القصة السلسة

جميلات..ولكن!! -سُباعية المعتوه (6)

لم يدرك النوم في بداية تلك الليلة المتواصلة طولاً وعرضاً..فلم تكن ليلة كسائر الليالي ، والتي كان يقضيهن بين خربشات زفيره وشهيقه الملوث برائحة الرطوبة المنتشرة من جدران بيته المتهالك والأيل للسقوط.
تقلب في فراشه الغير وثير سعيدأ هذه المرة حالماً بكمال نصف دينه… فلقد نال حصته من التعويض الذي حددته لهم إدارة الأملاك في تلك المعمورة، وأمهلته بعضاً من الوقت للانتقال إلى مسكن أخر يكون أكثر ملائمة من هذا البيت العتيق.
فلقد وضعت الدولة مخططاً سياحياً جديدا مبتكراً..وسارعت بشراء جل البيوت المتداعية في هذه الحارة بسرعة البرق، وذلك لتقيم على إنقاذ هذه البيوت الفنادق السياحية أولا وقبل كل شيء ثم الحدائق السياحية فالأسواق الحرة السياحية والمطاعم السياحية والمدارس العربية السياحية لتعليم السواح الأجانب اللغة العربية عبر دورات زمنية صغيرة.. كذلك المباني والتي ستحوى مكاتب سياحية.. وأظن أنها ستشيد مساجد صغيرة تقدم صلاة التيكا وى السياحية كذلك!!!؟
الأهم في الأمر أن” فلان” سينعم بنعمة الحياة أخيرا بعد أن توفرت معه مئات الآلاف من النقود .
اتفق مع نفسه بينما كان يمارس مهنة التقلب على الفراش الغير مريح ليلياً فوسادته محشوة بصوف أخر كبش عيد، وفراشه في طور الرطوبة.

….اتفق بأن يذهب صباحاً إلى المعرض المخصص ببيع وشراء السيارات الأنيقة ، ليقتنى واحدة ليتوجه بها إلى اقرب حمام بخارى ليزيل هذا الكم الهائل من كيلوغرامات الأملاح المترسبة على جسده والتي التصقت عبر مرور السنين من أثر الاستحمام بالمياه الملوثة،هذه المياه التي لا تصل إلا للإحياء الفقيرة والتي يمهلها المسؤولين حتى يمقتها سكانها وبالتالي يسهل مساومتهم على بيعها لتنفيذ إحيائهم السياحية التي نوهنا عنها سابقاً.
لا ادري:

كلمة تسربت منه بلا وعى تاركة لحبل تفكيره الطويل مستمراً وأردف “سياسة تهجير!!”

وأردف في قراره نفسه بعمق التنهد:

“لقد كانت الحكومة محقة في اتخاذ قرارها بإزالة عشوشنا العشوائية”.

…سيذهب إلى سوق الثياب ويتبضع ببعض الملابس المتناسقة الألوان ، فالفتيات في هذه الأيام ..أصبحن أكثر ذكاء وفطنة من السالفات.
فهن يُقيمنَ الإنسان من مظهره قبل كل شيء فهذ هو مبدأ التقبل الاجتماعي عندهنً.
..الأهم أنه سيذهب إلى المكان الذي تحتشد فيه النساء الآنسات كل يوم تقريبا في المدينة فذلك المكان يعج ويضج بحركة نسائية لا متناهية.
” درايق”…

قالها :

“بالعامية البنغازية” واصطحبها بنفس عميق وزفرة طويلة.

وتسأل:

كيف أستطيع أن اختار شريكتي من بين كل هذا الكم الهائل من الدرايق؟

واللاتي يتسابقنً في إظهار مواطن الفتنة والجمال في أجسادهن..فالتنافس بين الفتيات أصبح مثيراً فكل واحدة تريد أن تظفر بذكر ذو مواصفات عظيمة أحيانا او معدوم الصفات في الأحيان الكثيرة الأخرى. ، ويقال أن نسبة الإناث إلى الذكور أصبحت (14)إلى واحد، وهذا يعنى أن كل أربعة عشر أنثى تصبح فرصتها مع ذكر واحد فقط وهى فرصة ضئيلة جداً، فواحدة ستسعد أما البقية..فسيكوننً عانسات.

” سأتزوج من أربعة دفعة واحدة..وسأجلس في وسطهن على خشبة المسرح في ليلة احتفالية لن تنسى وبذلك سأدخل موسوعة “جنز” العالمية وذلك لغرابة الحدث فالأجانب لن يستوعبوا حجم معاناتي الماضية وسيعتبرون عملي هذا من الغرائب..
وسأدخل التاريخ..

ألستُ أفضل من رؤساء بعض الدول الذين يتفننون في فعل الغرائب ليخلدهم التاريخ؟”
تمالك نفسه من فيض المشاعر واستدرك أخيرا
بأن القانون في هذه الحارة صدر بمنع تعدد الزوجات إلا بموافقة الزوجة الأولى!
قرار سياحي كذلك .
لكن الشرع حلل بالزواج من أربعة وأجاز ذلك.

وأردف متهكماً على جدليات تفكيره:

” شرع ايه اللي أنت جاى أتقول عليه
أنت تعرف أن معنى الشرع ايه..”

فتعدد الزوجات بحة هذه الأيام ولن نستطيع تكرار هذا الحدث السعيد .
سأتزوج الأولى الان ومن ثم سيكون لكل حادثاً حديث.
وأكمل.. سأتوجه إلى مكان تواجد الفتيات ..
فمن ستكون شريكة حياتي من بينهنً؟

وانهالت الجدليات فى ذهنه واستمر بالتحدث مع نفسه..

فقال:

في السابق كانت أمور الخطاب والراغبين تسير بشكل طيب..

فالفتيات لا يخرجن إلى الشوارع الا نادرا..وبالتالي فرص التعارف مع احد الفتية ضئيلة جداً.
فالزواج سهل في تلك الفترات” خوذ وأنت مغمض”.

قالها ” باللهجة العامية الليبية”…

أما الآن فقد تعقدت الحياة وتشعبت بسلبها وإيجابها..

فلا تستطيع أن تحدد من بينهنً من هي الأنسب والأجدر.

فهل الجمال هو المدخل الاساسى للارتباط؟

أم الثقافة ..ثقافة المرأة؟
والتي لن تكتشفها إلا بتوالي اللقاءات وتعددها..فأن نجحت في مقابلتها أكثر من مرة فستكون بالتالي قد دخلت في متاهة وورطة اجتماعية.

وان لم تروق لك تلك الفتاة .. وقررت تركها وهجرها، لاستبدالها بفتاة أخرى فستُنبذ من ناحيتها وستتضامن وتتكاتف صديقاتها ضدك وقد تُدبر لك مكيدة من جهة لا تعلمها!!.
وستجد نفسك ياولدى مُستكرد من كل من كان حولك وستتوالى محاولتك العاطفية الفاشلة.
وستنطوي صفحاتك…!

استمر في التقلب في فراشه يميناً فا شمالاً عساه يجد نوماً هنا أو هناك يدخله إلى عالم اليوم التالي.
توجه إلى جهازه المرئي واختار إحدى القنوات الملئية بالدرائق، لم يجد العناء البتَ ، ..فلقد ا اختارها سريعاً فهي قناة ” غنوة” العراقية..
فهى قناة مليئة با لحسناوت المتراقصة بشتى أنواع الثياب أو بدونها!!؟

…”جميلات….ولكن!!”

وأستطرد محدثاً نفسه..

” ليرحمك الله ياصدام”.. لقد كنت بحق رجل مختلف..

استمر في التمعن في الأجساد المنحوتة.

وتسأل:

أهذا هو نتاج التغيير السياسي في العراق؟

أهذه هي الحرية التي تمنوها؟

وأردف قائلاً:

أذا أردت أن تحتل بلدا..فأستهدف دفاعات النساء!!.

فمقياس الرجولة في أي بلد يبدآ من قوة شخصية المرأة فيه، فالرجولة تبدأ
من البيوت نفسها، فأن أُسست البيوت على أساس متين بحيث لا يسمح باصطياد نسائه ، فأنك بالتالي ستبنى وطناً قوياً سيكون من الصعب استهدافه.
..تذكر أنه بصدد النهوض باكراً ليتوجه لتنفيذ أجندته المتفق عليها مع نفسه.
تسلل النوم إليه أخيراً دون أن يدرى.
..فنهض من فراشه مسرعاً ذلك الصباح لينفذ السيناريو المرسوم.
…فوفق في ذلك جزئياً فقط..!
..لانه وبمجرد دخوله إلى المكان المقصود ومعترك ” الدرايق” ذاك،بداءات المشهدية تهتز..فأرتبك.
لقد شاهد ظاهرة غريبة الا وهى ظاهرة الاهتزاز..
كان كلما مر في احدى ممرات ذلك المكان، تأخذ بعض الفتيات بالاهتزاز الغريب والذي يبدأ من أخمس القدم الجميل إلى منطقة الخصر الأجمل.
لم يفهم هذه الظاهرة الغريبة والغير معهودة.

فتسأل أيضا:

قد تكون أشارة كناقوس الخطر..يستعملنها الفتيات هذه الأيام للتنبيه عن قدوم أحد الغرباء إلى ممراتهم.

هل هو ارتعاش مصطنع؟…يردن به أن يُفهمن القادم بأنه على قدر كبير من الرجولة المختلفة، والتي تقابلها تلك الفتاة بمثل هذه الحركة الاهتزازية لتفهمه بأنها قد ضعفت أمامه.
أو قد تكون آلية جديدة للحب؟

أو فسيولوجية الحب المتطور..حيث تكون اهتزازات الأرجل بديلاً للنظر، والذي هو بداية الحب الفطري.

” الحب يأتي من أول نظرة لا من أول هزة”.

…أرتبك..

فضاع وقته فى مساحات تفكيره..

انسحب متثاقلا مجر جرأ خيباته وأرجله المهزومة إلى مركبته الأنيقة، وجلس متأملا لغرابة الحياة”

“عندما أتذكر أن الله لا خليلة له سيطمئن قلبي” ح س ن

كرر هذه العبارة بشكل متواصل أثناء طريقه إلى المركبة.

ثم تسأل:

لماذا هن على عجل هكذا؟
فلو أنهن تمهلن قليلاً أو قمنً بتقديم أنفسهن بشكل أكثر احتراماً ..بعيداً عن الاهتزاز وترقيص الأرجل هذا.
لأتخذت قراري بالتوجه إلى أحداهن وقد تكون هي قسمتي ونصيبي في الحياة وشريكة العمر المنتظرة.

” عليك كشايف” صاح بالعامية الليبية.

أدار محرك وأنطلق ولن يعود.

قابله احد متاجر الأثاث فهبط إليه وأشترى بقرار سريع غرفة نوم مفردة ، بدلاَ من غرفة النوم المزدوجة التي كان يخطط لشرائها كبداية تأثيث عشه الزوجي المنشود.
..توالت الأيام فأندمج في معترك الحياة.. متجاهلا كل من تدعى بأنها أنثى.. وأنشغل.
…لاحضن النسوة اختلافيته عن سائر الرجال فابتعاده يبدو غريباً نوعاً ما هنا في هذه المدينة، فجل الرجال يهتمون بالنساء الا هذا الرجل!!

..حاولن استمالته بكافة أنواع الصور المشهدية الاستقطابية المتعارف عليها. فتهامسنً النسوة ذات مرة فيما بينهن.

وقالن:

أظنه احد رجال الدين والوعاظ، فهو لا ينظر إلى الينا البتَ

هلمن لنختبره:

فعندما يلج إلى هنا اسمعنه بعض الآيات القرآنية من احد أجهزة التسجيل..
فسينجذب إلى احدانا بالتأكيد إنشاء الله.

ردت واحدة:

وان لم ينجذب..؟

ردت واحدة أخرى:
سيصبح احد اثنان:

اما قد كشف اللعبة.

أو أنه شخصاً معتوهاً.

نفذن ذلك:

فتجاهل تدبيرهن بعد أن ولج مكانهن بخبرته من جراء تذكره لمشهديه الاهتزاز تلك.
فلقد أصبح أكثر دراية وفطنة وسوف لن تنطلي عليه مثل هذه الحركات الدرامية الدينية!!

واخطأ حين تسربت منه بعض الابتسامات الماكرة ..
فسارعن النسوة بالقول:

أأرايتن كيف أبتسم؟

ألم نقل لكنً أنه معتوه؟
…………………………………………………………………………………
هوامش:
درايق:تعنى حسناوات
بحة: لا يوجد شىء لقد نفذ كل شىء وهى كلمة تقال للأطفال الليبيين
مستكرد:متجاهل
عليك كشايف: ترادفها يافضيحة باللهجة المصرية

السابق
غزّية
التالي
هيام

اترك تعليقاً