القصة السلسة

حزام العفة (2)

… لم يكن يشغله في الحياة من أمر سواها .. هي ابنته .. ابنته الوحيدة .. فلقد انتقلت الزوجة إلى جوار ربها عندما كانت الطفلة لا تزال في المهد . آثر على نفسه العزوبية .. ولم يفكر بالزواج .. ولم يعد له من همٍ سوى العناية والرعاية بطفلته المدللة .
كبرت وترعرت وأينعت .. وهو ما زال يتولاها بالرعاية والحب والحنان العظيم ..
كانت شغله الشاغل ليل نهار .. يسهر على راحتها .. ويؤدي لها كل ما يلزمها من أمور ومتطلبات عن طيب خاطر .
الفتاة .. وردة يافعة .. متفتحة .. جميلة .. رائعة الحسن والجمال .. كان يعد عليها سكناتها وحركاتها .. يرافقها حتى باب المدرسة في الذهاب .. وينتظرها على باب المدرسة قبل انتهاء الدوام الرسمي بوقت ليس بالقصير .
اجتازت الفتاة مراحل الدراسة ؛ حتى أنهت المرحلة الثانوية بنجاح كبير . درجاتها المرتفعة كانت تؤهلها لدخول الجامعة ، وفي أرفع الكليات .. تماماً كما هو الحال بالنسبة لجمالها الفتان الطاغي الذي كان يؤهلها لتهافت الشباب والعرسان .. كلٌ يحاول أن يطلب ودها .. وأن يستأثر بها دون سواه .
الأب بدوره .. كان يصد كل من تسول له نفسه مجرد التفكير بطلب يد ابنته .
في قرارة نفسه لم يكن ليتصور أحد .. أي أحد .. كائناً من كان .. لم يكن ليتصور أن يرتكب مثل ذلك الشخص مثل تلك الحماقة .. بالزواج من ابنته !! .
لم يكن ليتصور بأن ينام أيّ رجل إلى جانب ابنته .. يقبلها .. يحادثها .. حتى ولو كان هذا وذاك تحت مسمى الزواج ؟؟!! .
هو لم يكن يطيق بالمطلق تصور حدوث مثل هذا الأمر في يوم من الأيام .
العديد والعديد من الشباب .. من الرجال ؛ تقدموا بطلب يد الفتاة بقصد الزواج على سنة الله ورسوله .. ولكن كل تلك الطلبات كانت مرفوضة .. وبشدة .. من الأب .
الفتاة .. الوردة المتفتحة .. تفتحت ؛ فملأت الأماكن بشذى أريجها الفواح .. الذي ينعش الأفئدة ويحيي القلوب .
كانت كل النفوس تهفو إليها .. وكل العيون ترنو إليها .. تتمناها .. تعشقها .. تلتهمها .. سيان كان الأمر في الشارع .. في الجامعة .. أو في أي مكان آخر .
رقابة الأب الصارمة .. وحراسته المشددة .. كان تحول دون إقدام أي شاب على مغامرة الخوض في معركة سيكون الخاسر فيها .. مع مثل هذا الرجل المتوحش .. مفتول العضلات .. مهيب الجانب .. صاحب الشوارب التي باستطاعة سرب من الصقور أن يحط عليها ؟؟!!
وكم من الإشكاليات .. المشاكل العديدة التي حدثت مع العديد من الشباب ، فكان نصيبهم والجزاء الوفاق لهم ؛ درساً لن ينسوه طيلة حياتهم .. و ” علقة ” سوف تبقى آثارها على أجسامهم ووجوههم طوال العمر .
… الرجل الأب ؛ كان صارماً إلى أقصى حد .. متجهماً إلى أبعد الحدود .. صعب المراس .. مفتول العضلات كأحد مصارعي روما القديمة أو فرسان القرون الوسطي .
.. كان يعتقد وبشكل قاطع ولا يقبل التأويل بأن ما يفعله هو عين الصواب .. تماماً كما كان يعتقد بأن ابنته توافقه الرأي .
بدورها ؛ لم يكن بوسعها سوى السكوت .. والقبول بما يفرضه الأب من قول وفعل .
.. عرّفته عليها .. أخبرته بأنها صديقتها الحميمة .. الحميمة جداً في الجامعة .. تعرف عليها في أول زيارة لابنته .. ارتاح إليها كثيراً . . فتاة ذات جمال رائع .. وطول فارع .. وجاذبية غريبة .. يميزها ذلك الشعر الطويل .. الأشقر الجميل .
ارتاح أكثر للفتاة لأنها لم تكن ثرثارة .. فلقد كانت مقلة في الحديث .. وإن هي تحدثت فهي تتحدث بما يشبه الهمس .. رقيقة .. ناعمة .. خجولة .
كل تلك المزايا رشحتها لرضا الأب أن تكون صديقة .. صديقة أبدية لابنته .
أحس بأنه استراح بعض الشيء من ذلك العبء الثقيل الذي كان ملقىً على كاهله .. ذلك عندما استعدت الفتاة بأن تقوم بالمهمة العويصة بمرافقة ابنته من وإلى الجامعة .. وحتى المنزل .. ولم ينس بالطبع أن يلقِ على مسامعها محاضرة مطولة عن الأدب .. الأخلاق .. الفضيلة .. الشرف .. و ..
الفتاتان كانتا تجلسان في الحجرة الخاصة بابنته للمذاكرة والدرس .. والمراجعة المرهقة للمحاضرات الجامعية ..
في كثير من الأحيان كان يطول بهن السهر .. وقد يتأخر الوقت طويلاً .. فيلح الرجل على الضيفة إلا أن تقضي الليل في منزله .. ويصر إلا أن تنام في حجرة ابنته وعلى سريرها .. بينما هو يقوم بخدمتهما بما يلزم من أكواب الشاي والقهوة .. وتجهيز وجبة العشاء .. وتحضير بعض المكسرات .
بعيد منتصف الليل .. كان يشعر بأن الفتاتين قد أرهقتهما المطالعة والمراجعة .. الدرس والبحث .. وأنهما قد ركنتا إلى النوم .. فيفتح باب الحجرة بهدوء .. ويلقي نظرة خاطفة إلى الفتاتين النائمتين .. ثم يغادر المكان ليذهب للنوم في حجرته الخاصة وقد اطمأن إلى أنهما كانتا تغطان في سبات نوم عميق .

السابق
حزام العفة (1)
التالي
حزام العفة (3)

اترك تعليقاً