القصة القصيرة جدا

ثريا

انزرد وجه “منعم” بالغضب حتى حاكى ثمرة طماطم ناضجة , يلصق “العربى” كتفيه المتوترين بالحائط معتمدا على بنيانه المربع المتين . كل محاولة يأتى بها منعم للخلاص من الساعدين القويين تدفع إلى ذاكرة “العربى” رائحة عطر “ثريا ” , وبضاضة سمانة ساقها , والبحة الحريفة فى صوتها حال تصيبها الرعشة . ” ثريا فى اعتصام مفتوح من أسبوع مضى لدى أبيها “الهوارى” بعد أن لطمها ” العربى” فى لحظة تهور لسبب تافه يتعلق بسلطاته الذكورية . لم يعفه من زلته اعتذاره بلطشة الحشيش , قال له الهوارى : ” طب روح الليلة يابغل , وبكره نشوف ” . ومرت ليال سبع , ولو أفلت عبد المنعم الآن من يديه لحرمت عليه ثريا لمدى لا يعلمه الا الله . “منعم ” أشبه بعود خيرزان , لكنه محشو بعافية ثلاثة رجال , والآن راكبه عفريت , يتلوى كأفعى محاولا التخلص من قبضات الرجال , قابضا بيمناه على قالب كامل من الآجر , رأسه وألف سيف ليشجن رأس الهوارى . التصميم والعزم الباديان على منعم دفعا العربى لغرس أظافره فى الكتف الأبنوسى الضامر , وغرس عينيه فى عينى حربى ( الصايع ) : والله لو أفلته لأحزن رقبتك . فاشتدت قبضة “حربى ” على معصم منعم النحيل , وحدثته نفسه أن المناهدة طالت أكثر مما ينبغى . أوشك أن يدك دماغ الفتى بقبضته لينهى النزاع . كان قلبه معلقا بالتوكتوك الذى سلمه له العربى مساء أمس فيما يشبه الاحتفال الشعبى . فضحه ابن الكلب وجرسه وفرج عليه درباله بأسرها , تحمله متسلحا بصبر أيوب , فالتوكتوك هو فرصته الأخيرة لمفارقة حياة التشرد , والتخلص من اللقب الكريه . ماأن رأى العربى يهجم على منعم ويكبله , بينما الأخير يتملص ويعافر , حتى اندفع تاركا التوكتوك وسط الطريق وأسرع لنجدة معلمه . من اللحظة الأولى أدرك بمجرد الإشارة أنه مكلف بالسيطرة على اليد القابضة على الحجر .. قال له العربى وهو يسلمه التوكتوك بصوت سمعه القاصى والدانى : ” الغله كل مسا على داير مليم , ولو خدشته , حاعورك ” . فماذا لو انفلت الحجرمن يد منعم ؟ . وابن الأبالسة لا يهدأ , ولا يكف عن السباب , و”الهوارى ” كأنه لم يلطم ” منعم ” بقبضته ذات الخواتم الخمس ويحطم له اثنتان من أسنانه الأمامية , وكأن ” منعم ” لا ينشال ولا ينهبد على بعد خطوات منه بين كلابات صبيانه , راح يكمل دور السيجه مع الشيخ ” عامر” . لا يستطيع الشيخ المغامرة بالانسحاب , شخط فيه الهوارى : اقعد ياشيخ , كمل الدور . فقعد . لسان ” الهوارى ” سليط , وقبضته (طرشه ) , وهو رجل على باب الله , لا يملك إلا رضا ” الهوارى ” الذى يتيح له التسكع فى الجوار ملتقطا رزقه : يروح منعم فى داهيه , هكذا تمتم لنفسه , ولم قفطانه , وقعد .
كانت الشمس على وشك المغيب , وعندما غابت كان ” منعم ” قد فقد قواه وصار كالخرقة فى يد ” العربى ” . وعندما سقط الحجر بقوة الجاذبية , انطلق ” حربى” فامتطى التوكتوك , وطار . لم يلحظ أحد منعم وهو ينسحب مستترا بالسياج النباتى الذى يتيح للرجال إفراغ مثاناتهم , ساترا عوراتهم عن سيل السيارات المتدفق من حول الميدان . فى المساء نفسه كان العربى فى مكانه المعتاد , يجرش الفحم المتوهج , ويرصع به الحجر , قبل أن يمد يده الملوثة بدماء منعم مقربا المبسم من فم الهوارى . مازحه ” بقفشة ” أطلقت ضحكة خشنة مدوية , لكنه أبدا لم يجرؤ على مفاتحته فى أمر ثريا .

السابق
ريع
التالي
عيد

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. أكاد أقول انها مربى القصة لشدة ما اعتمد فيها على التكثيف في السرد، مما يجبر القارئ الى العودة بين الفينة والأخرى الى السطر السابق أو الجملة السابقة حتى يحبك المشهد في مخيلته. أبدعت في وصف مشهد العراك وكأني قد مررت في الجوار وشاهدت ما خحدث بين العربي ومنعم.

  2. عذرا ، سيدي ، لست ناقدا ، لذا ، أكتفي بالقول التالي : كنت هنا متابعا الأحداث ، منغمسا في العراك ، قارئا تناطح الذكور ، متابعا لقطات دالة من الإشارات الواردة ، من مثل : التوكتوك ، و الصبي ، و طريقة التدخين. و إلخ.
    مودتي

اترك تعليقاً