القصة السلسة

حكايات الزمن المر (6)

عقارب الساعة تعانق بعضها، سكون رهيب يلف الكون ، ليس سوى النجمات تشاكس بعضها والقمر يظهر و يختفي وراء غيمات شديدة السواد،النوم غادر جفونها منذ أيام فاتخذت من القمر نديما تضيع فيه بنظراتها الشاردة من وراء زجاج نافذتها المكسور كقلبها . لا أحد يعرف مقدار النار التي تحرقها ، لا الم يضاهي الذي يعتصر فؤادها، حتى الدموع جفت في المحجرين، والآهات توقفت في الحلق معلنة الحداد. خوف و ترقب و حيرة، الفكرة ذاتها تؤرقها منذ أيام، شعلة الحقد بداخلها تتأجج لم تعد تستطيع الصمود أكثر ، لقد فاضت الكأس و بلغ السيل الزبى، الرجوع مستحيل ، و المضي يحتاج إلى قوة و شجاعة. قرار صعب و شائك ما قبله احتراق و ما بعده دمار. كومضات مصباح يلاعبه الهواء تضعف و تقوى تذهب و تجيئ بين الايجاب والرفض، والرغبة في الانعتاق من الواقع المرير تكبس بكل قوة على أنفاسها. لا حياة في مذلة و الموت رحمة. تخطو خطوة و تتراجع خطوتين كلما تراءى وجه أمها أمام ناظريها فتحس وكأن يدا تقبض قلبها و تعصره عصرا، تصرخ في صمت، تخرج زفرات مخنوقة محترقة صاعدة من عمقها المكلوم، و يمر الليل و يحل الفجر كما الامس و الصراع لم يحسم.
كان صباحا غائما كئيبا لم تستبشر الأم خيرا ،ومنذ استيقظت لصلاة الفجر و قلبها مقبوض وفي كل مرة تستعيذ بالله و تسأل السلامة. أطلت كعادتها على غرفة ابنتها فوجدت سريرها مرتبا، هالها الصمت في الغرفة ،انتفضت تبحث عنها في اركان البيت لم تجدها فتملكها الخوف على ابنتها ” يا ترى هل تركت البيت بعد ان ضاقت ذرعا بحياتها المريرة؟”، بسرعة تناولت جلبابها و قبل ان تخرج سمعت قفل الباب يدور ، كانت شامة تدلف للمنزل ،هرعت اليها و أخذتها بين احضانها متلهفة صارخة من شدة اللهفة:
– ابنتي.. ابنتي.. أين كنت يا روح امك؟ أخفتني
– ذهبت لأشتري بعض الأغراض
– أغراض؟ !لا أرى معك شيئا يا ابنتي
– رفض البقال أن يعطيني سلفا لان زوجك المصون لم يدفع له منذ وقت طويل!
– أخبريني ما تريدين و أوفره لك أنت فقط أطلبي و إن اضطررت أن أشحذ !
– لا عليك يا امي لا اريد شيئا..
للحظات ساورتها شكوك تجاه تصرفات شامة و كأنها كانت تخفي شيئا لكنها سرعان ما استعاذت من وساوس الشيطان و انصرفت الى المطبخ.
ظلت شامة في غرفتها طوال الصبيحة لم تخرج الا بعد آذن الظهر حاملة بيدها رسالة رأتها أمها و هي تهم بالخروج فسألتها مستفسرة:
– الى أين يا ابنتي؟ أجابتها بنبرة فاترة :
– سأبعث رسالة لمحسن.. تهللت أسارير الأم و استبشرت خيرا و قالت والبسمة تنير وجهها الذي تكدر لأيام:
– هل ستطلبين منه أن يأتي لخطبتك؟ اه..يا ابنتي سيكون يوم سعدي!. لم تجبها، أطرقت رأسها و خرجت بسرعة قبل أن تفضح دموعها مضمون الرسالة.
لحظات قليلة و عادت شامة متجهمة الوجه رمت بجلبابها على الباب و انظمت الى أمها في المطبخ، كانت المرأة منهمكة في تحضير الغداء تأملتها شامة و هي تستند مقبض الباب وبصعوبة تحبس دموع عينيها . ناجت نفسها:
“آه..يا أمي يا مهجة القلب و قرة العين ..!كيف لعيني أن تفارق عينك ، كيف لي أن أنسلخ عن حضنك الدافئ، اه يا أمي.. ! كيف حكم عليك بالشقاء فكنت ضحية القدر. قد عشت سنوات عمرك الاليمة من أجلي. و ها أنا سأرحل من أجلك،سأرحل قبل أن تذوقي مرارة الذل و العار بسببي..يا أمي لا تبكني سأكون دائما الحمامة التي ترعاك من فوق..كوني يا أمي بخير من دوني فلطالما كنت ثقلا عليك و بسببي قبلت الذل و صبرت على المهانة.. سامحيني أمي سامحيني…”
بركان قلبها يكاد ينفجر لكنها تخمد ناره فلم يحن وقت الانفجار بعد. اقتربت من أمها المنهمكة في تقطيع الخضر و لفت ذراعيها حول عنقها واضعة قبلة على خدها، ثم همست في أذنها:” أمي الحبيبة ارتاحي قليلا أنا سأجهز الطعام، تمنعت الام لكنها رضخت لإلحاح شامة بعدما أقنعتها أنها اشتهت الزيتون الأخضر.انصرفت الأم لتحضر ما طلبته ابنتها الوحيدة تاركة اياها تلاقي مصيرا مجهولا.
أخرجت من جيب سترتها الاوراق السامة التي أحضرتها من العشابة صباحا ،قامت بدقها حتى صارت مسحوقا وأعدت لنفسها طبقا و أضافته اليه.ثم جلست تتأمله كثيرا، سيطر الخوف على مجامع قلبها. إن الانسان مهما بلغت به درجة اليأس فإن لحظات الموت مخيفة ومرعبة !
لقمتان فقط وستكونين الفاصل بين الحياة و الموت، ستكونين الخلاص من حياة فارغة سوداء عشعش فيها غربان اليأس و الاحباط.هي النهاية لا محال. قبل أن تلتقط اللقمة الاولى، ألح عليها شيء في نفسها أن تصلي ركعتين لله لربما كانتا شافعتين لها لدى ربها، لبت النداء بسرعة صلت و تبتلت و لأول مرة بعد أيام عديدة بكت و بكت بحرقة و هي تسجد لربها و تدعوه ان يصفح عنها و يسامح خطيئتها، شعرت بسلام يسري في جوانحها و بسكينة تشبه سكينة المحارب البطل الذي يموت شهيدا.
تتباطأ الخطوات نحو المطبخ و تتسارع نبضات القلب و كأنها ستعتلي منصة الاعدام، فجأة سمعت صوتا غريبا من داخل المطبخ و كان أحدهم يتوجع بصمت سارعت الخطى، عند الباب تسمرت و علت وجهها صفرة، كان المحجوب يتلوى على أرضية المطبخ و الزبد يخرج من فمه وقد جحظت عيناه و اصفر وجهه و اسودت شفتاه، ينظر اليها متوسلا بعدما خارت قواه، لكنها لم تتحرك من مكانها و استمرت تنظر اليه و هو يلفظ انفاسه الاخيرة و بينها و بين نفسها كانت تقول لها” مت أيها اللعين ..مت و الى الجحيم”
بعد لحظات انتبهت الى أنه لم يعد يتحرك اقتربت منه بخطى وئيدة حتى وقفت على راسه وهزت أطراف قدمه و اذ به جثة هامدة تأملت وجهه ، يا إلهي إنها لا تحس بشيء لا رأفة و لا رحمة و لا حتى فرحة، تأملته و هي تعيد شريط ذلك اليوم اللعين ،هل مات حقا ؟ بعد كل ما خلفه من دمار لم يمت قبل أن يدنس جسدها؟ تمنت لو انها هند و تشرب من دمه كما شرب من دمها و هي حية. انتبهت الى خيال ينبعث من باب المطبخ، كانت الأم و قد احالتها الصدمة الى مسمار لا تبدي حركة، سقط كيس الزيتون، وتناثرت حباتهعلى الأرض . تحركت يديها لتلطما صفحتي وجهها :
– ما الذي فعلته يا ابنتي …ما الذي فعلته؟
– لم أفعل شيئا يا أمي هو القدر من فعل
انهارت الام على الارض تنتحب و تلطم، فجأة سمعتا طرقا عنيفا، وصوت محسن ينادي باسمها، تبادلتا النظرات قبل أن تنطلق شامة لفتح الباب ،ما أن وقعت عيناه عليها حتى أخذها بين أحضانه وهو يردد:” الحمد لله.. الحمد لله اني لحقتك قبل أن تقبلي على الانتحار الحمد لله”
ابتسمت وهي ترنو الى عينيه الحالمتين المتلهفين وقالت:
هل تقبلني كأول قضية !!.

السابق
التابوت
التالي
سي السَّيِّدْ

اترك تعليقاً