القصة القصيرة

جرن وفرن وطاحونة

اقفلتُ الهاتف والحاسوب والتلفاز ، ابتعدتُ بمحض إرادتي عن أكاذيب محطات الأخبار التي أتخمتني كغيري من الجماهير المتابعة للإعلام بحثا عن نصر أو إنجاز مهما صَغُر ولو كان مواطنا سوريا يتجمد تحت المطر فيتم انقاذه !! أو إعادة كذا مُهجٌر فلسطيني إلى بيوتهم بعد أن هدمت حجارتها وسويت حجارتها بالارض أو نقلوها لبناء بيوت ذات طابع فلوكلوري قديم ، ضربتُ عرض الحائط بتلفيق نانسي بلاستيكية الوجه والتعابير كانها دمية صينية ، المطربة ؟ الدلوعة وزوجها الذي اجترح بطولة من ورق مغموس بدم رجل سوري مستضعف . قرفتُ من المذيع المصبوغ الشعر الواثق النبرة والملامح وهو يستعيد ويكرر قصص البطولات الدينكوشيتية ، ويكذب دون ان يرف رمشه وهو يحكي عن حريات نقد تحدُث أمام كاميرات فيديو وتتم فبركتها ودبلجة حوارها. كيف لا وهو عالم يدبلج مسلسلات الحب الكاذب وينشرونها على مدار اعوام ..قصص الخيانة والزنى لم تعد تخص العلاقات الغرامية او النزوات الجنسية بل تصف السياسة والمظاهرات المستنفِرة للجماهير التي لا تملك فرصة إفراغ شحنة غضبها الا بالخروج والزعيق والتصفيق الغبي للحكام التعساء فكريا وأخلاقيا ..
رميت بالكثير من قمامة الإعلام وراء ظهري وتفرغت لثمان واربعين ساعة لمجموعة المشاغبين الصغار …أحفادي ..اجتمعوا ستة نعفوا ألعاب التركيب على الأرض المغطاة والدافئة ، طلبات لا تنتهي أُلَبٌيها بمهارة مُضيفة لكنها أكثر صدقا من الخدمة الفندقية ..أُلَبٌيها بحُبٍ كبير ورغبة في إرضاء هذه المجموعة من الرائعين الذين أعَدٌوا الفكاهات والقصص ويريدون مكانها الفطائر بالسلق والسبانخ والفطائر المحلاة بالسكر ويرفضون شرب الحليب لأنهم قد عافوه عند امهاتهم الحريصات على التغذية السليمة بل اتهموا امهاتهم بقلة المهارة في إعداد الطعام ! منافقون صغار ينشدون مرضاتي .
يطلبون مني إعداد الشاي بالأعشاب والفطائر بلا زبدة أو بيض، فقط بعض المكسرات ورشة سكر كما قليناها انا وحماتي ..لُزٌاقيات .. ولما نته وجبة العشاء فبدأوا تقديم اقتراحاتهم لوجبةإ إفطار وغداء يوم الغد والتي سأقوم بطهيها بكل طاعة أمام دكتاتوريتهم الطفولية التي ملاتني بالبهجة .
في المساء التالي جلسنا نلتحف البطانيات وجوههم المتوردة بالدفء تنضح امتنانا لي فتظل بيسان الصغيرة تتامل في وجهي وقد اخذ منها النعاس مأخذه لكنها لا تعترف بالتعب امام هؤلاء المتسامرون تجلجل ضحكاتهم . تخشى النوم فتخسر فصلا من هكذا جلسة دسمة بالمحبة والفضفضة .. يتنافسون على وضع ما في جعبتهم من أحاديث وقصص يختلقونها أو ينسخونها عن قصص قمتُ أنا بسردها .. تناص جميل وإسقاط بأسلوب طفولي يستعينون بتعابيري باقتباسات واضحة للعيان وكانها سرقات ادبية محببة اليٌ( فهي احدى الوسائل لإيصال العبارة والفكرة وحث الإبداع والتحليق لدى الطفل ) يقلدون بعض المواقف من قصصي ويكررون عبارات وردت في سردي .
تنتهي السهرة في ساعة متاخرة لادأن تصريح السهر مفتوح بسبب عطلتهم الشتوية فوضى جميلة لا بد منها لكسر روتين الأوامر والتعليمات والفروض المدرسية.
مرات عدة أستيقظ ليلا لأقبض على ساق أو يد امتدت من تحت الغطاء فأغطيها. فراس ابن السنوات الست يستيقظ طالبا الذهاب إلى دورة المياه يسأل بصوت يغلفه النعاس والحنين : هل سيعود والداي في الصباح ؟ ابتسِم أحضِنُه وأجيب : إحسب على أصابع يدك يوم يومان ثلاثة بقي لدينا يوما واحدا فقط، لا يستطيع التكهن بالفترة الزمنية لكنه فهم من شرحي ولهجتي أنه سيتمتع قريبا بالهدايا التي سيتلقاهها حين يعود والداه من سفرتهما .
غصة تلازمني : والطفل ابن الشهيد الذي هدم الإحتلال منزله من سينتظر؟
عالم صدق نبحث عنه ولم نعد نجده إلا مع صغار جيل الطفولة المبكرة تضحكًنا خيالاتهم وانتصاراتهم على الوحوش الأسطورية وعلى الساحرات الشريرات ، فننغمس في لحظات نشوة مؤقتة لنعود إلى عالم ليس لنا …لأنه ملك من يدفع لإنقاذ مجرميه من السجون وهو العالم الذي يحيك مكائد السحرة على الملأ وتحت الاضواء المبهرة والتعابير الحماسية التهريجية . يقدمها في بث مباشرِ . نشاهد الوحوش وأكلة لحوم البشر وتجار الأعضاء يُحصون أرباحهم ويشمٌِرون لوضع المزيد من الخطط الشيطانية ليفسدوا ويفسدوا في هذا الكوكب المسكين المبتلي بأشد المخلوقات قسوة ولؤما .
ينشرون دجلهم وتلفيقاتهم على الشاشات والفضاء ويتبادلون تحليلها فيما بينهم…ويصلون إلى النتائج الرائعة بأن حرية الكلمة مهمة لكل إنسان …حرية الكلام لا الفعل ! قل ما تشاء واصرخ حتى تنفجر حنجرتك واخرج في اعتصامات إلى أن تقوم الساعة …
المشردون لا يمتلكون أجهزة تواصل لأنه ليس لهم من يسأل عنهم …جرن للماء طاحونة تعد الخبز وفرن يخبز ليتناول منه الجوعى هذا ما يحتاجه العالم …جدتي استميحك عذرا لتغيير مناسبة المثل فانت كنت ترددينه لوصف الصغار الذين لا يتوقفون عن الأكل ولا يشبعون…ترددينه بغبطة وأنت تتأملين الأحفاد والأولاد يأتون على الأخضر واليابس مما تصل إليه أيديهم .. أما المشردون والجوعى وهم بالملايين فلا جرن ولا فرن ولا طاحونة تجعجع …فقد نهبها المحتالون تجار الإنسانية وموقدو نيران الفتنة كلما خبت سَعٌَرٌوها بحيث لم يتركوا للبسطاء لحظة ينعمون فيها ولو ببعض الراحة والطمانينة .

السابق
الحيرة
التالي
أمومة

اترك تعليقاً