القصة القصيرة

حالة طوارئ

الشارع الفسيح خال ، لا يسمع فيه إلا المواء و العواء و الحفيف . تنفست المدينة الصعداء ، هدوء غامر لم يسبق أن نعمت بمثله . النسيم البليل يصافح الأشجار و يداعب العشب و الأزهار ، و القمر توردت وجنتاه ، تحف به غيمات متوثبات في سماء تشع نجومها صفاء .
بجانب الرصيف ، دبت الحركة ، متشرد ينبش في صندوق القمامة ، يغوص بنصفه العلوي و يستخرج غنائمه : رغيف ، دجاج مشوي ، سمك مقلي ، فواكه…
بسط طعامه على الأرض ، شمر عن ساعديه و انقض يلتهمه بشراهة ، عندما فرغ ، تجشأ ، نظر حواليه ، صفر صفيرا حادا ، و لوح بيده ، صائحا :
” تعالوا أصدقائي القطط و الكلاب ، اقتربوا و لا تخافوا ، فالطعام شهي وفير ” .
لبت الدعوة ، حركت أذنابها ، ندت عنها أصوات خافتة مكتومة و هي تنهش العظام و تأكل ما لذ و طاب .
تنحى الرجل جانبا ، تحسس بطنه المنتفخة ، هرش بأظافره الطويلة لحيته المتسخة ، مسح المكان بعينيه ، عثر على سطل ، التقط عودا ، ثم طفق يقرع بقوة ، التفت إلى الحيوانات ، و حثها قائلا : رددوا معي ، و ارقصوا :
ما أنا إلا بشــر عندي قلب ونظر
وأنت كلك خطر ما تبقاش تحقق فيا
أحدث غناؤه و إيقاعه الصاخب بلبلة أيقظت النيام . أضيئت النوافذ و أطلت الوجوه .
تقدم المتشرد خطوات إلى الأمام يجر أسماله الرثة ، خاطبهم :
” عذرا أيها المحاصرون إن أنا أقلقت راحتكم ، عذرا أيها العابثون الغافلون ، لم نخلق لنخضع لنزواتكم و نقتات من فضلاتكم ، ألست أفضل منكم ، حر طليق . هاتوا .. هاتوا برهانكم ” .
أسدلت الأستار ، و انطفأت الأنوار .

السابق
بؤس
التالي
كورونا

اترك تعليقاً