القصة القصيرة

حب طفولي


رنت إليه بعينين ملؤهما اليأس والأمل، ارتسم على شفتيها ابتسامة مات ألقها قبل انبعاثها. لم تعد تعرف.. أيقول لها الصدق..أم يعبث بمشاعرها، لتعيش وهما يدغدغ عواطفها..
أحبته حين كانت طفلة، تفتح وعيها على شخصيته الجذابة.. المحبوبة.. طلته المميزة جعلها تتعلق به ..شكل لها دنيا جميلة، احتضنه كيانها..سكن خياله أحلامها.. تجسد طيفه بدُماها ولُعبها.. تراءى لها بين أوراق دفاترها و كتبها.. أحبت رائحته منذ أن احتضنها ولا عبها واستوطن في مكان ما في قلبها .. في روحها… أغمضت عينيها، غاصت عميقا في ماضيها، تذكرت ضحكاتها البريئة حين يداعب خصلات شعرها المنسدل على لجين جبهتها، وقطع الحلوى التي كان يدلعها بها كلما أحب أن يغتصب قبلات بريئة من رحيق وجنتيها، تذكرت كل ذلك وهي تسرق نظرات خاطفة إلى قسمات وجهه الذي طالما عشقتها إلى درجة التوهان.
انتابتها لحظات شك قاتل،هل يحبها فعلا كما يهيم كل عاشق بمعشوقته؟ ام انه مجرد عطف ابوي ورثه عن الزمن الجميل؟ زمن طفولتها الصاخبة، وشبابه الوثاب.. إنها لا تدري، أو لعلها تدري…
تفرست في وجهه، لامست جزءا من أصابع رجليه، تحاول أن توقظه بعدما استغرق في نومة طويلة بعد تناول طعام الغذاء على طاولة عائلتها. لقد عاد لتوه من ذلك البلد البعيد الذي غيبه طويلا عنها، رغم أن رسائله وصوره لم تنقطع يوما عن الورود على بريد والدها، فهو ابن أخيه وولده الذي لم تلده زوجته التي هي أمها. تحرك متقلبا الى الجهة الاخرى مداريا وجهه عن سهام نظراتها وكأنه يهرب من عواصف ما يجول بخواطرها. قررت أن تصفعه، ألم يكفيه ما فعل بقلبها وعقلها من حيرة وغموض، يحبها ..لا يحبها..يعشقها ..لا يعشقها.. ليتها تدري، ولكي تدري لابد أن يفتح عينيه لتقول له في وجهه ودون خوف أو تردد إنها تحبه ليس اليوم وليس غدا بل دائما وأبدا، لكنه مصر على الاستغراق في نومته العميقة وكأنه جندي عاد لتوه من أثون الحرب. تراجعت عن فعلتها النكراء كيف تصفعه وهو النفس الذي تتنفسه، والرحيق الذي تتلذذ بحلاوته، والماضي والحاضر وحتى المستقبل الذي يسكن عميقا في كل خلية من خلايا جسمها.
انتبهت على وقع خطوات، إنها أمها وقد أشارت لها بضرورة الانسحاب وترك ابن عمها يرتاح من تعب سفره الطويل، شعرت برغبة في التمرد على إرادة والدتها، لكنها استسلمت لنداء الواجب.
خرجت من الغرفة تاركة ذلك الذي حير عقلها قبل قلبها مستغرقا في سباته العميق وغفوته المحيرة. أغلقت الباب بهدوء والتحقت بأمها إلى غرفة الجلوس، نظرت إليها والدتها نظرة أغرقتها في خجلها وحيائها، هل اكتشفت سرها العميق؟ هل حقا نضح ما كان يعتمل بداخلها – والذي جاهدت طويلا في إخفائه- على قسمات وجهها ورعشة جسدها؟ إذا لم يكن كذلك، فلماذا تنظر لها الآن بمثل هذه النظرات التي تعريها من ثيابها؟ خجلت من نفسها، وهرّبت نظراتها عن عيون أمها، التي شهدت لها دائما بالنباهة وحسن تقدير الاشياء، واستنباط دواخلها، وكشف أسرارها الصغيرة.
إبتسمت والدتها في وجهها ودعتها للجلوس بجانبها على الاريكة المقابلة، أمسكت يديها و دعكتهما بحنية كما هي عادتها دائما حين تكون بصدد تبليغ قرار مصيري إلى إحدى بناتها… جاء صوتها هادئا عميقا، وامتلأ وجهها بالبشر والبهجة قائلة:
– فاتحني ابن عمك في رغبته في الزواج وتوديع حياة العزوبية.
تسارعت دقات قلبها، وانحشرت حشرجة ثقيلة في حنجرتها، وسيطر عليها دوار كاد يفقدها توازنها. ابتلعت ريقها أكثر من مرة لترطيب جفاف حلقها، لكن لا فائدة فحتى لعابها هذا عاكسها هذه المرة وكأنه يتواطأ ضدها في هذه اللحظة الحرجة. سرقت نظرات سريعة نحو أمها لترى هل اكتشفت توثرها واضطرابها، لكن والدتها استرسلت قائلة:
– وقد شجعته على ذلك، لم يعد صغير السن ليتأخر أكثر فقد بلغ الأربعين وهذا كفاية، يجب أن يستقر ويكون عائلة، حتى نرى أبناءه ونسعد بأسرته.
لم تستطع التحمل أكثر، فاندفعت سائلة:
-ووقع اختياره على من؟
نظرت إليها والدتها، وابتسامة ماكرة تعلو محياها، وكأنها كشفت كل دواخلها، قائلة:
– صبرك علي حبيبتي، لم يخبرني بعد باسم سعيدة الحظ التي يفكر فيها، لكن أجد أن بنت جارنا هند أصلح من تكون له زوجة.
وقعت عليها كلمات أمها وقع الصاعقة، لم تكن تنتظر أن تقسو عليها كل هذه القسوة، كيف؟ لماذا؟..
مستحيل أن تكون أمها – التي هي أغر ما لديها- لا تعتبرها زوجة صالحة لابن عمها، لماذا فكرت في “هند” ولم تفكر في حبيبتها ونور عينيها”شريهان”؟ ألا زالت تنظر إليها باعتبارها طفلة لم تصل بعد مرحلة الزواج؟ وهي التي تجاوزت الثالثة والعشرين من العمر؟ أليس سنا كافيا لتحظى بحبها وتنعم بزواجها.
استغرقت في تفكير طويل وشرود عميق، انتبهت على صوت أمها تقول:” ما بك حبيبتي، ألا تحبين أن يتزوج ابن عمك؟ أم أن جارتنا “هند” لا تناسبه؟ قولي فأنا أثق في رجاحة عقلك وصواب نظرتك.”
فتحت فمها لتقول شيئا مات عند الحنجرة، وانحشرت الكلمات في حلقها، وزادها اضطرابا تسارع دقات قلبها، ظهر على وجهها غضب طافح حاولت جاهدة إخفاءه، لكن دون جدوى، حيث انفجرت باكية،ثم دست وجهها في حضن أمها واستغرقت في موجة بكاء هستيرية، تبللت معها ثياب والدتها التي حاولت جاهدة تهدئتها وتطييب خاطرها.
استمرت في نحيبها زمنا ليس باليسير، بدأ الهدوء يعود إليها تدريجيا، ووجهها ما زال في حضن أمها وأنفاسها تمتزج بعبق رائحة والدتها الذي طالما أحبته وسكنت إليه وهي طفلة ثم صبية.
رفعت عينين دامعتين إلى وجه أمها، ففاجأتها بابتسامة ماكرة مرتسمة على محياها. إنها تعرف جيدا هذه الإبتسامة، لطالما سعدت بعد كل واحدة من مثلها، فهل تسعد هذه المرة، وتكون أمها تمزح معها كما هي عادتها في مثل هذه المواقف؟
فتحت والدتها فمها لتتكلم، إلا أن شريهان ومن لهفتها وقلة صبرها سبقتها قائلة:” تكلمي أمي هل تخبئي عني شيئا؟أعرفك تما زحيني، تكلمي لم أعد أطيق انتظارا، سأموت من قهري أمامك الآن .. هيه .. أيرضيك ذلك؟
-” صبرا، حبيبتي، اتركي لي فرصة كي أخبرك، لماذا كل هذه اللهفة؟ لا تقولي إنك تحبينه؟ وإلا كنت علمت منك ذلك من زمان؟”
– “لم تسألي لأجيبك؟ نعم أحبه أكثر من نفسي، كان فارس أحلامي في طفولتي وشبابي، ولا يزال وسيبقى مالكا لكل كياني، لم أحب قبله، ولن أحب بعده، هو بداية أحلامي ومنتهى آمالي.”
-اسمعي حبيبتي، هو لم يخبرني بعد بمن اختار كعروسة له؟ لكن حبك هذا واندفاعك القوي اتجاهه سيتعبك إن وقع اختياره على غيرك؟ فهو كان وسيظل يعتبرك تلك الطفلة التي لا عبها وصاحبها كثيرا، قد يعتبرك أخته الصغيرة أو حتى بنته التي يتمنى أن ينجب مثلها، أما أن يفكر بك كزوجة فلا أعتقد حبيبتي ذلك ابن عمك وأنا أعرفه كما أعرفك، لهذا لا تتعلقي به فخيوط الامل واهية لا تتمسكي بها، قلب الأم يا حبيبتي.”
قطع دخول الأب حبل حديثهما، وبادر قائلا:” أين ابن أخي؟ أما زال نائما؟ سأذهب لأوقظه فقد أخذ كفايته من الراحة؟” تحرك في اتجاه الغرفة وهما يشيعانه بنظرة الموافقة على قراره، دخل الغرفة وتاخر لوقت غير قصير، ثم عاد ووجهه وقد ارتسمت عليه كل أحزان الدنيا، وفتح فمه قائلا بصوت متهدج والدموع تكاد تغسل وجهه:”البقية في حيا تكما.”

السابق
احتراق
التالي
بطة عم بدوى

اترك تعليقاً