القصة القصيرة

تَاهَتْ الْمَرَاكِبُ فِي مَبَاهِجَ الأذَى

01- بَعْد أنْ سَحبُوا مِن تَحْتِ قدَمَيْهِ الْبِسَاطَ، أخَذَ يتظاهَرُ بأنَّهُ غيْر مُكترَث بِمَا حدَثَ، وإنْ كانَ فِي الأمْر إزْعَاجٌ، تقلدَ مْسْؤوليَّةَ تكْبُرُهُ بكثِيرٍ، ولمَّا خَابَ مَسْعَاهُ، لمْ يُفكر إلاّ فِي اجْترَار خَيْبتِهِ، هَاهُو ذَا يَقِفُ فِي السُّوقِ مشدُوهًا مُغْمَضَ الْعَيْنيْن، يُحْصِي هَزَائِمَهُ، يَتَقمَّصُ شَخْصِيَّةَ مَسْؤُولٍ افْترَاضِي جَشِع، يَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارٍ مَجْهُولَةٍ، وليْسَ للخَائِن إلاّ أنْ يَكْتُمَ سِرَّهُ فِي رِئَتِهِ، إنَّهُ لاَ يَجِدُ مَنْ يَبُوحُ لهُ بأخْطائِهِ، يتعَرَّفُ عَنْ حَجْمِ المَسْؤُوليَّةِ، يَسْعَى إلَى التخَلُصِ مِنْ الانْكِسَارَاتِ وحَالَةَ التَمُزُّقِ الَّتِي يَعِيشُهَا،هَدِيرٌ يَتَسِعُ ويُهَدْهِدُ عَلَى قَلْبِهِ، يَتَسَاءَلُ:هَلْ يَمُوتُ أعْدَاؤُنَا لِمُجَرَّدِ أنَّنَا نُرِيدُهُم أنْ يَمُوتُوا ؟! هَذَا سَخَفٌ وَهُرَاءَ، فجْأَةً. ينْتهِى إلَى سَمْعِهِ ضَجِيجٌ مُتَأجِّجٌ، فِيهِ عِتابٌ مَشُوبٌ بِالترَدُّدِ، وَمِنْ جَدِيدٍ يَسْتسْلمُ لأوْهَام تَسْكُنُهُ، يتقيَّدُ بِأفْكَارٍ حَالمَةٍ إنَّهَا مَلاَذُهُ، يَرَى فِيهَا مَا يرَى مِنْ الأشبَاحِ والأرْوَاح، وَيَرَى فِي الأوْهَام سَعَادةً، يَرَى نَفْسَهُ يَقْطَعُ مَسَافاتٍ شَاسِعَةٍ، فتعْتَرِضُهُ عَقبَاتُ كأدَاءَ، يَترَاجَعُ مَهْزومًا مَدْحُورًا،مسؤولية تحَمَّلها ذات انتماء على كتفيه فلم يستطع،حملته الشهادة التي يتغَنى بها مُتبجِّحا وهو :”يهرف بما لايعرف” يحْمِلُ مَعَه دَنَاءَتَهُ وَخُبْثَهُ، ويُخْفِي جَهْلَهُ “..ومَن كتمَ دَاءَهُ قتله، هرجل مُتناقض مع نفسه ومع غيْره ، وَقعَ فِي كَمَّاشَةِ الْعِصَابَةِ مَرْتَعَ الذِّئَابِ، في حِرَاكٍ لا انْتِمَاءَ لَهُ، يَنْتحِلُ صِفَةَ الْغَيْرِ رَغْبَة مِنْهُ فِي تحْقِيقِ مَكَاسِبَ ظَرْفيَّة، سَانِحَةً لاَ يَجُودُ بهَا الدَّهْرُ إلاَّ خِلْسَةً، أفَاقَ عَلَى غَمْغَةِ شِفَاهِ الْمُتَسَكِّعِينَ والأوْغَادِ، يَعِدُونَهُ وَيُمَنُونَهُ، يَسْتَهْويهِ الْعِتَابُ، الشَّتْمُ وَالْكَذِبُ والْبُهْتَانُ، يتَدَثَّرَ بِلِبَاسِ الْخَائِنِينَ الْمُتنَكَّرِينَ للبلدِ والوَلدِ،هَذَا الْمَسْئُولُ الظَّاهِرَةُ لا تعْرفُ عَنْهُ مَاذَا يُريدُ؟ وَلِمَاذَا هُوَ ثَائِرٌ؟ أنْقَذَتْهُ زوْجَتُهُ بِفِطْنَتِهَا، وَسَلاَمَةِ تفُكِيرِهَا، مِنْ مَوَاقفَ عَدِيدَةٍ، وبِحَقٍ كانَتْ مَوَاقِفَ مُحْرَجَةً، مُضْحِكَة، مُسْتَهْجَنَة، تَصَرُّفَاتٌ سَخِيفَةٌ، سُلُوكٌ أرْعَنُ، كادَ أنْ يَقْضِي عَليْهِ، كانَتْ تَحْرسُهُ، تتوَجَّسُ مِنْهُ خِيفَةُ، تَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الأشْرَارِ الْفُجَّارِ، تنْصَحُه قَائِلَة:عَليْك أنْ تتعَلمَ مِنْ أخْطائِكَ، ولكيْ تسْترْجِعَ عَافِيَّتِكَ، عليْك أنْ تخْطوَ الخَطَوَاتِ الأولَى بِوَعْي وَثبَاتٍ، ولوْ كانَتْ مُجرَّدَ مُحاوَلةٍ فَاشِلَة، فَمَن يَضَعُ قدَمَهُ عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيح سَارَ وَوَصَل، وقدْ قِيل {مَنْ سَارَ عَلَى الَدّرْبِ وَصَل} لكِنَّ الرَّجُل يَتعنَّتُ، يَرْكبُ رَأسَهُ مُتشدِّقا، ولا يُبَالِي بالرِّفَاقِ وَلاَ بالذِين أسْدَوْا لهُ النَّصيحة، والنَّصِيحَة أحْيَانًا تُغْضِبُ ذَوِي النُّفوس الْمَرِيضَة، وتُوقِعُهُم فِي المَطبِّ الذِي يُريدهُ لهُم المُنَاوِئُون،هُو مِنَ الَذِينَ لاَ يُحبَّونَ أنْ يتوَجَّهَ لهُمُ اللوْمُ، وَهُو كذَلِكَ مِنَ الذِينَ يَتَصَوَّرُون أنَّهُم كِبَارًا، إلَى أنْ يجْرفَهُم تيَّار النُّجُومِيَّة ويَطْوِيهِم النِّسْيَان،أقبَلت زَوْجَتهُ بعد غِياَّبٍ ، يُشْبِهُ الْقطَيعَةِ، تَتهَادَى ببُطءٍ تنْشُدُه وتَتَرَجَّاهُ بِلُطْفٍ، وقدْ انْتَابَهَا خَوفٌ شَدِيدٌ مِنْ وَضْع آل إليْهِ، تنْظرُ إليْهِ بخَفَرٍ شدِيدٍ وحَيَاءِ، تُحدِّقُ فيهِ بوَجْهٍ شَاحِب مُتضَرج بحُمْرة، تقِفُ أمَامَهُ كلوْحَةٍ تعْبَثُ بهَا الريَّاحُ، وتقُولُ مُتذمِّرَة مُتنهدَ: يَالَكَ من رَجُل مُتهَوَّرٍ عَنِيدٍ بَائِس حَرُونٍ، رَجُلٌ يَعْتَنِقُ الْفَوْضَى وَلاَيَدْرِي عَلَى أيّ جُرْحٍ يَتَكِئُ.

02-تَرْمُقُهُ بِسِهَامِ الْمَقْتِ،بَعْدَ أنْ انْكمَشَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَجْأةً تسْحَبُ ابْتِسَامَاتِهَا السَّاخِرَةِ، بعْد أنْ تصَاعَدَتْ فقاقيعَ خَوْفِهَا، إنّهَا تكسِّرُ الصّمْتَ فِي أعْمَاق رُوحِهَا، تسْتأنِفُ حَدِيثهَا وتقُول: كثيرَةٌ هيّ مَرَايَاكَ يَارَ جُلُ، لكنّهَا مُضَبَّبَةٌ، لا تَعْكِسُ مِنْ حَيَاتِك سِوَى الخَراب، ولا ترَى فِيهَا إلاَّ البُؤس،هوِّنْ عَليْك يَا أنْتَ إنَّكَ تُغامِرُ! أجَلْ.. تسْتهْلك أعْصَابَك بشَذَاجَةٍ وفيمَا لا يُفِيدُ، كنْ صَادِقًا مَعَ نَفسِكَ ومَعَ غيْرِك، حَتَّى لا تَضِيعَ مِنْكَ الفُرَصَ”..فَمَا بُنيَّ عَلَى بَاطِلٍ فهُوَ بَاطِل..” كلمَاتٌ تَتدَفَّقُ مِنْ مَنَابِعَ الشَكِّ، يُمْكِنُ لأرْوَاحِنَا أنْ تزْهُوَ، وأنْ تَنْتُجَ سَلامَا أبَدِيًا، مَتَى نُنْصِتُ للسُّكُونِ، ونَجْمْع أفكارًا تُضِيءُ دَرُوبَنَا، اعْمَل أنْ تَكُونَ لَكَ رُؤْيَا مُسْتقبَليَّة، وإيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تجْعَل مِنَ الكلمَاتِ الطائِشَة طيُورًا تكتبُ فكْرَتَك بِشَكْل خَاطِئٍ، آهٍ..فِي الظلمَةِ يَنْبَعِثُ النُّور مِن قنَادِيلَ مُضِيئَة نَزْرَعُهَا،هُنَاك مُتَسَعٌ لِكتابَةِ أحْلاَمِنَا مِنْ جَديدٍ،وَالتَغْيِير فِي الْمُتَنَاوَلِ إنْ تَوَحَّدْنَا وَكَانَ لَنَا هَدَفٌ نَرُومُهُ، نَحْن نَأْخُذَ الطَّرِيقَ لِنَصِلَ إلَى الطَّرِيقَ، فالأشيَاءُ الْجَميلة تَتَوَارَى..أجْل..لكنَّهَا تُلاَمِسُ صوْتَ الْمَحبَّةِ لتمْنَحَنَا رَشَّاتَ عِطْر، تُزِيحُ عَنَّا النُّعَاسَ وَالْخُمُولَ، يُديرُ ظهْرَهُ وَكَأنَّ لسَانهُ مُمْتَلِئٌ بِالْحِجَارَة، يُجيبُها بصَلافَةٍ ذُكُورِيَّةِ، وَبِلِسَانٍ سَلِيطٍ مُوغِلٍ فِي بَذَاءَةِ الْقَوْلِ، وبِصوْتٍ جَهُوريَقُولُ: لمْ اعُدْ أرَى شيْئًا وَاضِحًا، ابْحَثُ عَنْ صَدِيقٍ أثِقُ فِيهِ، لكِنْ مَنْ يَكُونُ هَذَا الصَّدِيق؟آه حياتِي صَارَتْ جَحِيمًا، والْكَلاَمُ مَهْمَا كَانَ بَلِيغاً لا يُعَبِّرُ عَنْ حُزْنِي، إنَّهُم جَعَلونَا لا نَكْتَشِف حُضُورَنَا أوْغِيَّابَنَا،وَنَشُكُّ حَتَّى فِي أَنْفُسِنَا، ومَا الفائدَة إنْ لَمْ نَنْتبِهْ، باسْتطاعَتِي رُؤْيَة كلَّ شيْءٍ، لكنِّي صِرْتُ أتَغَابَى، وأعْلنُ أنِّي لاَ أرَى شيْئًا، كمَن لهُ عُيُونٌ مُسْتعَارَةٌ، يلتزِمُ الصَّمْتَ هُنيْهَات مُتألمًا، والعَبَرَاتُ تَتَسَاقط مِنْ عَيْنيْه، فيَنْخَرِطُ في بُكاءٍ مَريرٍ، يَطلبُ جُرْعَة مَاءٍ لِيُطفِئ نارًا مُلتهِبَةً، وهُو لاَ يَزَالُ وَاقِفًا عَلى قَدَمَيْهِ، مُغْمَض الْعَيْنيْن كئِيبًا، يَقِفُ بَائِسًا كَمَن فَقدَ وَعْيَهُ،وانْتَابَتْهُ مَوْجَةُ مِنَ الْجُنُونِ،صَارَ يُدْخِلَ الْكَلاَمَ بِبَعْضِهِ، يَبْتلعُ دَفقَاتُ الغَضَبِ، زَفرَاتٌ مُتَتاليَّةٍ وَيَقُول: لمْ اعُدْ مبْهُورًا بِالمُفكِّرينَ وكبَارَ السَّادَةِ، ولاَ بِالنُّجُوم الْفَارِغَة، لا اسْمَعُ سِوَى الْخَوَاءَ، يسْتَجْمِعُ قوَاهُ، يُلمْلمُ بعْض بَقايَا أفكارِهِ الشَّارِدَة، ثُمَّ يَبْتسِم فِي بَلاهَة ويَلتزمُ الصَّمْت،ويَفْتَحُ عَيْنَيْهِ بِشَبَقِ الْمُتْعَةِ ويَسْترْجِعُ وَعْيِهِ، ليَسْترْسِلَ فِي تسَاؤُلاتِه: هَل الْحَيَاة دَائِمًا جَمِيلة؟ إذَا لم تكن كذلك، فلْنتْرُك الكلمَاتُ تتجَوَّلُ فِي مَسِيرَاتِ تكشِفُ عَنْ الْمَسْتُور، تُذيعُ أسْرَارًا لم يكنْ احدٌ يَعْرفُها،هِيَّ ذِي شِعَارَاتٌ جَوْفَاءَ تَمْلأُ الأفوَاهَ الْفَارِغَةِ بِالسِّبَابِ وَاللَّعَنَاتِ، وتبْحَثُ عَنْ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ،.يتَهَيَّأ { المَسْعُودُ} للْوُقُوفِ وَهُوَ يُتَمْتِمُ بِصَوْتٍ أرَادَهُ أنْ يَكُونَ وَاضِحًا ويَقُول:تَاهَتْ مَرَاكِبُنَا، مَادَخْلهُم فِي شُؤُوننا،يَتَلعْثم وَيَبْتَلَعُ رِيقهُ النَّاشِفَ وَيقولَ: خَدَعُونِي.. مَا أغْبَاني؟! سِرْتُ مَعَ الصَّعَالِيك،وَجَرَفَنَا السَيْلُ، كُنْتُ أحُسُّ بِالتفَاهَة بَيْن هَؤلاَءِ الْمَمْسُوخِين، الذِينَ رَمَوْا بِأنْفُسِهِم سَبَهْلَلَ فِي أحْضَانِ الْخَوَّنَة الْمَارِقِينَ، إنَّهَا فَضِيحَة أخْلاَقِيَّة أنْ يَطلبَ صَاحِبَ الْبَيْتِ حِمَايَةً بَيْتِه مِنَ الْمُجْرِمِينَ الْغُرَبَاء سُرَّاقَ الأوْطَان .

السابق
حصار
التالي
شدو

اترك تعليقاً