قراءات

حدود سيمية في نص “يشمّ الوردات”

لـلقاص عيسى بن محمود
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

ليست وظيفة الفن أن يدخل الأبواب المفتوحة، بل يفتح الأبواب المغلقة
(أرنست فيشر)

قد تبدو بعض مظاهر النّصوص السردية مركّبة في سياقها العام، توحي بتفاصيل مجهدة للمتلقي، غير أنّها تكرّس ذلك بأسلوب مختلف، مستحوذ، ومثير، يشكل في النهاية قراءة إبداعية متناغمة قد لا ينجح فيها كل كتاب السرد، ولذلك يطغى الرمز في توظيف مختلف المجازات، ومستويات النّص، تتعالق وتتفاعل مع لغة الحكي بشكل مشوق، نشعر إزاءها بمداعبات ذهنية ونفسية في وقت واحد… ولذا أقترح على القارئ هذه القراءة لنص أراه يستحق وقفة في تفاصيله ومكوناته من حيث ما تقتضيه في كثير من المواضع الرؤية السيميائية ممتزجة بحركة أسلوبية في تناول بلاغة النّص ولغته، باعتبار تجاور الجمل وتقارب الصور من شأنه أن ينتج أفكارا ويولّد معانيَ، ويفجّر صياغات لدى السارد الذي خاض هذه التجربة في حدود ما تمليه رؤيته الذاتية… من عتبة العنوان “يشمّ الوردات” إذ الرمزية تبدأ بشكل بسيط قد تبدو عادية في سياقها، وهذا المستوى يقوي دلالات المتن ويجعل منه منتجا كثيفا مترابط الأجزاء، يدفعنا إلى تفكيكه، ومن هنا نتناوله من حيث:

رمزية الحواس: حاسة الشمّ وتكثيف المعنى:
على بساطة الصورة فهي تحمل تعقيدا حسيّا في عملية التبادل التي استحدثها السارد بين البطل وبين الوردات، وهنا الصياغة لم تكن عشوائية بقدر ما كانت مقصودة لذاتها كما يراها السارد نفسه. لا يذكر تحديدا من منهما شد انتباه الثاني، أتكون قد أرسلت عبقا انتشاه فضمخ وجنتيه ببدء الخجل؟ أم تراه بشق نظرة قد أوحى لها؟ وهنا تهيئة واضحة لدخول مستوى جديد “الحوار” وهو انعطاف ذكي للدخول في تجاويف الذات والتنقيب فيها، انتقال سلكه السارد ليوهمنا بالصورة الحقيقية الغامضة ويحاول أن يمكننا منها، فيحدث ما يسمى بالتجاوب على لغة السرد التي تجعل هذا المستوى يحقق من هذه الرمزية صورة تنتهي بحالة واقعية لا يتردد معها المتلقي، بل يتقرب منها أكثر ويقحم نفسه في نهاياتها وإن لم يظهر كثير منها بوضوح…هذه العلاقة الحميمية عن طريق حاسة الشمّ تنتهي بتغيّرات جذرية لعلها، الرؤية الافتراضية التي أراد أن يحققها السارد مع انتهاء النّص يوضّحها المخطط على هذا الترتيب:

الفعل / الحاسة / الشيء/ النتيجة
يشمّ/(النشاط) الشمّ/(الوردات) مفعول به/تقارب بل الرؤية (انفعال)
البعد الإشاري بين حاسة الشم والانفعال:
هي ليست عملية توصيف لحاسة الشمّ لذاتها، إنّما قراءة لمحتواها كفعل تضمّن مجموعة من القيم والدلالات التي تشير إلى أكثر من موقف حسيّ ومعنوي باعتبار الإشارة “لفظا مفردا دالا على حدث أو ذات أو موقع ما في الزمان أو المكان” (1) “بحضور لغة اللّون” نفسه / “لا يذكر تحديدا من منهما شد انتباه الثاني، أتكون قد أرسلت عبقا انتشاه فضمخ وجنتيه ببدء الخجل؟ أم تراه بشق نظرة قد أوحى لها؟” المصدر نفسه/ هذه العتبة لم يدرجها السارد من باب العفوية بقدر ما كان يبحث عن مبرر للعلاقة التي تجمع بين الصورة الحسّية واللّون والشّكل وترك المجال مفتوحا للمتلقي ليبحث عن العلاقة الحقيقية التي يعنيها في جملة المعطيات التي وزعها بين مراحل تفاصيل المتن وتنوّع مواقف البطلين وليس بطلا واحداً كما يبدو.

إيقاع الترادف:
تشكل هذه الظاهرة مرتكزا أساسيا في العملية النقدية من جانبها اللساني، ففهم النّص يتطلب حضورا خاصا لدى القارئ ليتمكّن من التجاوب مع قرائن النّص وتشكّله اللغوي والبلاغي / المجازي في بعده الرمزي / التصويري، ولكي تتحقق هذه الميزة فإنّ القراءة تجمع بين مقتضيات المستوى اللغوي وبين التعاملات النقدية الصافية التي عبّر عنها النقد الحديث في صور عديدة “خلال القراءة نحاول أن نبعد أي مشاغل تلهينا عن التركيز وهذا الابتعاد عن العالم الحقيقي إلى عالم منفصل يتحقق في مساحته استيعاب وعي النّص ذاته”(2) “ونفسك قد جبلت على الافتتان الذي تراه والذي تلمسه يداك أو تخالها كذلك حين تخرج رغما عنك دهشتك:
– رائع.. فاتن.. ياه..
من بين كل تلك الأزهار قد عبقت “تحقق إيقاع الترادف لا يعني بالضرورة من تشابه أصوات الحروف ومصوِتاتها وترتيبها بقدر ما تعنى بدرجة الوعي وتناغم المعاني ونسيج الأفكار /رائع..، فاتن..، ياه../، لا تخرج معاني هذه الألفاظ عن دائرة الإعجاب والدهشة وأحيانا الذهول الذي تحدثه عملية استكناه دلالات النّص في شموليته، باعتبار هذه التقانة وسيلة متحولة من مستواها اللغوي المتعدد في المعجم إلى مستوى السرد الذي يمنحها خصوصية أخرى تتفاعل مع العملية الإبداعية التطبيقية.

التكرار والتضاد:
ينبغي ألاّ نفهم هذه الظاهرة في مستواها السطحي الذي تشكله عملية التشابه أو التضاد أو الحشو التي كثيرا ما تخل بالمعنى الجمالي لوظيفتها الحقيقية، غير أنّنا نبطل هذا الزعم عندما نقف بعمق على مستواها السيميوطيقي وإحالاته الشّعرية في النّص السّردي (القصة القصيرة) التي تعتمد الجمع بين ثنائية إستراتيجية، “إستراتيجية الإقناع… وإستراتيجية الإمتاع”(3)

1 – التكرار:
من حيث الإجراء يوظف نص (يشم الوردات) جملة من هذه الظواهر بدءا بـ النداء: (يا)، ( – يا أنت يا أيها القادم الآن، كنت أزهرت وما كنت بحقلنا، وأينعت وما سقيتني، هل يحل لك انتهاك الهواء لتشم عطري وشذاي؟ رحيقي توزعه النحل ليمكن لبذوري استنشاق الربيع، يا أنت يا أيها القادم الآن لكم شوقتني لو كنت تفيأت ظلك) وللنداء مجموعة من الدلالات التي تفي بغرض التنبيه الذي لا يبحث عن حدوث متغيّر مباشر بقدر ما يبحث في تبليغ الرسالة / الخطاب وتنشيط البطل الافتراضي والمتلقي على حد سواء، يفتعل خلالها السارد صفة الصوت المركزي مصدر النداء / المخاطِب / (يا أنت…، يا أيّها…) على وتيرة واحدة تتلاحق بين منادى ضمير (أنت) ومنادى (أيّ) ووتيرة أخرى للأفعال (ناقصة، تامة)، (كنت، أينعت، سقيتني، يحل، لتشم، توزعه، ليمكن، شوقتني، تفيأت، ) بين زمن منقض وزمن حاضر وزمن منتظر…، أما تكرار الضمير: (أنت) من باب إسناد المجهول للآخر بحضور الذات وللضمير وظيفة الربط بين أجزاء النّص بداية ونهاية، تحقيقا لنسق معيّن اقتضته طبيعة الخطاب، ومن أجل التواصل كان لابد من ضرورة ضمير (أنا) تحقيقا لرغبة ذاتية ووصولا إلى ما تبقى من أجزاء الصورة التي لم تكتمل في نظر السارد، ولذلك استعان بالأسماء بتكراره لـ (الهواء) في أكثر من موضع، وتكثيفه ارتكز أكثر في المقاطع الأخيرة من النّص: (وجه تيار الهواء… الشمس تشرق والهواء والأزهار والروح…. صوت ضمخه هواء الغرب إلى سمعك… هل يحل لك انتهاك الهواء لتشم عطري وشذاي؟
… تحاول بدورها مع تيار الهواء شرقا… والهواء عليل… -… هل يحل لك انتهاك… الهواء الغربي يردد، من شأن هذا الإلحاح توليد المعاني بصيغة واحدة وفي مواضع مختلفة (تيار الهواء “جملة مكرر” / تشرق والهواء / ضمخه هواء / انتهاك الهواء / الهواء شرقا / الهواء عليل / الهواء الغربي .

2 – سيمات (4)Sème ، التقابل والتضاد (5) Contrariété:
تتحدد هذه الوظيفة بلاغيا بما يسمى الطباق أو المقابلة ولكنّها تعتمد على سياقها الفاعل في المتن من حيث توالد المعاني الجزئية أو الصغرى ويرمي هذا التحليل السيمي إلى رد المعاني والمدلولات إلى الحدود السيمية يعني إلى الشبكات المنظمة للحدود الابتدائية. نفسه، ص: 167، إجرائيا يمكن أن نتناول بعض ما جاء في هذا النّص السردي، التقابل بين ضميرين، بين (أنت) و(أنا)، أما “أنت” فمجموعة العلاقات والتصورات الخارجية التي تعتمد بنية سياقية مختلفة وتسمى أيضا الـ”هو” في مواضع التنظيم السيمي وتصنيف الأفكار والأفعال والانفعال تنتهي بانهيار مستويات الغموض وإزاحة لبس المعاني، أما “أنا” وتحددها مجموعة المشاعر والأحاسيس الثابتة والمتغيّرة بالإضافة إلى مجموع الأفكار والقناعات التي قد تكون مؤيدة أو معارضة للمستوى الخارجي، يثبتها أو ينفيها المتلقي، وبين (مشدودة ومقطوعة) / بين (هنا وهناك)/ بين (هاته متفتحة وأصاب أوراقها بعض الوهن) / بين (اليمنى واليسرى) / بين (تقف إلى الغرب… وفتن بالشرق، الشمس تشرق) / بين (أنت مقبل وأو مدبر)، فهذه الصورة “معطى لغوي تتحكم فيها التضادات الثنائية وتكمن جماليتها في أنّها تورط المتلقي “(6) ليكتشف مقصدية متغيّرة قد تبدو ثابتة في نظر بعض القراءات السلبية، أحادية التوجه، سطحية التأويل، تتحكم فيها نوازع مسبقة، شديدة الانفلات، غائرة في المجهول ضعيفة الأدوات، قد لا تصنّف ضمن العملية النقدية، لافتقارها الواضح، ومن هنا ومن الظلم أن نترك النّص يغرق في مستوياته الحقيقية وننشغل بما هو خارج عن جوهره.

جمالية الحكي:
للحكي نكهة خاصة تفرضها متعة القراءة وخصوصية النّص التشويقية وإلا كيف يمكن للسارد أن يخترق حواجز ذات الآخر ويستفز مكنوناتها كما شكّلتها التجربة وفعّلتها صيغة التبئير Focalisation وفي هذا النّص ارتكز على النوع الثابت منه، حيث تهيمن صورة الراوي/الشخصية إذ “الراوي لا يقول إلا ما تعرفه الشخصية “(7) .
“ لا يذكر تحديدا من منهما شد انتباه الثاني، أتكون قد أرسلت عبقا انتشاه فضمخ وجنتيه ببدء الخجل؟ أم تراه بشق نظرة قد أوحى لها؟” هذا التداخل بين بطل القصة والرّاوي يحمل دلالة الحضور الفاعل والتقاطع بين سيرة الأنا وسيرة الهو مشكلة تزامنا موضوعيا على استقامة واحدة غير متباينة، تتغيّر بدخول الخطاب مباشرة كرابط جديد يحقق التواصل والاستمر”:
– و انا خويا صغير
قديمة كطرازه تتهادى، عتيقة كما الوطن، الأيام الجميلة تلك التي تمر، الذكريات”، “ – و انا خويا صغير يشم الوردات”.
بكبرياء تنتصب، تلاحظ ذلك من تمكنها من الصمود في وجه تيار الهواء الذي يداعب هذا البساط البهي من الورود فتميل معه جلها، لكنها تستعصي عليه”،
و تمتزج في النّص حضور ضمير المتكلم (“أنا”) بضميري الغائب والغائبة (كطراز”ه” وتمكّنـ “ها “)، قد يبدو من المفارقة أن يحضر الضميران بهذا الشكل، غير أنّ تركيب الجملتين توحدهما حتمية النتيجة “فتميل معه جلها، لكنها تستعصي عليه” فهذا التكيثف التوصيفي للبداية والنهاية يساهم في تجلي Manifestation الحقيقة التي يبحث عنها السارد بتشكيل رمزي / تشفيري “لوحة لا تزال تداعبها ريشة الرسام” لوحة / ريشة / رسام، تجانس الأشياء ومفضياتها ووجود علائقيات موضوعية غير أنّها مبررة بخلفية رمزية، ومقصدية جمالية – فكرية، يتحقق بها ما يسمى بالإمتاع الذهني – الذاتي، نتصور من خلالها النهاية المنتظرة أو كما رسمها السارد منذ بداية المسرود وعلاقته بالمسرود له.

جمالية سياق Contexte المأثور:
بين عتبات هذا العنوان مجالات تقارب، أحيانا لا تكتمل جمالية النّص إلا بالاستعانة بها، وتقديرات الجمال تتوقف على مهارة السارد وقدرته على توظيف عناصر عديدة قد تبدو متباعدة من حيث طبيعة كلّ منها بما تحمله من نسق أدبي أو ذهني أو فكري، ولذلك نكتشف في نّص “يشمّ الوردات” مزجا واقعيا لبعض صوره المتداولة وتحليل بنيته كما تتصوره القاعدة البسيطة العامة والساذجة في تقريب دلالات الملفوظ، فصيحا أو ملحونا، مشكلاً بذلك مدركات أخرى، نعتبرها منبّهات – مذكرات مشتركة يتكئ عليها التأويل السيمي والتحليل البنوي للظواهر العامة والخاصة ومن هنا فإنّ جملة: “ – و انا خويا صغير “، “ – و انا خويا صغير يشم الوردات”، “ – و انا خويا صغير يشم الوردات ويبرا” وتكرارها يشكل نسقا مختلفا ومتشابكا مع ما تحدثه عملية التواصل بين ما يرويه الرواي وما يتلقاه المروي له كعملية استئنافية، تتبع تفاصيل الأحداث وتناقض المواقف وتشابك التصورات مما يحيلنا إلى تكسير الفواصل المفترضة بين العالم الظاهر والذي يكاد ينتهي عند حد معيّن من المستويات وبين مستوى مضمر، يخفي عالما موازيا، الوصول إليه يقتضي هذه الشيفرات المتلازمة والمتلاحقة، باعتبار الموروث الشعبي جملة من التقانات التي أصبحت تشكل المرفق الأساس لتوصيل الخطاب على خلفيته الاجتماعية الكثيرة والمتزاحمة في التداول والترغيب والتشهير والخلود، وهو ما يحققه النّص الناجح.

الخلاصة:
“يشمّ الوردات” نص مشبع بمختلف التصنيفات الأسلوبية، والمستويات السيميائية التي تكشف ما فيه من جماليات كامنة، أدبية ولغوية وبلاغية، باعتبار بنيته السردية قابلة لأكثر من قراءة وتأويل.

هوامش:
1 – الأزهر الزنّاد، نسيج النّص، بحث فيما يكون به الملفوظ نصا، المركز الثقافي العربي، ط 01 1993 ص: 116 وجزءا من الملفوظ والملفوظ كاملا.
2- Ingraden Roman,The Literary Work of Art, Evanston, Northwestern, University, press, 1973, P84, P, 355.
3 – نسيج النّص، ص: 14.
4- رشيــد بن مالك، قامـوس مصطلحــات التحـليـل السيميــائي للنصوص، دار الحكمة، ط 2000، ص: 167.
5 – المصدر نفسه ص: 45.
6 – جاسم /خلف إلياس، شعرية القصة القصيرة جدا، دراسة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ط 2010، ص:154
7 – قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، ص: 75.

السابق
أحلام مسافرة
التالي
طالبُ عِلْمٍ

اترك تعليقاً