القصة القصيرة

حبَّة الشَّعير

“بوعجيلة” انسانٌ عادي، تربّى في بيئة تعيش وتتعايش على الخوف من الغول والجمل الصّول(أي الهائج) والغريب والسُّلطان، وبعض الأشياء الأسطورية الأخرى، ولكن ليس من بينها الخوف من الدّجاج. في بلاد “بوعجيلة”، تكيِّفت حياة الحضر على التّعايش مع الغُرباء وخدمة السُّلطان ايٌّ كان، وتكيّفت حياة أهل البادية على التّعايش مع الذّئاب والغول وقُطّاع الطُّرق.
مايجمع بين الحضر والبدو هو فلسفة تعايشية تتمحور حول ، “خطّى رأسي وقص”، و”اليد الّتي لا تقدر على ليّها قبّلها”، وكُرْه الخروج عن المألوف، والنّوم الْمُبكّر.
تغيّرت حياة “بوعجيلة” وطريقة تعامله مع الآخرين فجأة، إذ أصبح شخصاً إنطوائياً، ولا يخرج حتّى لدكّان والده إلّا نادراً، وبصحبة غيره، وأصبح يتفادى الطّرق التي في بعض بيوتها يربي الأهالي الطيور كالحمام والدجاج والوز.
في أحد الأيام هرب بوعجيلة مذعوراً تاركاً والده في منتصف الطريق يحمل بإجهاد بعض الأغراض، ولم يُتوقّف حتّى وصل لبيتهم القريب وهو يلهث ويلتفت بين الفينة والأخرى. أستقبلته والدته وهدّأت من روعه وأعطته كوباً من الماء وهي تدعو له وتقرأ بعض التعاويذ وسورة الفاتحة، وطلبت من والده الذي وصل لتوّه أن لا يوبّخه.
بعد أن تأكّد “بوعجيلة” من قفل الأبواب والشبابيك، جلس في وسط البيت وحوله والديه وإخوته وبعض الفضوليين من الجيران. فبادرته أمه بالسُّؤال:
” خيرك يا وليدي من يُطاردك، أكيدة إخوة بنت الجيران،”دلال”، دائماً أنصحك بالإبتعاد عنهم، فهم ليسوا من مستوانا، ما تبّيش تسمع الكلام”. نظر اليها “بوعجيلة” باستحياء وقال “لا يا أمّي القصّة، ليست هكذا، ولا علاقة لـ”دلال”، ولا لإخوتها بحالتي هذه، فأنا هارب من دجاج عيت “أمراجع”، …أيه دجاج عيت “أمراجع”. هذا الدّجاج يبغي يأكلني، .. نعم يريد أن يأكلني، ورأيته اليوم وهو “يفنّص”في ويفتح في فمّه يريد أن يلتهمني، فهربت منه ولا أُريد أن أخرج من البيت، أبداً”.
نظرت “أم بوعجيلة” لوالده الذي كان واقفا ً بدهشة ثم ألتفتت إليه في وسط ذهول الجميع وأمرت الصّبية بالخروج وكذلك طلبت من الحاجة “مَحْضِية” ان تخرج لان فمها فم سوء ولسانها دائما يسبقها.، ثم أقتربت من إبنها قائلة؛ ” اللُّطف يا “بوعجيلة “، كيف تخاف من دجاجة وأنت راجل أمصنّع امّنّع. وكل أصغار الجيران يخافوا منك”.
نظر “بوعجيلة” في الوجوه التي أمامه ثم قال” أنتم مش فاهمين، فأنا راني حبّة شعير والدجاج يبّي يأكلني، هل فهمتم الآن”.
أنا خايف خايف من الدّجاج وبالذّات دجاج عيت “امراجع” وأرجوكم أن تتركوني، أُريد أن أنام”.
هنا تدخّل خاله وهو تاجر شنطة معروف وفهلوي من الطّراز الأول، و يهرّب في كل شئ من الخارج ومن الداخل منذ ايّام الحصار، وقد زار دُبي وتركيا مئات المرّات في صفقاته السّابقة والمشبوهة، وكوّن ثروة هائلة إثناء شغله في جهاز مهتم بتنظيف المدن والتّهريب، وتعاونه مع الأجهزة الأمنية، وقال لهم بصرامة التّاجر،”بوعجيلة”، يحتاج لطبيب نفساني وسآخذه معي الأسبوع القادم لتركيا، سمعت عن طبيب نفساني مشهور ويتكلم العربية بطلاقة، وخلّوا المصاريف على حسابي، فـ”بوعجيلة” مثل أبني”.
شكرته أخته وطبعت قُبلة على رأسه؛ قائلة ” نجّك لي يا وليد أُمِّي، إن شاء الله ما نفقدك” .
بعد أسبوع كان بوعجيلة في تركيا وجها لوجه مع د.شاهين، الطبيب النفساني من أُصول عربية، والمرح. وبعد عدة جلسات أقنع د.شاهين “بوعجيلة” بانه ليس “حبّة شعير”، وأنّه إنسان وفرحت أمّه كثيرا، فحمدت الله وشكرت أخيها، وذبحت وسلخت وتصدّقت على كل الجيران الّا عيت “أمراجع”.
فِي الجلسة الآخيرة وقبل رحلة العودة، شكر “بوعجيلة” الدكتور شاهين، و شكر خاله ووعده برد جميله، وعندما ساله الدكتور شاهين، عن حاله، فرد “بوعجيلة”، قائلاً، “يا دكتور أنا أقتنعت بأنني بني آدم ولست حبة “شعير”، ولكن فيه مشكلة”، فسأله الدكتور شاهين، “وماهي المشكلة يا (بوعجيلة)”، فقال بوعجيلة باكياً: “من يقنع الدّجاج يا دكتور بذلك، من سيقنع الدّجاج بأنني لستُ حبة شعير؟”

السابق
كان وأخواتها
التالي
امتثال

اترك تعليقاً