة المسئولين المتورطين إلى القضاء، وتسليم المرضى المنكوبين لذويهم لحين إشعار آخر.
بعد مداولات قضائية طويلة ومعقدة، تم تبرئة كبار المسئولين، وإدانة عدد من صغار المشرفين والممرضين. على الأثر انطلقت حملة صحفية وإعلامية ممولة تنادي بسرعة هدم المشفى العتيق، أيدتها حوارات فضائية في برامج (التوك شو) باستضافة خبراء متخصصين، وتبارت وسائل الاتصال الاجتماعي في التعليق على نداءاتهم بالرحمة للمرضى، ووقف الانتهاكات غير الآدمية في حقهم.
على الأثر استجابت الحكومة مشكورة لمطالب الشعب، وتقرر بيع الأرض الخالية -ذات الموقع الاستراتيجي الفريد- بمبلغ خرافي لمستثمر أجنبي شهير، لتحويل المكان إلى منتجع سياحي عالمي، يخصص جزء من إيراده لصالح المرضى النفسيين، مع الشروع في بناء مشفى جديد في منطقة نائية متطرفة.
تبين أنَّ الناشط الحقوقي الأشهر (لمعى بك مظهر) كان هو الوسيط الدولي في إتمام الصفقة المليارية المشبوهة لقاء عمولة يسيل لها اللعاب.

السابق
عناد
التالي
هذا الكئيب دائماً

اترك تعليقاً