القصة القصيرة

جنية المحطة

فى يوم مطير من أيام اكتوبر كان الشتاء با المرصاد للطلبة الموريتانيين فى المغرب وخاصة ‘ فؤاد ‘الذى دخل محطة الرباط آكدال فى خطوات ثابتة وهو يرتدى ملابس شتاء سوداء أنيقة لينظر يمينا ويسارا حيث بدى له عدد قليل من المسافرين المغاربة المتوجهين الى الدار البيضاء ،تلك المدينة التى احتضنته فى غياب امه فى ظلمة الغربة الحالكة وأضائت طريقه بمصابيحها واهلها الطيبين . كان اليل يسدل ستاره على يوم بلا ثمن من ايام الحياة وكان صوت المطر على الأرض يطلق لحنا جميلا.ليغمغم فؤاد:إنه لحن الحياة. اتقدت عيناه فجأة بسبب الفحولة الزائدة ربما وهو ينظر الى فتاة ذات شعر أسود رائع يتدفق كا غصن بديع على ظهرها وعيون شديدة الجاذبية وجسد يعجز أعتى الرسامين عن تجسيده على الورق وحتى المصور المحترف لن يأتى بنصف جحيم تلك الجنية الجميلة ..بنت حواء. لقد استفاق من هول المشهد ليبتسم بلا وعى وكأن صراع الغرائز دام دهرا فى ميدان معركة باطنية خاسرة فى نفسه. نظر الى رجل خمسينى بجانبه احيا الفلم بداخله زهرة الشباب وايام السهر فى المقاهى والرقص على الأرصفة با اليل وضحكات حبيبة قديمة ابتلعتها هاوية الزمن..لقد نزع نظارته التى تشبه كأس الشاى فى السمك وأغمض عينيه فى حزن ..ليقول فؤاد :العنة عليك يا جنية المحطة! اخذت تقترب منه وعلى وجهها البراق ابتسامة عريضة أظهرت لؤلؤا ومرجانا ..تذكر ان بجانبه جهاز التلفون. عبرت امام وجهه لتغمره رائحة أنوثتها الصارخة لينفسها فى عمق. ادخلت رقما ليقوم با الرنين وأناملها الذهبية من حول عنقه. لتقول :آلو انت اشحالك اياك الخير. ارعين جاى عنك احكميل اعشاى يا فاطمة!خاطب فؤاد نفسه قائلا: انها تكلمت با الحسانية،كيف؟ أيعقل ان تكون موريتانية؟كانت قد وقفت تتأمل فى صمت تشاهد زخات المطر المتسارعة وتنظر الى ساعتها فى كبرياء.ليبتسم فؤاد قائلا: سنرى كم من الوقت ستصمد نرجسيتك! انه استطاع ان يسيطر ويفتن الكثير من الحسناوات وهزم ايضا امام البعض ..لقد كان يستمتع با المجازفة مع النساء الجميلات وكأنما اراد ان يعد رسالة دكتوراه عن هذا الجنس الأخاذ الذى لطالما ارقه وأدخله فى مغامرات صغيرة لسنين مضت. وهذه قصة واحدة منهن. لقد استطاع ان يتكلم اربع لغات حية أما الخامسة فقد كان يقول انها قيد الدراسة المنهجية لأنها ببساطة ‘لغة النساء’ ..فقد يبدو ذالك استهتارا لكنه فعلا كان يعد تقريرا سريا لنفسه ليطمئن قلبه ربما لوصفة سحرية نهائية تجعل منه ‘دون جوان ‘فى نهاية النفق ربما. كان يحب اختلاف جمال تلك المخلوقات ومزاجهن المتقلب صعب المراس ويعشق ترويض البعض. فجأة رجع الى الواقع لأن القطار الضخم دخل المحطة.نهض مسرعا نحو الفتاة مخاطبا اياها با الهجة الحسانية :لابد من ان انتظار القطار قد اتعبك يا بنت العم!اوه هل انت صحراوى ؟ حدق فى مقلتيها الجذابتين فى ذهول لثوان عن قصد ليظهر مدى اعجابه بها واستطرد:تقريبا ..انا من موريتانيا. آه موريتانيا كم اتمنا ان ازورها يوما ما. قالتها فى ابتهاج طفولى. وليبدأ الركاب فى صعود با امتعتهم ويبتل شعرها الجميل تحت المطر وكذالك شعر فؤاد الذى بدأ يشعر با البرد. قال فؤاد: ناولينى امتعتك والنصعد القطار. فابتسمت قائلة:خذها..هيا بنا الى الداخل. لقد كان القطار شبه خال ولكن النور بداخله يجعل الوجوه اكثر لمعانا. ما اسمك ؟قالها فؤاد بعد ان جلسا متقابلين. أخذت الفتاة نفسا عميقا وقالت: فاطمة. مد يده مصافحا:فؤاد. صافحته فى حرارة قائلة:تشرفت بمعرفتك يا فؤاد. غمرته فرحة عارمة ليتراجع الى مقعده وبريق الشباب فى عينيه. سامحنى لاكن لون بشرتك ليس كا الوان الموريتانيين الضاربة للحمرة واسمك ايضا ليس كا أسمائنا! اجابها قائلا: وطريقتك الأروبية فى اللباس لا تمت بصلة لصحراء! صعقها جوابه لتقومة بحركات لا ارادية وكأنها تريد ان تبدو اكثر احتشاما فقالت: أبى تقدمى ولا يولى إهتماما بطريقتى فى إرتدائى للبنطلون بقدر ما يهتم بجوهرى وبتفوقى فى الدراسة الآكاديمية.ابتسم فؤاد ليشعرها با الأمان ربما قائلا: جميل ،إذا استطاعت بعض نساء الصحراء التحرر من العقد الرجعية الأساسية وهى كثيرة بحكم التقاليد إلا ان لبس الزي التقليدى لنسائنا له نكهة خاصة ايضا فى رأيى ،اليس كذالك؟ فعلا هذا صحيح.انت تبدو مثقفا..أشتم رائحة الثقافة من خلال طريقتك فى التعبير خاصة حينما ترجمت كلمة ‘رجعية ‘با الفرنسية دون أطلب منك ذالك! ماذا تدرس هنا فى المغرب.أتسكن فى الدار البيضاء؟ قالت فاطمة بحذر. رد فؤاد قائلا: فعلا عزيزتى ربما افرطت فى القرائة،انا فى السنة الأخيرة ‘دراسات إنجليزية ‘فى كلية الحسن الثانى بآلدارالبيضاء. تنهدت فاطمة والأنوثة تتطاير من جسدها الذى اذهل كل رجل يحمل فى دمه تستوسترون فى خضم تلك المحطة المحظوظة بمرور تلك تلك الساحرة من فوق ارضيتها ..لتتجسد الأنوثة فى أعتى معانيها وطغيانها عبر صوتها وتعابير وجهها..لتقول فى زهو:وأنا ادرس فى كلية الحقوق من نفس الكلية..عجيب اننا لم نلتقى قط! كنت احلم ان ادرس الإنجليزية والترجمة..انت مظوظ يا فؤاد..اريدك ان تدرسنى الإنجليزية. قالتها وكأنما اصابتها هستيريا لتصبح اكثر جمالا. خاطب فؤاد عقله الباطن : أيمكن أن تلد النساء مثل هذه المرأة؟ قاطعت تخمينه قائلة:أجبنى يا فؤاد فانا مهتمة بها وأدرسها فى المعهد الأمريكى! فأجابها با إنجليزية ممتازة: هذا رائع، منذ متى تدرسين الإنجليزية؟ لتجيبه با لكنة مبتدئة :من ثلاثة اشهر وأود أن أواصل حتى النهاية. فأخذ فؤاد يتكلم معها وهى تنصت اليه فى شغف وفى الأخير نظرت اليه طويلا حتى بدٱ العرق يبدو بارزا تحت النور على جبهته، ثم استطرت قائلة: صوتك رائع يا فؤاد. لتخرج قلما وورقة كتبت عنوانها عليها . اتصل بى لنتقابل فى الدار البيضاء. إنشاء الله ، أنتى اجمل امرأة رأيتها حتى الآن يا فاطمة، اتدرين ذالك ؟ نعم ادرك ذالك لكن لا اهتم كثيرا لأمر جمالى الا عندما انزعج من نظرات الرجال له فى الخارج. تعجبنى الجسارة الكامنة فى عينيك وفى كلماتك التى تنفذ كا السهام ..لكل منا أنا وأنت نقاط قوة وضعف . كان القطار قد وصل وقبل أن تقف فاطمة قال لها: اتدرين لو أن كليوباترا آخر فرعون لمصر لم تمت لأخذت بمعصمك لأصيح باعلى صوت إنها ‘كليوبترا ‘! عندها اطلقت فاطمة العنان لضحكة أسطورية:ههههههه شكرا عزيزى . فأجابها : لاشكر على واجب يا فاطمة فأنت فعلا تجسدين جمال الصحراء الامحدود ..! أجابت فاطمة: كم أعشق رمال الصحراء الذهبية تلك فى موريتانيا..سأزورك هناك يوما يا فؤاد ..لنراها معا ..!إنه الحنين للجذور.اطبق صمت عظيم على المكان لينزلا من قطار الحياة فى ثبات ونظرات فاطمة الدافئة ترمقان فؤاد وكأنها أرادت ان تقول شيئا ما..لكنها سرعان ما اسرعت نحو البوابة لتركب فى التاكسى الأحمر الصغير نحو المجهول..لبقى فؤاد واقفا تحت المطر يراقبها وهى تبتعد.. شعر بضرورة أخذ قسط من الراحة والتئمل فى القهوة المجاورة للمحطة.احس بجبروت الشتاء ليقارنه بجمال فاطمة فى صمت والأرصفة ترضخ تحت لحنه الأبيض الجميل ..وهو جالس فى الزاوية فى مقهى عتيق وظهره مسند بدقة جينية على الحائط كا ‘رجل الكهوف القديمة ‘ أو كأحد عملاء الإستخبارات المدربين، لايريد لأى شيئ أن يباغته ..عيناه العسليتين ترمقان هطول المطر الرائع عبر ‘مكعب الزمن’ ذو الحركة الفيزيائة الأبدية وأحيانا تحاول فك شفرة قدره عبر فنجانه الساخن..ليغمغم فى نوع من الهذيان الوجودى :اللعنة عليك أيها الشتاء كم أنت أخاذ تماما كا الجمال ! ليواصل المطر المصقول كا ثغر فاطمة هطوله وليسدل اليل ستاره الحديدى حول الأشياء.

السابق
المواطن والوزير
التالي
الشاعر القصيدة

اترك تعليقاً