القصة السلسة

حكايات الزمن المر (1)

…فزعت من نومها زائغة المقلتين مصفرة الوجنتين على صوت صراخ حاد،قد عاد المحجوب كعادته كل ليلة ثملا، ليملأ بصوته الخشن البيت ضجة و ضوضاء. كان الموقف مألوفا فقد اعتادت شامة على سماع عويله كل ليلة، غير أن الصراخ زاد عن حده هذه المرة و احتد الشجار و تعالت الحناجر، حرقة في قلبها أرغمتها على مغادرة فراشها، وقفت خافقة القلب، مشدوهة النظرة تستند مقبض الباب، و قد خانتهاساقاها من هول الموقف ، كان ينهال بكفيه الغليظتين على صفحتي وجه أمها بصفعات جنونية وقد أحالته شياطينه إلى وحش لا يعرف الرحمة. تراجعت شامة إلى الوراء وقد سيطر الرعب على مجامع قلبها، و غمرت القشعريرة الباردة جسدها النحيل، ترسل من عينيها فيضا ساخنا من الدموع. همست بداخلها:
“ماذا أفعل.. أمام ضعفي و قلة حيلتي..سامحيني يا أمي..”
خرجت من غرفتها بحذر شديد ثم اتجهت صوب أمها التي انزوت في أحد أركان البيت تجهش بالبكاء، اقتربت منها بخطى وئيدة جثت إلى جانبها و ضمتها إلى صدرها و هي تمسح دمعها و تردد:
” لا تبكي يا امي..حسبنا الله..”.
جلست تنظر إلى أمها في شحوب و هي تطبق جفنيها على حقيقة مرة، تأملتها و الحقد ينط من عينيها كالشرر، شاع في قلبها ألم ممض، ذل و انكسار..اختنقت عواطفها و تأجج الغضب بصدرها، صاح صوت بداخلها:
” اللعنة عليك..اللعنة عليك..يوما ما ستدفع ثمن هذا …”
شامة فتاة في الثامنة عشر من عمرها، ذات قامة هيفاء شقراء بعيون عسلية، فاتنة على وجهها شامة تزين خدها الأيمن، جميلة الثنايا، طيبة القلب. توفي والدها غرقا عندما داهمته و رفاقه البحارة عاصفة هوجاء في ليل كحيل مزق بسواده قلب أمها التي فجعت في بعلها الذي اختطفه المنون منها و هو في معية الشباب. حاولت أن تغطي غيابه لكن نقص الحنان الأبوي أثر في نفس شامة كثيرا لكن رغم ذلك عاشتا في أرغد عيش إلى أن طرق بابهما “المحجوب “طالبا يد أمها للزواج، ترددت كثيرا قبل أن تستسلم لإلحاح الرجل ،الذي كانت تأمل أن تكمل معه مشوار الحياة، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن فسرعان ما اكتشفت حقيقته؛ إنسان منحط،عاطل،سكير ،يضيع كل ماله في الكحول و القمار. مرت السنين و هي تأمل أن يتغير يوما لكن لا حياة لمن تنادي! اختار طريق الضياع و جرها معه إلى الهاوية..
كبرت شامة و هي تعايش ألم أمها، كبرت و كبر كرهها للمحجوب خاصة و أنه كان يستدرجها إلى غرفته في غياب أمها ،غير أنها كانت تكتم ذلك في قلبها خوفا من بطشه.
تلألأت الدموع في مقلتيها و هي تستعيد شريط طفولتها المحرومة ،المرتعبة. ما أمر وخز الذكرى،وما أشد وطأة الواقع..! نظرة عابسة ناحية وجه أمها الشاحب أتبعتها زفرة مخنوقة. قامت من سريرها بحذر كي لا توقظها ،وقفت أمام النافذة و قد بدأت ذرات الفجر تختلط بالظلام، وأخذ الصباح الباهت يطل شيئا فشيئا ليطرد وحشة الليل. تأملت بعض الذين يخرجون للعمل مبكرا رجالا و نساء من كل الأعمار. شعرت بأن قلبها تعشعش فيه سحب كثيفة من الركود و اللاجدوى. صوت لئيم بداخلها يصرخ: ” فاشلة. فاشلة…”تهاوت على الأرض مجهشة بالبكاء لتفضح الحزن الكبير الذي تخفيه وراء وجهها الصبوح، بكت كم لم تبك يوما لأن الألم أعياها، وفقدت الأمل في كل شيء. فجأة شعرت بيد تربت على كتفها فانتفضت واقفة شاهقة:
“آه..أمي..”حاولت مسح دموعها و إخفاء حزنها ،راسمة على وجهها بسمة مزيفة لكنها ضعفت أمام هذه المرأة المعذبة و هاتين العينين المغرورقتين بالدموع، فارتمت في حضنها و التقى نحيبهما واختلطت دموعهما…

السابق
قبورٌ حيَّةٌ !!
التالي
الفارس

اترك تعليقاً