القصة القصيرة

حتى الجنيّ طفش

لم يعد في عصر الموبايل والإنترنت، والصعود إلى المريخ، لم يعد مقبولاً ولا عملياً المصباح والجنيّ الذي يخرج لك منه ويقول (شبيك لبيك عبدك بين يديك،) فتطلب منه ما تشاء ليحضره إليك بالحال. صار تقديم طلباتك أكثر حداثةً، عن طريق النت. بما يعني أن جنيّ هذه الأيام أشبه بصبي (الدلفري).
على حدود الوطن أُلقي القبض على مجموعة متسللين من طالبي اللجوء إلى سوريا، ثلاثة من ألمانيا، وأسرة من خمسة أشخاص من فرنسا بينها طفلان، وواحد من النمسا وواحد ادعى أنه جنيّ المصباح حضر لإيصال الطلبات.
تم وضع الجميع في أحد مخيمات اللجوء، عدا ذلك الذي ادعى أنه جنيّ. وجدوا معه كرتونةً، مما يوضع فيها الأحذية لبيعها في المحلات، محشوة بالدولارات، كان أن طلبها منه موظفٌ سوريٌ يعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، أحضرها الجنيّ له، لكنه لدى دخوله حدود الوطن تم القبض عليه.
أثناء التحقيق مع الموظف راح يشرح للقاضي وضعه والأسباب التي اضطرته إلى اللجوء لجهات أجنبية طلبا للمساعدة.
– أنا يا سيدي القاضي أعمل لدى الحكومة منذ خمسة وثلاثين سنة وراتبي خمسة وأربعون ألف ليرة سورية، عندي ثلاث بنات في المدارس وأنا وزوجتي وبيتي بالإيجار، كم تمنيت لو رزقني الله صبياً لكنت خصصته للوقوف على باب الفرن لشراء الخبز، وعلى باب المؤسسة لشراء اللوازم الأخرى المدعومة، ولكنت تفرغت أنا لعمل ثانٍ يسد الرمق. الله وكيلك وصلنا للرمق الأخير يا سيدي القاضي. فأنا موظفٌ شريفٌ لا أسرق ولا أرتشي، لم يبقَ أمامي سوى الاستعانة بمصباح علاء الدين السحري عن طريق النت وطلبت من الجنيّ مبلغا ًيعينني على الغلاء وارتفاع الأسعار ولسداد آجار بيتي المتأخر، لم أعلم أنه سيلبي طلبي بالدولار.
اقتنع القاضي بما قاله الموظف، لأنه يشعر بشعوره ويعاني معاناته، فأطلق سراحه بضمان راتبه. غادر الموظف وهو يردد بسرّه (إيش يحصل الريح من البلاط، قال بضمان راتبه قال.)
بعد يومين من التحقيق مع الجنيّ في القبو، اعترف بما نُسب إليه. اختار المحقق من بين مجموعة من التهم الموجودة لديه ما يتناسب مع حالة هذا الدعيّ. وُجهت إليه التهم التالية:
– دخول الأراضي السورية بطريقة غير مشروعة.
– عدم حمله وثائق تثبت شخصيته، بطاقة هوية، أو جواز سفر، أو البطاقة الذكية.
– انتحال صفة جنيّ مصباح علاء الدين ولم يكن بحوزته مصباحٌ،
– حيازته على كمية كبيرة من الدولارات بقصد المضاربة على الليرة السورية، وهي في قمة مجدها، وتخريب اقتصاد الوطن.
تم الحكم على الجنيّ بالسجن مدة خمسة عشر سنة مع الشغل والنفاذ، ومصادرة المبلغ الموجود بحوزته لصالح خزينة الوطن، وتغريمه ضعف المبلغ.
ولأنه جنيّ ابن جنيّ والعياذ بالله، استطاع الهرب مغادرا الوطن بنفس الطريقة التي حضر بها، متسللا عبر الحدود. تقدّم بطلب لجوء إلى ألمانيا، وقرر عدم العودة إلى سوريا أو تلبية طلبات السوريين.
حتى الجنيّ طفش من سوريا.

السابق
أرواح لا تتلاقى
التالي
الشبيه

اترك تعليقاً