قراءات

جمالية الوضوح وتمتيع الرمز في نص “فقاقيع الهواء”

للكاتب عبد القادر صيد

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

من الأشياء الرائعة في “الحياة “، هو انك “تحس أكثر من أي احد أخر”، بشيء تظن إن لك عليه” تصور متميز وخارق،” تنتابك “فضيلة المتعة” في اعلي صورها، كأنك أحسن من عالم أو ناقد،فهناك من ” الشعراء من يتطاولون على النقاد الاكاديمين..”ويصيحون..بان يتركوهم في حالهم…هذا من فرط “الرداءة”،التي رايتها هذه الأيام ، وأنا” أصول وأجول” لمحت ناظري “قصة” لقاص الفت صورته “متكررة في موقع أصوات الشمال العزيز على قلبي ) فأردت أن “الأمس ماقيه من غرابة المتعة،” غير آبه بصورة “المؤلف “على طريق ما كان يفعل الشكلانيون لأنني “أمام نص يتماهى بكل عفوية..
أولا:تمكين ألوضوح من فك عقدة القص..
صور “الناص” (شكلانية دائرية لركع مسرحي) يحتوي على تفاصيل “زبون جديد”، قام الناص هنا ” بإصلاح ما تخلل على ظهر الطاولة بار جماع، أدوات مبررة (منشفة قطعة قماش) ، ليكمل بنا “دورة التبرير” لمفعول “الفعل القادم “في صورة الحركة المستمرة لكائنات “جالسة وأخرى سابحة” لكنها لتغادر الطاولة، وكأني “بالناص “يريد وضع علامة فيزيائية على ظهر الطاولة، لتكون “مطارا لكائنات محلقة دوما بين الخيال والواقع”( جميل) إن يكون التكامل صارخا بهذا المستوى ، مما يوضح الفكرة ويعطي لها حقا من التناغم أحييك أيها” القاص” في هذا الجانب ولا أعيب هنا “مستويات التكرارات” في الإفهام وذلك ربما “تعمد الناص إقحام نفس الملفوظ “ليعطي للنص وضوحا رغم انه كان واضحا وسيابا لوحده..
العوالم المتفرقة التي دمجها “الناص” في حيلة منه لوضع كتابه الالكتروني داخل” المقهى المتحرك من المعرفة” ، لقد حرك” الناص “المقهى من الفرجة الترفيهية إلى مقر للدبلوماسية وتدويل اطر الاستشراف في العلاقات الدولية ، لان المنظر الجامع يتعلق” بقضية قومية هي ” قضية غزة”، انظر إلى “الوضوح “كيف يتسامى لوحده دون بهرجة قوليه أو “عامية مبلطة ” بالأسماء والأوهام ، “لم يقل شربت ماكسيموس من نفاث الجوقة في الأوبرا رقم 11 لبتهوفن” .
لقد دحرج معناه متأصلا ( يبث التلفاز شريطا هادئا عن حياة الحشرات .. يمرر النادل قطعة قماش على الطاولة.. ليلغي بها و ينسخ عرائس الجلسة السابقة مدشنا عالما آخر من الخيالات على يد هذا الزبون الجديد)
تتعاكس هنا أنوار الحقيقة لتبين منطلق الفرجة أولا بتماتها القانصة وهو أمر في غاية الدقة ثم يفسر الولادة النصية من خلال قوله( ،فلكل زبون عالمه الحميمي) إذن ماذا حدث هنا حافظ الناص على مبدأ التكاثر والتوالد في “القص” وهذا هو الممتع عندما نتعامل مع النص كعقد السلسلة المتماسكة لنحاول ” قطعها بالعوارض ” التي تبرز الفتوة العظانية وتسبق الريح ،وعمره لا يتعدى مكانين بينهما مسيرة 300 كلم …

يستقر صاحب الصيد في “عالم متغير متكالب فكريا” يحمل تداعيات وصفية متثالبة ،داخل مقهى ، وكم هم كثر هؤلاء الداخلون ،وتختلف نظراتهم لمعترك الطاولة، حسب ثقافة الداخل، يطلب مايثلج حاجته بعد التفكير المضني سواء قبل أن يجلس أو بعدما جلس، “وقع على الفعل” فاختار: قال الناص “شيئا” وكان يجب إن يوضح مفهوم الشيء لان له ارتباط “مورفيمي بالجسم ” في كلتا الحالتين كان يبحث عن “مؤشر إسكات ” يدخل في تركيبة الدم ( ،طلب أول ما وصل شيئا ) وبالأمر العادي يلتفت “المتمقهي” يمينا وشمالا يتفحص “سطيلة الموجودات في العمق” وفي السطع يسقط عليها الأفكار والصفات من عالمه الخاص، ولما تحقق ما أراد أن يلحق به من توصيف “حدث الارتداد السلوكي” فانظر قوله (ثم استدرجته آلة المقهى فهدهدته فأحس براحة كبرى ، وشرعت أعصابه في الاسترخاء كأنه داخل فقاعة ماء )
ثانيا : وظيفة التقمص الوجداني في تعلية النص
يسافر” المتمقهي” صوب نفسه وخيالاته المارة سابحة معلومة وغير معلومة ، حتى يتدخل “القاطع الحركي الجديد” (، و شيئا فشيئا راحت تصله ضوضاء المكان ثقيلة متقطعة ) ماذا حدث في “الذهنية “السطحية” المتمقهي” ، أو استعان معنى وانتقال إلى مرحلة “عويصة “على التفكير في تلك اللحظات يتأزم الوضع النفسي إلى درجة ضد “تعنيف” سطحي وكان العنق سوف يبدأ ( بعدما ارتسمت هالة تعكس حالته النفسية ما لبثت أن لفّت محيط الطاولة كله ..و الشريط الهادئ عن حياة الحشرات مستمر و تزداد معه الفقاعة انتفاخا..)
ادخل إيقونة الحشرات..والعرض التصويري للإحداث الوصف بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أكثر وضوحا ن لان الأمير يتعلق بحالة وجوم وتمعن للشريط الخاص بالحشرات وهي تورية
داخل تورية ينتبه إلى” الفاعل الحركي “عندما يطرح سؤالا مبني على قمة التساؤل ،كأن يقول لما قارن “المتمقهي” بين عالم الحشرات ومتفرج قصف غزة ؟؟ هنا تكمن الدورة الغرائبية التي تنتج “الفعل الأصيل “والثقافة المركبة الموس وعاتية لان الانتقال من” الحشرات ” إلى “كائنات تصب في وضح النهار” إنما مرده إلى “ثقافة وفلسفة” في إن واحد لأنه مهما حدث فأمر المقهي لايتوقف ، ولا زالت “ايدي” تتشابك بزعانف الكؤوس وأعناق الاورنجينا وغيرهم رغم إن الكاتب الذكي هنا قد عظم “العمل الدرامي والتراجيدي” بوصف “جميل نقل فيه “خروج الأعضاء المبتورة من شاشة التلفزيون” ليعطي لنا تبرير الأذكياء أو المتمكنين بان الوضع كان ” قاسيا ” من جراء القصف وأصعب منه احتفاظ الكثير بمقاعدهم مخافة الاستعلاء عليها وهاهو وصفه كما ذكر(..مازال الشريط الهادئ عن حياة الحشرات و ما زالت الفقاعة تزداد انتفاخا ….. شعور ممتع و هو يتابع انهماك هذه الكائنات في قضاء مصالحها، كأنه يمر عليها على متن قطار.. الكل معني بنفسه …..و يستمر التلفاز في بث الشريط الهادئ عن حياة الحشرات ،و تزداد الفقاعة انتفاخا ..)

يحاول القاص هنا استخدام “وظيفة” الملاحظ بالمشاركة في العمل المنهجي يتسرب مع جرعة القهوة ( يحتسي الزبون القهوة و يمعن في التلذذ بها كأنه يكتشفها لأول مرة ) يحاكي هنا مابين لسانه وغدد اللعابية يريد إن يذوب لنا مادة قرمزية تساعد على النشوة والتيه ، ولكنه لم يدرك أنها قهوة تتقطع أوصال النشوة لا يترجمها الا أللماط وحك اللسان على مستوي سطح النخامي(تصون) بحركة تشبه ضربة “اللونان البالونية” على شفتين يعتريهما (موسطا أشوك.) ..ويواصل سباحته بين فتحة البلعوم والمريء مارا إلى قاعدة المعدة حيث تسكن الرغبات المعوية ، صار الكاتب هنا انسياب يشبه جرعة “القهوة المندسة والمدفوعة إلى قاع التصفية (، تتسلق ارتعاشه خفيفة من أخمص قدميه ثم تتيه في بطنه ،يكبتها ويمنع صعودها إلى الصدر و الرأس الحزامُ المحكم الذي يمسك سرواله الفاخر ..)
ثالثا: تمكين العوارض من إحلال الفرجة في أسلوب القص
يدخل الكاتب “إيقونة انفجارية” كأنها لغم أحدا،لفم بعدما وصف المكان بانسيابيته الجميلة والهادئة وجد نفسه يقحم التشبيه بحالة أولئك السائلين رأفة وجنية وهم يلامسون فقاقيع الماء ينزلون بها “رنة” “الحلق اليابسة” والدتفة تحدق العقدة المتفجرة ..(و التلفاز مازال يبث الشريط دون أن يزعج أحدا ،و تزداد الفقاعة انتفاخا …. ، ينظرون إليه و إلى أمثاله القاعدين” نظرة حسد وترقب”، كما “المتسولين” يستجدونهم بنظراتهم كي يختزلوا خلواتهم ، يتلهفون إلى تنفس هواء الفقاقيع المائية و التلذذ بمباهج الفرجة على الكائنات التي تروح و تغدو خارج المقهى.. و يستمر الشريط الهادئ ..)

الخبر الذي “فكك” بها “الناص “طبيعة المكان هو قصف لغزة ومنظر بشع لصورة القتلى، احدث لنا صورتين تأثرت وغادرت مقاعدها وصورة تأثرت فرحة بشغور منصب للمشاهدة العادية وصورة غضب داخلية ، أما “الواقفون” فكانوا يبحثون عن “مبرر” مقنع وهم وقوف فما أحوجهم إلى الانصراف من هو ل المنظر ( لملم الواقفون جروحهم وانصرفوا و شفاههم تلعن الصهاينة المجرمين أما قلوبهم فهي تلعن هؤلاء القاعدين لأنهم سلموا و يسلمون دائما من أي حادث .

هذا حال الأمم (واقفة وقاعدة مستسلمة ومسلمة) قطعت الإبداع وسلخت الأجسام والمناظر ، تتقاذفها الدماء ومع ذلك لازال في “المقهى” من يتفرج “دون حراك” وأخر يظهر الأمور عادية وبعيدة عن ” سقف المقهى” فتستمر الحياة شرها للبعض وطعنا في البعض ولكنهم في الأول الأخير تحت سقف واحد ( رغم كل ما جرى يستمر الزبون القاعد وأمثاله في التمتع بمتابعة الكائنات خارج المقهى ،كما تدخل أمواج أخرى لاحتساء القهوة واقفة ..) وتعود الأمور إلى نصابها العادي عندما ستمر بث شريط الحشرات( و هكذا يكمل التلفاز بث الشريط الهادئ عن حياة الحشرات ..)
رابعا: خلاصة وتقيم
قصك جميل أيها البهي، حاولت بكل الطرق إن تعقد لنا العقدة لكنك دفعت بالقارئ إلى الفقاقيع وشريط الحشرات، وكان ذلك جميلا..ملفوظ رائعة واقعية لا غبار فيها، حسك رابع وريف وسريع التعاطي مع قرائن الوطنية ، احي فيك البساطة في التمثيل..فعلا قصتك جعلتني أدرك شر امتنا وشر مبدعينا…الذي غواهم “الكبر” فحالهم..كالأطرش في زفة..لك محبتي أيها القاص أتمنى إن اقرأ لك ما هو اجمل…..

السابق
لقاء!
التالي
فوح

اترك تعليقاً