القصة السلسة

حكايات الزمن المر (2)

كانت الشمس متربعة في السماء في صباح ذلك اليوم الخريفي الرائق، ترسل أشعتها العذبة الدافئة لتستقبلها الطبيعة بترحاب. استيقظت شامة على صوت زغرودة خرقت صمت غرفتها، غادرت فراشها فألْفت أمها تحضر الفطور، وضعت قبلة على خدها وقالت و هي تلتقط حبة زيتون من صحن على المائدة:
– ما هذه الزغاريد يا أمي؟
– من بيت جارتنا فاطمة
– و لما ؟! هل تزوجت احدى بناتها؟
– لا..
صمتت قليلا و هي تراقب ابنتها تزم شفتيها مستغربة، و قبل أن تبادر بالسؤال قاطعتها قائلة بحماس:
– لقد عاد ابنها البكر محسن من العاصمة..
كفت شامة عن مضغ الطعام و علّقت ناظريها بوجه أمها، وقد اتسعت عيناها، وارتسمت الدهشة على محياها. أطلقت الام ضحكة رنانة واستطردت في كلامها بنفس الحماس:
– لقد عاد بعد أن تخرج من كلية الحقوق و صار يشتغل في مكتب للمحاماة.. لقد أصبح محاميا، هذا ما قالته لي أمه فاطمة حين التقيت بها عند البقال هذا الصباح.
سادت فترة صمت تبادلتا خلاله نظرات غارقة في ماء الجفون، قبل أن تنطلق شامة كالسهم الذي يخرق الهواء.
عند عتبة بابه كان واقفا ببذلته الأنيقة يحيي بعض المارة، على مبعدة يسيرة منه وقفت تلهث من شدة الركض، ترنو اليه بعينين دامعتين، لم تقوَ قدماها على الاقتراب اكثر ،قلبها يدق دقات عنيفة مجنونة، و شعور بالخجل اكتسحها. إنه الرجل الوحيد الذي تربع على عرش قلبها، رفيق الصبا ،و الصديق والحبيب، جمع بينهما الصبا وتقاسما الأحلام و الاماني، ها هو يعود بعد طول انتظار حاملا راية الانتصار؛ أصبح محاميا كما وعدها. عُقد لسانها، و اعتلت وجهها حمرة خجل زادتها حسنا و بهاءً. التفتَ اليها أخيرا، وتعانقت النظرات التواقة لحرارة اللقاء، اقترب منها بخطى وئيدة الى أن صارا وجها لوجه ،أحسا وكأنه الامس ، وكأنها لم تمر خمس سنوات على آخر لقاء بينهما، وكأن الوقت توقف والعالم خلا من سكانه وليس هناك الا هما وقلبان ينبضان كل واحد باسم الآخر!
بنظرات العيون حكيا كل شيء، وعبرا عن كل شيء؛ عن الشوق ،عن الفرحة ، عن العتاب…
تحركت الشفاه أخيرا ناطقة باسمها:
-شامة..شامة كيف حالك يا غالية؟
– بخير.. ردت عليه في تلعثم و استحياء و هي تمد يدها لتصافحه ثم استطردت بعد ان التقطت انفاسها:
– الحمد لله على سلامتك و مبروك قد صرت محاميا.
– شكرا لك هذا من فضل الله و بفضل دعواتك أيضا.. صمت قليلا و عاد يقول بنبرة حنان و هو لا يحول عينيه عن صفحة وجهها:
– لو تعلمين كم اشتقت لك..!
سيطر الخجل على وجه شامة و أحنت رأسها و هي تلعب بضفيرتها التي تلمع فيها خصلاتها الشقراء بين أصابعها في ارتباك فأجابته في تلعثم:
– و ..وأنا..وأنا أيضا..اشتقت لك كثيرا..
أراد أن يقول كلاما كثيرا لكنها قاطعته مستأذنة بلانصراف، و قبل أن تهم بالمغادرة هاربة من نظراتها الحارقة و شوقها الذي يلح عليها أن ترتمي بين أحضانه، أمسكها من ذراعها قائلا في لهفة:
– متى أراك مجددا يا شقرائي؟!
– قبل الغروب في المكان المعتاد ..أ ما زلت تتذكره؟
– كيف لي أن أنسى عش أحلامنا..!!

السابق
الإحساس
التالي
اختــزال

اترك تعليقاً