القصة السلسة

حكايات الزمن المر(4)

…انتفضت الآمال من مرقدها، و أزهرت الأقاحي في أرض قلبها بعدما عانى من القحط سنين طويلة.كالوردة الذابلة التي بللتها قطرات المطر فأينعت من جديد؛ كانت شامة تقضي يومها نشيطة مبتسمة، تذرع البيت جيئة و ذهابا في خفة، تغني بصوتها الرنان، و قبيل الغروب تتسلل قاصدة شجرة الصفصاف حيث قلبها ينبض. لم تعد تعبأ للمحجوب ولا لتهديداته بل صارت تتحداه بشجاعة وتقف ندا له خاصة حين يسيء معاملة والدتها.
– “أ تعرف أنك سبب قوتي” قالت وهي تسند رأسها على ركبتيه وتتأمل خيوط الشمس الحمراء، وقبل أن يرد واصلت كلامها بصوت حانٍ:
– بفضلك تغلبت على خوفي وضعفي وما عاد المحجوب هاجسا يؤرقني.
تبسم محسن وهو يمرر يده على رأسها و يلاعب ضفيرتها الطويلة بين أصابعه وقال وهو ينظر الى نفس المكان الذي تنظر اليه:
– لقد وحدنا القدر يا عزيزتي فهل يفرقنا البشر؟؟ محسن لشامة و شامة لمحسن من الصغر أ نسيتِ؟
– نعم..ما أجمل الصغر !
– ما أجملك انت ! أسند رأسه على جذع النخلة و كأنه يسترجع ذكريات من قاع ذاكرته، ثم تبسم و أردف قائلا:
– أتذكرين حين أمسكت بنا جدتك في قن الدجاج؟ انفجر الاثنان من الضحك و ردت شامة و هي بالكاد تمسك ضحكتها:
– أ لا أتذكر! ..يومها كاد قلبي أن يتوقف من الخوف..استسلمت لنوبة ضحك طويلة ثم عادت تقول:
– لو أمسكتنا يومها كانت ذبحتنا.. فقسنا البيض قبل أوانه ..اه مسكينة جدتي رحمها الله .
– كانت أول مرة أقبلك فيها..
قالها وهو يمسك وجهها بين كفيه. احمرت وجنتاها و هربت من عينيه و طأطأت رأسها في خجل. في حين واصل كلامه و هو يقترب منها أكثر
– أ لم يحن وقت قبلتي الثانية؟؟..
أدار وجهها نحو وجهه و بدت شفتيها كقطعة كرز حان قطافها. اقترب أكثر و ارتعشت الانفاس وخفق القلب ودق دقات مجنونة ، وقبل أن يقطف من بستانها الزاهي قطعة كرز هربت من بين يديه و تورات وراء الأشجار تاركة صوت ضحكاتها يرن في أذنيه و عطرها يملأ قلبه!
استيقظت شامة حاملة بصدرها قلبا يرفرف فرحا، وبعينيها بريق ساطع زاد وجهها حسنا وجمالا، كانت أمها تستعد للخروج ، جرت نحوها مبتسمة ،انهالت على وجنتيها تغرقها بالقبل وهي تلف يديها حول رقبتها قائلة:
– ما أجملك يا امي… !كم أحبك يا أمي.. !
– ممم.. يا مشاغبتي ما سر هذا النشاط كله؟
– انا سعيدة يا أمي ..سعيدة أشعر وكأني أمتلك العالم كله..
راحت تدور حول نفسها قائلا بسعادة غامرة:
– أشعر أني أطير ..أطير .. أطير كالحمام..!
– جعل الله أيامك كلها سعادة حبيبتي.. قالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع وواصلت كلامها و هي تكفكفها بطرف يدها:
– أخيرا سأراك عروسة..وتتخلصي من عبئي ومن المعاناة التي عشتها بسببي،
وقبل أن تكمل كلامها هرعت اليها شامة وأخذتها في عناق قوي و هي تردد:
– لا تقولي ذلك أنت أمي .. أنت حياتي كلها ولن أرحل من هنا حتى أخلصك من ذلك المعتوه و ستعيشين معي.
– لا يهمني من هذه الحياة الا سعادتك أما انا فلا يهم ،هذا قدري و سأعيشه كما كتبه الله لي يا ابنتي
– هذا القدر سيتغير يا امي أعدك. .خرجت الام و هي تغرق ابنتها بدعوات النجاح والسداد، والسعادة.
انغمست شامة في تنظيف البيت،وفجأة سمعت طرقا عنيفا على الباب، هالها الامر ووقع في قلبها كدر مفاجئ فهرعت لتفتح الباب..

السابق
إبحار
التالي
أدراج الريح

اترك تعليقاً