القصة القصيرة

حبّات عنب “صائص”

كان يتناول الحبّة من العنب بين أصابعه، ينظر إليها بزهو و إعجابٍ، يداعبها كما يداعب حبّات المسبحة. صوت من الدّاخل يلحّ عليه، و يقول بأنّ الدّنيا بخير. ينظر إلى زوجته المتّكئة على حصير بالٍ، يتكلّف الضّحك… ينطلق صوت ثان كالإبر يخزه وخزا:” لا تضحك على نفسك يا جمعة”. و تصفعه زوجته بابتسامتها الحزينة. يحاول المداراة و المصانعة. يضع الحبّة بين شفتيه. تنزلق إلى الدّاخل مكرهة، يلوكها، فتظلّ تنتقل من هذا الجانب إلى ذاك من فمه. تأبى عليه الانصياع، فيلفظها بازدراء قائلا:” حبّة عنيدة، حموضتها عالية، وا أسفي على لونها الزّاهي!…”. و يلتفت إلى زوجته من جديد مشيرا إلى العنقود الممدّد على بقايا منديل ركبه الغبار.

و تعرج به الذّكرى إلى أوّل لقاء لهما في أحد الحقول الصّغيرة الّتي يملكها والده، رحمه الله، منذ أمد بعيد، يومها رأى الدّنيا بحلاوة العنب النّاضج في أواسط الصّيف القائظ. قال لها بأنّها أحلى من العنب و أجمل. و كانت هي تبتسم في خفَرِ بنات الرّيف الغافلات. ناولها بعض العناقيد هديّة لأهلها، ولكنّها لا تستطيع أخذ شيء منها، كانت تخشى أباها الرّيفيّ جدّا. قال لها يومئذ:” لا بأس… سآخذها بنفسي إلى الحاج علي”.

و الحاجّ عليّ من أعيان الرّيف، يملك من الأنعام و الفضول ما جعله محلّ إكبار و احترام، بل حتى وجَلٍ. لم ينجب سوى فاطمة ابنته الوحيدة. لمّا جرت دماء الشّباب في وجنتيها ركب الكثيرون قطار التملّق و التّزلّف. بيدأنّ الحاجّ يعرف ذلك جيدا، فمافتئ يردّ الواحد منهم تلو الآخر خائبا، قائلا:” سيأتيك منّا الجواب في ما بعدُ، اطمئنّ”. و كان في كلّ مرّة يتناسى طلب الخطوبة، و لا يخطر له على بالٍ.
ثمّ كان موعد بين العائلتين، و كانت خطبة جمعة، و أُجرِيت مراسم الزواج بسرعة. لقد كان بينها تعارف و ودّ منذ قديم.

تنزل قطرات حارّة على وجنتيه. كان يجاهد لمسحها و إخفائها، فتأبى الأخاديد التي احتُفِرت عميقا فيهما. يستسلم. يتركها تسقط باسترسال.
تقول زوجته في أسىً مُرٍّ:
– حتّى أنت يا جمعة؟!
– تعلمين أنّه قادم إلينا بعد هذا الغياب…
– نعم.. نعم.. أعلم…
ثمّ تهمهم “فطّوم:” رحماك ربّي.. رحماك…”

حبّات العنب مازلت في عنقودها ترمقهما بصلف و تحدّ. يعاود جمعة تناول حبّة أخرى أصغر في إصرار و عزيمة، يحاول ازدرادها دون مضغ هذه المرّة. و سرعان ما تُسمَع شهقة من الشّيخ و انتفاضة، ثم سبّ و لعن لِلْعنب و لغَارسيه أجمعينَ. كادت الحبّة الصّائصة تكتم أنفاسه لولا بقيّة من العُمر. و أيّ عمر؟
تصيح زوجته مذعورة:” سِترك يا رب!.. سترك يا خالق الخلق!”، ثمّ تردّد بصوت غير مسموع:” فأل نحس”.

تحوّل الأمر إلى تحدّ بين الشيخ جمعة و العنب. تولّدت فيه رغبة جامحة في النّيل منه. رمق حبّة صغيرة قد اختبأت تحت أخواتها الكبيرات. امتدّت أصابعه إليها بشغف. استطالتها تذكّره بابنه عماد.

لما كان عماد صغيرا كانت قامته مديدة بشكل لافت تفوق سنه كثيرا. و كان الابن يكبر بسرعة بين يديه، فيحسّ بالفخر و الاعتزاز. كيف لا و هو الذي يزعم أنّه ضحّى من أجله، فارتحل ذات صباح من منزلهم في الريف البعيد إلى المدينة ليكون هو و زوجته قريبين منه.
و هناك… هناك، في الرّيف السّحيق ترك أبوين طاعنين في زاوية من الدّار الشّاسعة لا سند لهما إلّا رحمة من الله.

حاول أن يسوّي وضعه. بيد أنّ ذراعه الواهنة خانته، فما كاد يرفع جذعه قليلا عن الحصير حتّى تهاوى من جديد… مكرها عاد متّكئا على جنبه المقابلِ زوجتَه…. تضطرب زوجته خوفا. ثمّ تهدأ قليلا لمّا رأته بخير.
قالت تمازحه و تخفّف عنه:” مازالت البركة يا حاجّ… ستنهض و سنذهب معا إلى حقل العنب… أتذكر؟… ههههه!!…”

لم يجاوب. تسمّرت عيناه في الباب… تتّسع حدقتاه، و تجحظان، لكأنمّا غشيه الموت. و تستدير فاطمة إلى حيث ينظر زوجها. فلا ترى شيئا. و تعيد النّظر من جديد… لا شيء سوى مصراعين قد فُتِح أحدها، فيما استطال ظلّ الثّاني. ظلّت تراوح نظرها بين الباب و وجه زوجها و لا تفهم شيئا… حتى استفاقت على صوت زوجها ينطلق بقوّة:” ابني… ابني… يا الله!…”

و يهبّ للنّهوض ثانية، غير أنّه، كما المرّة الأولى، تعيده الأرض إلى صدرها الحنون… يُصدِر همهمات، ثم ما يلبث أن يستسلم كرها.
و يلفّهما صمت ثقيل… تنظر زوجته إلى الحصير البالي. تنتزع منه عودا متآكلا.. تخط به على الأرضية راسمة بعض التّعاريج… تأخذ أنفاسا متقّطعة… تتذكّر كيف أنجبتهم تباعا، و كيف دار الدّهر دورته فافتكّهم منها جميعا. و انقطعت أخبارهم إلّا عمادا…. لم تكن قاسية عليهم، مازال معهما ابنهما آخر العنقود.

ولكن جاءهما يوما مطأطئا، متلعثما، خطوتان إلى الأمام و خطوة إلى الوراء… و عرفت الأمّ أن خطبا ما على وشك أن يقع. و لم يكد لسانه ينطلق بالحديث حتّى وجُمت كالصّنم، لا تدري بمَ تجيب أو كيف، فقد حُمَّ الأمر، و لا فِكَاك من هذا القدر.
عماد المتخرّج حديثا سترسله الدّولة لإتمام دراسته العليا في أرقى الجامعات الإنجليزية.
لم تفرح لهذا الخبر بقدر ما نزل عليها كالسّوط الّذي قسم ظهرها: كيف لا و سندهما الوحيد سيغادرهما قريبا. لم يفلح في تهدئتها رغم تأكيده مرارا بأنّه لن ينساهما، و لن يدّخر وسعا في زيارتهما كلّما سمحت له الظّروف… ومازال يواسيها و هي لا تطمئنّ حتّى بلغ الأمر أباه. قال متصنّعا الهدوء و الاطمئنان:” وحّدي الله يا امرأة!… سيعود… سيعود إلينا مُفْلحا، و لن تطول غيبته.. سيبيّض وجوهنا أمام النّاس”…

و يلعب القدر لعبته من جديد، و يعود الوالدان من حيث أتيا…
لم يطل غيابه… بعد ثلاثة أشهر كانت عودته الأولى… ثمّ طالت غيبته ستّة أشهر… سنة… سنتين….
و غاب…
عشر سنوات و حنينهما يستجدي قدومه… صارا يجدان مشقّة حتّى في أبسط أمورهما اليومية… ثمّ ما لبث أن افترسهما العجز… أضحى كَكُومتين في زاوية من البيت… تتلاعب بهما الأقدار أنّى شاءت… حينها تساءل في حرقة:” تُرَى.. كيف كان ذانك الكائنان يُسَيّران شؤونهما… كنت مجبرا.. إيْ و الله.. مجبرٌ… أردتُ أن يتمّ ابني دراسته… لا أريده أن يكون جاهلا مثلي… أريده أن يرفع رأس العائلة كلّها… لا .. لا… لست عاقّا… ”

الظّلّ يستطيل… و يتشكّل… يُضْحِي بأيدٍ و أرْجلٍ و رؤوسٍ ملفوفة بأغطية خضراء… تنتبه الزّوجة من غفوتها… تمسح عينيْها غير مصدّقة… سيّارة بِهِلال على جنبيها وسط السّاحة المغبرّة… و رجال يدلفون إلى المنزل…
” يا حاجّة… يا حاجّ…”، و ينحني صاحب السّترة البيضاء، يرسم قبلتين على جبينيها. قال بلطف:” سنضيفكما عندنا بعض الوقت. انتما مريضان، و لا تستطيعان القيام بواجباتكما… ستجدان منّا كل الرّعاية إن شاء الله…”

لم تعقّب، و لم يعترض… فقط، دمعتان حارّتان سالتا على خدّيها. وُضِعا على كرسيّين متحرّكين.. و غابا في سيّارة الإسعاف التي اكترها أحد الملاجئ الذي تكفّل بهما…

و هناك.. هناك.. على ضفاف أحد الشّواطئ كان عماد و امرأته الكندية يقضيان إجازة قصيرة قبل العودة من جديد إلى إنجلترا، لاستئناف عمله في إحدى الشركات الكبرى.

السابق
أفكار كوروناوية
التالي
ما بال قلبك

اترك تعليقاً