القصة السلسة

حكايات الزمن المر (3)

…تحت شجرة الصفصاف التي فرشت لهما أوراقها مرحبة بقدومهما؛ جلس الاثنان يتأملان الشمس وهي تجمع أهدابها الأخيرة قبل أن تتوارى وراء التلال. ما أجملها من هنيهة حين تلتقي السماء بالأرض عند حدود الضوء الذي يرسم على وجه الأفق ابتسامة بسحر لا يقاوم !!.هاهي الاشجار تتخلى عن أوراقها ، تودعها على أمل اللقاء بها في مولد جديد مع اطلالة ربيع آخر.
بدا محسن مستمتعا بالمنظر يأخذ أنفاسا طويلة من هواء الطبيعة فتحملها قصباته الى أعماقه نافضة بذلك غبار المدينة، ماسحة دخانها الذي صار كسحب كثيفة لفت قلبه !.شامة كفراشة عثرت على زهرة مثقلة بالرحيق.فتغترف منه و لا تشبع.
– ما أجمل العودة الى الوطن.. قالها وهو يفتح ذراعيه كأنه يريد أن يحتضن الطبيعة، ثم التفت نحوها و استطرد وهو يتأمل وجهها بحب:
– و ما أجمل العودة لمرفأ عينيك عزيزتي..وكأني لم أبتعد عنهما قط ، فهما تسكناني منذ الصغر.. !!
شعرت شامة بخجل يسيطر عليها وبحمرة تعتلي وجهها المليح فتزيده حسنا، راحت تلعب بضفيرتها وتمتم و رأسها يسقط فوق صدرها:
– ليتك لم تذهب..!!
أجابها و هو يتحسس الشجرة كالباحث عن شيءما:
– لكني لم أذهب..قد تركت قلبي في مكان ما هنا..أنظري مازال اسمانا على الشجرة منحوتين و كأن الوقت لم يمر أبدا..!!” هزت رأسها قائلة و الابتسامة لا تفارق ثغرها:
– نعم ..هذه الشجرة هي مؤنستي الوحيدة ، فكلما استبد بي الشوق اليك جئت إلى هنا لأبحث عنك، فأجد ذكراك راقدة على جذع الشجرة كالوشم لا تزول..!!
صمت الاثنان و هما يتبادلان النظرات، قبل أن تهرب من عينيه وتواصل كلامها بعيدا عنهما، قالت برنة حنين :
– أتذكر يوم نحتناهما؟؟
– أكيد، إنها ذكريات عالقة لا يمحوها الزمن، فهي كالجذوة تحت الرماد.
نظر الى الافق و أخرج من جوفه تنهيدة، ثم واصل كلامه:
– لقد كنا طفلين بكل براءة الطفولة نتقاسم نشوة اللعب لا يعرف الهم طريقا الى قلبينا،نعيش اللحظة دون ان نفكر فيما هو قادم، أما الان فقد صرنا مثقلين بهموم الدنيا و لا تمر دقيقة دون أن نفكر في المستقبل..!
– لكنك حققت مبتغاك و صرت محاميا كما أردت.
– آه يا شامة..مازالت الطريق طويلة، أنا لم أتلق قضيتي الاولى بعد.
انتفضت شامة من مكانها وكأن عفريتا ركبها و قالت مازحة:
– سأكون زبونتك الاولى.. أريد أن أرفع دعوى..
رفع حاجبيه في استغراب وقال مبتسما:
– ممم..وما قضيتك؟
– أريد ان أرفع دعوى على رجل احتل قلبي و سرق النوم من عيني،كما عذبني بفراقه.
ضحك ملء فيه، ثم قال وهو يرفع سبابته الى الأعلى:
– اذن سأطالب القاضي بأقصى العقوبات ؛ يتزوجك ويقضي حياته كلها في قفصك سجين عينيك.
عاد الخجل يكتسح تقاسيم وجهها و استدارت مخفية فرحة تقفز من عينيها وتمتمت بكلمات لم يسمعها.شعرت بيده تربت بحنو على كتفيها وبأنفاسه تدنو منها و تهمس في أذنها:
“أحبك”..
دلفت من الباب كعصفورة في موسم التزاوج ترقص و تقفز و تدندن،الفرحة قد ملأت قلبها و فاضت والابتسامة التصقت بوجهها و لم تبرحه.كان المحجوب جالسا بانتظارها مقطب الجبين وقد انكمش وجهه من الغضب حتى صارت تجاعيده كأخاديد خلفتها سيول جارفة. تحاشت النظر اليه و همت بدخول غرفتها و اذا به يصرخ كالأرعن:
– توقفي..أين كنت حتى هذا الوقت؟..
لم تجبه و انصرفت دون أن تنبس ببنت شفة و كأن عودة محسن قد زرعت في قلبها الشجاعة بحيث صارت لها القوة في تحديه.قبل أن تخطو بضع خطوات فوجئت به ينقض عليها،أمسكها من ذراعها ورجها بعنف صارخا في وجهها:
– أين كنت يا عاهرة..؟؟ أعرف أنك كنت مع ذلك المحامي الحقير ..لكن لا تحلمي كثيرا فلن تخرجي من هنا الا على جثتي، أفهمت يا حقيرة”
رفع يده الغليظة ليهوي بها على وجهها بقسوة، فسقطت على الارض تنتحب، سمعت الام صراخها فأسرعت وحالت بينهما، وصارت ترجوه وتتوسله أن يتركها .بعد أن أفرغ قذارة جوفه ؛ غادر متوعدا ومهددا..

السابق
زوجة
التالي
أفاعي

اترك تعليقاً