النقاش العام

حرية الكاتب وجدلية القراءة

إن الانتشار الواسع للقصة القصيرة جدا كتابةو نقدا.. تقريضا و تقريعا..تلميعا و تأنيبا.. يجعلنا نتساءل حول مشروعية هذا الكائن الأدبي في اقتحام ساحات أدبنا العربي. و بالرغم من وضع الكثير من التقعيدات و الخوض في الكثير من التفصيلات في أركان و شروط و أسس هذا الكائن فإن الخلاف لا يزال محتدما في تقييم النصوص المكتوبة و التي غزت فضاءات التواصل الاجتماعي بشكل مخيف..فأصبحت القصة القصيرة جدا مطية لكل من تستهويه الكتابة دون قيد أو شرط، و ما يغيظ في المسألة أكثر هو التباين و الاختلاف الكبير بين النقاد- إن أجيز لنا هذا التعبير- من ناحية أن الظهور الحديث لهذا الفن لم يترافق بعد بإفراز طبقة راسخة من النقاد..تلك الطبقة التي تستطيع إعطاء الرأي الفصل في اللحظات الجدلية لقراءة النصوص مثلا، متجاوزة موضوع المزاج الشخصي و جاعلة الذائقة الذاتية كإطار عام فقط لرؤية نقدية موضوعية شاملة..هذا طبعا بغض النظر أيضا عن الرؤى( المجاملاتية) و الشللية لنصوص هذا الفن.
و إن هذا اللغط، و هذا التمويه و التبدل في جلد هذا الكائن يدعونا للتساؤل:
١- إلى أي مدى يمتلك الكاتب حرية وسم نصه بوسم القصة القصيرة جدا.
٢- إلى أي مدى يمتلك القارئ الناقد الحرية في رفع أو خفض شأن نص ما.
٣- هل تتعدد مستويات الحكاية في القصة القصيرة جدا؟ و أقصد بذلك هل ينبغي في النهاية وجود حدث واضح جلي..بفعل و ردة فعل..يمثل حكاية مكتملة؟ أم أنه يمكن القبول بجزء فعلي في القصة و جزء آخر خبري تقريري؟ أم أن طابع القصة القصيرة جدا يحتمل أن تكون القصة مُقدَّمة على شكل فكرة فقط؟
أعتقد أنّ حلَّ جُل هذه المعضلات يتمثل في وضع حد للكتابات العشوائية و الفوضوية التي تملأ الساحات و يُحتَفى بها جوائزا و تكريما، و ذلك من خلال التواصل الدائم و النقاش المستمر بين الكاتب و الناقد، و هذا يحتاج فترة طويلة من الزمن، لكنها ستفرز في النهاية رؤى شبه متفق عليها، و أهم نقطة برأيي المتواضع هنا من أجل إرساء قواعد الكتابة لهذا الفن، هو الاقتراب من الكاتب و مناقشته حول الحدث أو الفكرة أو الرسالة التي أراد إيصالها في نصه، خاصة في النصوص الجدلية، لأن التعرف على نية الكاتب (مِن و في) نصه، تساعد الناقد على مناقشة ذلك الكاتب حول الآلية التي اتبعها في كتابة النص و مدى ملاءمتها للفكرة، و مدى صلاح الصياغة السردية المستخدمة من قبل الكاتب لتقديم تلك الفكرة…
فما هو ملاحظ من خلال قراءة نصوص وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام و حتى النصوص المطبوعة ورقيا أو التي يتم نشرها الكترونيا…أنها في غالبيتها تكتب تحت ثلاثة أنماط:
لغز
خاطرة
قصيدة نثر
و مع ذلك هناك الكثير ممن ينتمي إلى طبقة النقاد يصنفها كنصوص قصة قصيرة جدا، مما يسبب الاضطراب و الإربكاك لكتّاب هذا الجنس الأدبي.
لذلك فإن نظرية رولان بارت( موت الكاتب)..هي على ما يبدو نظرية تجعل الكتابة مموهة حد دفاع أي كاتب عن نصه و كأنه النص القدوة، و حد دفاع الناقد أو القارئ عن قراءته و كأنها القراءة التي لا يأتيها الباطل من خلفها و لا من بين يديها، و هذا يجعل من النصوص في كثير من الأحيان مطية لإبراز حمولة الناقد الثقافية و الفكرية و القرائية، بعيدا عن خطى النص و توجهاته. لذلك فإن سؤال الكاتب و مناقشته حول الحكاية التي يريد تقديمها في نصه و طريقة صياغتها، يساهم بشكل كبير في تحسين أداء الكاتب و الناقد على حد سواء.

السابق
يختال ضاحكا
التالي
تغافلٌ

اترك تعليقاً