الخاطرة الطويلة

تَحذيراتُ العَرَّافينَ

لا عَلىٰ البالِ وَ لا عَلىٰ الخاطِرِ!
قالَتْ لِي عَرَّافَةٌ مَسكينَةٌ، تَجُولُ في
الطُرقاتِ وَ البيُوتاتِ، بَحثًا عنْ رِزقِها،
بِقراءَةِ المُستقبَلِ…
( لا تَمْشِييَّنَّ في هٰذا الدَّربِ.. أُحَذِّرُكَ!)
بِدْءًا.. أَنَا المُتعلِّمُ، وَ المُطَّلِعُ الرَّاشِدُ، مثلُ الكَثيرِينَ لَمْ أقنَعْ بهٰذا التَّحذيرِ، بَلْ سَفَّهتَهُ! لأنَّهُ لا مُسوِّغَ لهُ فَنيًّا أو اِخلاقيًّا أو عَبثيًّا…
بَيْدَ أنّ العرَّافَةَ بَذرَتْ في نَفسي نُطفَةَ أمشاجٍ، مِنَ المَورُوثِ وَ العَوْلمَةِ!
وَ عَلَّمَتْ في خارِطَةِ حَياتي مَثابَةً جَديدةً وَ جديرةً بالإهتمامِ. فَلرُبَّما أحثُّ الخُطَىٰ إليها في أوقاتٍ مِنَ التَّأمُّلِ وَ خُلوةِ النَّفسِ مَعَ الذَّاتِ..
وَ قَلَّما يَفْلِتُ مِنها أبناءُ الجِيلِ الحالِي!
سَألْتُ نَفْسي:- أَيُّ دَرْبٍ تَعْني بِهِ ( جُهَيْنَةُ ) العَرَّافينَ؟
أوَّلُ ما خَطَرَ عَلَىٰ بالي:-
دَرْبُ الحُبِّ.. وَ مَراغمُهُ بِما فيهِ مِنْ غِلّاتِ الأَسَىٰ وَ اللَّواعِجِ وَ الهَنا وَ المَباهِجِ، لٰكنِّي لا أمِيلُ إلىٰ ذٰلكَ.
فَقُلْتُ.. بِما إنَّها عَرَّافَةٌ، لَديها النَّزرُ اليَسيرُ مِنْ عِلمِ الأفلاكِ وَ الأبراجِ، فَأكــيد
تَقصِدُ دَربَ (التَّبانَةِ أو اللَّبانَةِ)، المَجرَّةُ الحَلزُونيَّةُ الّتي نَنتَمي إليها وجُودًا وَ تكوينًا!
فَهلْ هوَ المَقصودُ؟
وَ إذا كانَ كذلكَ…
كيفَ نَفَرُّ مِنهُ؟ وَ إلىٰ أينَ؟
قَبلُ سِنينٍ.. كَثُرَ الكَلامُ عَنِ الدُّرُوبِ العابِرَةِ لِلقارَّاتِ! وَ تُعنَىٰ بالإنتقالِ القَسري أو الطَّوعي داخلَ الإقليمِ أو الهجرَةِ المَوسميَّةِ، وَ بِصراحَةٍ هٰذا الدَّربُ لا دَخلَ لَنا بما فيهِ.. وَ يَعنيهِ!
لِأنَّنا لا نَملكُ ” فَرمَانًا ” نُوقِفُ سالِكيهِ
وَ مُريديهِ!
إذًا.. المَقصُودُ هُو دَربُ الحِقدِ عَلىٰ كُلِّ شَيءٍ! – أعاذَنا اللّٰهَ مِنهُ- أو الوُسواسُ القَهري، كَما يُسمِّيهُ عُلماءُ النَّفسِ، وَ يَأْتي مِنْ حَدبِ الجِّنِ، وَ صَوبِ الأنسِ!
دَربٌ عَلينا اِجتنابُهُ كَي نَفلحَ بِما وُعِدْنا!
لٰكِنِّي أعرفُ آخَرَ غايَةَ الخُطُورَةِ!
دَربَ البَرغماتيَةِ وَ أهلِهِ، إذْ أنَّهُ يَنظُرُ مِنْ خلالِ نتائِجِ العَملِ، وَ المعيارُ الوَحيدُ للحقيقَةِ فيهِ هُو:–
مِقدارُ نجاحِ ذٰلكَ العَملِ، بِحيثُ يُغَلِّبُ الجانبَ النَّفعِي عَلىٰ المَباديءِ!
سُؤالٌ:- ما عِلاقَتي بِهٰذهِ النَّظريَّةِ؟
فَأنَا بالكادِ– أحصلُ عَلىٰ لُقمَةِ عِيالي ليَومٍ واحدٍ مثلَ ألُوفِ البَشرِ!
بالمقابلِ، هَلْ أتركُ ما لِلمَلِكِ.. لِلمَلِكِ؟
وَ أُصفِّقُ للسَّادرينَ في غَيِّهِم بِهٰذا الإتجاهِ؟
اللَّهُمَّ إنِّي في حَيرَةٍ، وَ هٰذهِ العَرَّافَةُ تُحذُّرُني مِنَ السَّيرِ في هٰذا الدَّربِ!
عَفْوًا.. تَذكَرْتُ دَربًا لا يَخطُرُ عَلىٰ بالِ أَحد! إنَّهُ غريبٌ باسمِهِ وَ رَسمِهِ!
إنَّهُ دَربُ (المُنْدَسَّةِ)!
وَ تَسميَتُهُ اللُّغَويَّةُ جاءَتْ مِنْ:-
الدَّسِ، أي:- التَّسَلُّلُ وَ الإخفاءُ.
وَ المُنْدَّسُ هُو:- الدَّاخِلُ في الشَّيءِ خِفيَةً!
أمَّا اِصطِلاحًا فَهو:-
الدَّربُ المَخفيُّ عَنْ عَينِ المُرَاقِبِ!
وَ غالِبًا يَكونُ وَعرًا، شائكًا.. لٰكِنَّهُ يُوصِلُ سالِكيهِ بَرَّ الأمانِ.
(وَ ثَمَّةَ قَريَةٌ تُبعِدُ ٣٥ كم شمالَ ” المدينةِ المنورةِ ” تُدعَىٰ بِــ ” قريةِ المُنْدَسَّةِ”، وَ لا عِلاقَةَ لَها بمَوضُوعِنا هٰذا.. الْبَتَّة!).
هٰذا الدَّربُ يَعُودُ بِنا إلىٰ أيَّامِ الهُرُوبِ مِنْ مَعسكراتِ التَّدريبِ أو المَدارسِ أو الأقسامِ الدَّاخليَّةِ في الجامعاتِ، أو مِنَ المُعتَقلاتِ وَ الإقطاعياتِ وَ المَحمياتِ.. إلَخ.
فَالعارِفُ مِنَّا، يَدِلُّ الجَّاهِلَ بِها! وَ يَشيرُ لَهُ:- مِنْ هُنا.. مِنْ هُنا دَربُ المُندَسَّةِ يُخَلُّصُكَ!
وَ هوَــ لَعَمْري ــ يُعَدُّ مَسرَبُ إنقاذٍ مِنْ سُجُونِ وَ مُعتَقلاتِ تَعذِيبٍ كُنَّا نَرزَحُ تَحتَ وَطْأَةِ أسواطِ جَلَّادِينا فيها! كَمسلُوبي حُرِّيَةٍ وَ إرادَةٍ وَ فِكرٍ!
فَهلْ يا تُرَىٰ تُريدُ العَرَّافَةُ أنْ تُحرِمْنا
مِنْ دَربِ المُندَسَّةِ آنفَ الذِّكرِ؟
إنْ وُجِدَ هٰذهِ الأيَّامِ!
لا.. لا.. الأمرُ لَيسَ بِهٰذهِ البَساطَةِ!
فَلِمَ لا يَكونُ دَربَ النَّخَّاسَةِ وَ السِّياسَةِ هَوَ المَعنِيُّ بالتَّحذيرِ؟
وَ خاصَّةً نَعرِفُ أنَّ هٰذهِ العَرَّافَةَ لا تَشْرَأِبُّ بِعِنقِها إلىٰ قُصَعِ أو مَجالسِ أهلِ النَّخّاسَةِ وَ السِّياسَةِ! أو إلىٰ قُصُورِهِم وَ أبراجِهم العاجِيَّةِ، وَ لا يُسعِفُها بَقايا رَمَقِ عَيشٍ، لِيَحملَها إلىٰ شَواطيءِ المُستقبلِ مَعهم!
وَ أَخالُ تَحذيرُها حياديٌّ، يَنبَغي الأَخذُ
بِهِ عَلىٰ مَحمَلِ الجِدِّ، إنْ صَحَّ تَطابقُهُ معَ مَساراتِ هٰذا الدَّربِ.
مُلاحَظَةٌ:-
وَ أنَا أُوشِكُ أنْ أَختُمَ هٰذا النَّصُّ.. خَطَرَ لي الآتي:-
عِندَما كُنْتُ شابًّا مُفعَمًا بالحيَويَّةِ، مُنتَصَفَ سَبعينيَّاتِ القَرنِ الماضي.. قَرَأْتُ وَ بمُدةٍ وَجيزَةٍ ثَلاثيَّةَ ( دُرُوبِ الحُرِّيَةِ) للكاتبِ
” جان بول سارتر “(سنُّ الرشدِ– الغثيانُ– وَ الأخرىٰ نسيتُها!) ترجمة سُهيل ادريس…
ما أمتعَ الساعاتِ الّتي قَضِّيتُها في القراءَةِ لتلكَ الروايةِ! فَهَلْ في يَومِنا هٰذا.. درُوبُ حُرِّيَةٍ نَقرَؤُها لِلمُتعَةِ لَيسَ إلَّا؟
أخيرًا
رَحمَ اللّٰهُ سُبحانَهُ تِلكَ العَرَّافَةَ، الَّتي وُجِدَتْ مُتَخَشبَةً في فِراشِها لِيَومينِ، قبلَ أسبوعٍ مِنَ الآنِ.. وَ تَحتَ رَأسِها (صُرَّةُ) حُلِيٍّ وَ مَصوغاتٍ ذَهبيَّةٍ يَبدُو أنَّها اِدَّخرَتْها لِيَومِ رجُوعِ نَفسِها إلىٰ بارِيئِها…
فَيا لِعِزَّةِ النَّفسِ!
حَتَّىٰ المَساكينَ يُؤمِّنُوا لِحياتِهم مِنْ عَرَقِ جَبينِهِم.. وَ إلَّا… !!

السابق
الباب المفتوح
التالي
حظوظ

اترك تعليقاً