القصة القصيرة

حكايات المنحوس

(1)
بينما تلقي الطائرات رتلا من الصواريخ والقنابل، والدبابات تقذف بحممها بغذارة، والقوارب تستعد لعبور ما عده البعض محالا، والحناجر تدوي: الله أكبر معلنة مخاض نصر طال انتظاره، والمذياع يعلن بشريات النصر العظيم، كانت مشاعر أبي منقسمة بين فرحته بما يسمع، وبين قلقه على أمي التي كانت تطلق صرخات ولادتها الأولى، والتي بدت من عيون الطبيب وكلماته، أنها ستكون عسيرة.
قال الطبيب لأبي: أنه اذا لم تؤد حقن الطلق لإتمام عملية الولادة خلال ساعة على الأكثر فإنه لا مناص من نقل أمي إلى المستشفى وإجراء عملية قيصرية.
كان أبي يرتعب من كلمة عملية جراحية، تجاربه المريرة السابقة مع كثيرين من أقاربه، تبرر له هذا الهلع، الذي جعله يعتقد أن أي من عائلتنا يجري عملية جراحية، ولو صغيرة فإنه لا بد ميت، هو نفسه ظل يعاني من آلام البواسير أكثر من خمسة وعشرين عاما، ويرفض إجراء عملية تريحه من تلك الآلام، كان يقول لكل من ينصحه بذلك:
— هل تريدني أن أموت مثل حمدان ونعمان وحسانين الذين ماتوا في عيادة الدكتور وصفي الفار جراء نفس العملية التي تريدونني أن أجريها؟
ويا لحظ الدكتور وصفي التعس، فأبي لا ينسى، وما زال يذكر الناس بما حدث في عيادته حتى اضطر الرجل إلى غلقها والهجرة إلى محافظة أخرى، واستبشر أبي كثيرا برحيله، وعدها من مناقبه الشخصية في تطهير البلد من هذا الطبيب الشؤم، نسيت أن أخبركم أن أبي كان يطلق عليه الدكتور عزرائيل، وصار اللقب لصيقا بالرجل، وسمعنا أنه انتقل معه إلى مقره الجديد، نقله واحد من بلدتنا سافر إليه في رحلة تجارة، ورأى لافتة عيادته مواجهة للمقهى الذي كان جالسا عليه، فقال مازحا:
–هو الدكتور عزرائيل نقل هنا؟
وسمعها كل من في المقهى ولم تمض ساعات حتى كانت البلدة كلها تعرف لقب الدكتور وصفي واضطر الرجل للرحيل ثانية، أظنه قضى بقية حياته في حل وترحال بين محافظة وأخرى، وربما يكون قد اعتزل مهنته تماما فقد انقطعت عنا أخباره.
ولم تنقل أمي إلي المستشفى، فقد أدت حقن الطلق مهمتها بنجاح وانطلقت صرخاتي الأولى في هذه الدنيا، واكتملت فرحة أبي، فالعبور كان في ستة أكتوبر ظهرا، ومولدي كان في سبعة أكتوبر فجرا، ولكن مهلا، لا تظنوا أن فرحة أبي قد دامت أو أن استبشاره قد استمر، فكما يحدث في كل الحرب حدث شح في بعض السلع وارتفاع فاحش في الأسعار، وكعادته ربط أبي بين مولدي وبين ذلك، بدأ الرجل يتشاءم من مولدي، لم يشفع لي عنده أنني جئت بالنصر، بل كان يقول لي دائما أنك كما جئت بالنصر فإنك جئت بالغلاء والفقر، كان أبي ممن يتشاءمون ويتفاءلون وإن كان ميله للتشاؤم أكثر، أنا أيضا ورثت منه تلك الصفة، ليس في أيامي الأولى مع الحياة ولكن بعدما ضربتني صدماتها القاسية على أم رأسي.
لم تكن حكاية شح الأقوات وغلاء الأسعار وحدها هي ما جعلت أبي متشائما من مقدمي نصف السعيد بحسب رأيه، بل ما صاحب ذلك من مشكلات بين أمي وسلفتها حكمت زوجة عمي سالم والذي يلي أبي في الترتيب، فأبي كان مثلي الابن البكر لأبيه، كان لحكمت ابن سبق مولدي بستة أشهر وسمته على اسم جدي سعدون تقربا منه وتزلفا إليه، وفرح جدي كثيرا بحفيده الأول وسميه، يقولون أنه أقام الأفراح لمدة أسبوع كامل ونحر من الذبائح ما أطعم البلدة كلها تقريبا، وأعطى حكمت خمسين جنيها نقطة مولودها الأول، وكانت حكمت لئيمة ماكرة، كانت تغيظ أمي ولا تفوت فرصة إلا وتذكرها بفرحة الحاج ونقطة الحاج وحب الحاج لولدها سعدون، تلقي في وجهها كلمات تشير إلى أن الحاج لن يعبر ذلك القابع في أحشائها، حتى لو جاء ولدا، ملمحة ومتمنية أن تأتي أمي بأنثى، رجال بيتنا لا يحبون الإناث ولا يحبون من تأتي لهن بالإناث، كان أعمامي اذا بشر الواحد منهم بأنثى فإنه يحرم شراء اللحم والطبيخ بل والتسوق لمدة شهر وربما أكثر، أعتقد أنه لهذا السبب فإن الله قد عاقبهم إذ جعل جل ذريتهم من الإناث.
المهم أن أمي لم تأت بأنثى وأتت بي، ورغم ذلك فإن كل ما قالته حكمت لتغيظ به أمي قد حدث في الواقع، فلم يحفل جدي بمولدي ولم يعط أمي مثلما أعط أمي بل إنه لم يهتم حتى برؤيتي، هذا ما أخبرتني به أمي وهذا ما سألت عنه أبي، لكنه كان يدافع عن أبيه قائلا :
–كان جدك حزينا لموت جدتك…أمك وحكمت دخلتا البيت من هنا وماتت جدتك من هنا…إنهما امرأتان شؤم وما تخبرك به أمك هو غيرة نساء بينها وبين حكمت..جدك كان يحبك أكثر من سعدون..فأنا ولده الأكبر
لم أكن أدري أيهما أصدق أمي أم أبي؟
كل الذي أعلمه تماما أن جدي كان يصطحب سعدون معه في كل مكان، يردفه خلفه على حمارته الشامخة، والتي لم يسمح لي ولا مرة بامتطائها معه، برر لي أبي أن بسبب خوفه هو علي كان يطلب من جدي أن لا يصحبني، صدقت أبي ولكن لم استطع منع تلك الغصة التي تؤلم حلقي كلما تذكرت ذلك الأمر.

(2)
سمعت أمي أبي وهو يدافع عن جدي، وينفي عنه تفضيله لسعدون علي، كانت أمي قوية الشخصية، شقيقاتي ورثن عنها هذه الصفة، لست استطيع الحكم حتى الآن: هل قوة الشخصية عيب في المرأة أم ميزة؟
ربما كانت ميزة في بعض الأمور وعيب في بعضها الآخر، لكن الرجال بالتأكيد يفضلون المرأة المسكينة الخانعة، أنا أرى وقد أكون مخطئا أن المرأة ضعيفة الشخصية أو حتى التي تتصنع ضعفا في شخصيتها، هي الأقدر على السير بسفينة حياتها الزوجية ومهما كانت الأمواج عاتية ومهما كانت الرياح شديدة، لم تكن أمي من ذلك الصنف الذي أفضله أنا ولذلك لما سمعت أبي يدافع عن أبيه بحجة حزنه على جدتي الراحلة، انبرت له متصدية قائلة:
— وهل كانت أمك حية عندما ولد سعدون؟
لقد ولدت حكمت ولم يمض شهر على موتها رحمها الله كان الحزن حديثا وشديدا..إنك طالما التمست الأعذار لأبيك وللجميع
ونهرها أبي قائلا:
–تبا لعقول النساء ولغيرتهن التي تحيل الحياة جحيما…ماذا يفيدك الحديث في هذا الأمر وقد مضى عليه سنوات؟
وقصرا للشر تنازلت أمي عن قوة شخصيتها في تلك اللحظة والتزمت الصمت.
كانت أمي امرأة متعلمة من أوليات النساء اللاتي حزن أعلى الشهادات الجامعية في بلدنا، حصلت على شهادتها تلك وكما تحكي لنا بصعوبة تشبه المعجزة، فأبوها كان ممن يعارضون تعليم النساء ولا يرى فيه أدنى فائدة طالما أن البنت مآلها لبيتها، جدتي لأمي حازت هي الأخرى نصيبا من التعليم فأبوها كان أفنديا وموظفا حكوميا وكان عكس جدي لأمي يشجع على تعليم النساء، جدتي كانت تحكي لنا أنه كان قد بقي لها سنتان وتحصل على شهادة البكالوريا وتصير معلمة لولا أن جدي قد خطبها لتنجب له ذكرا بعد أن أنجبت له الأولى أربع إناث، تزوج جدي منها في السر فقد كان يخشى زوجته الأولى، ومن عجيب أن زوجتيه الأولى والثانية تحملان نفس الأسم خديجة، عندما وصل خبر زواج جدي لزوجته الأولى وسألته :
— هل تزوجت علي يا حاج درويش؟
فأقسم لها جدي قائلا :
— والله لم اتزوج غير خديجة يا خديجة
وهكذا اطمأنت المرأة أنها الوحيدة على ذمته.
أمي ورثت حب التعليم إذا عن أمها وأصرت أن تصل فيه إلى أعلى ما يمكنها أن تصل، كان حلمها أن تكون طبيبة، في أيام الثانوية العامة أصابها مرض في عينيها أبعد عنها حلمها، لكنه لم يمت، نقلت حلمها إلينا نحن أبناؤها تمنت أن تحققه فينا، لكننا أيضا وأدناه.
كانت أمي تحكي لنا أن حكمت زوجة عمي تغار منها لأنها متعلمة ولأنها ابنة الحاج درويش أكبر مزارعي بلدته وعين أعيانها ومن أكبر وأعرق عائلاتها ولأنها أيضا أجمل منها، تحكي لنا كيف كانت تتندر عليها وأنها تمسك في يدها شنطة (حقيبة) مثل تلك التي تحملها الممثلات في التلفزيون، وحتى ولادتي على يد طبيب وليس على يد تفيدة الداية مثل حكمت وكل نساء العائلة لم تفوتها حكمت كفرصة للتلقيح على أمي وكيف أنها لم تخجل أن يكشف عليها طبيب، بل إنها كانت سببا مباشرا لتوبيخ جدي الشديد لأبي أن سمح بمثل هذا الأمر، تضحك أمي وهي تخبرنا أن الله قد انتصف لها لما تعسرت ولادة حكمت الثالثة وأوشكت أن تهلك لولا أن استدعوا لها مجموعة من الأطباء وليس طبيبا واحدا، لولاهم لكانت من الهالكات بسبب جهل بعض القابلات.
تحكي أمي عن جدتي لأبي، تقول أنها كانت امرأة جميلة جدا بيضاء شقراء زرقاء العينين، ليس في جمالها واحدة لا من بناتها ولا من حفيداتها، أعمامي وعماتي لم يكونوا يسمحوا لأحد منهم ولا منا أن يشبه بها أية واحدة، رفضوا حتى أن تسمى على اسمها واحدة من حفيداتها، كان اسمها مجيدة، لا اعتقد أن واحدة من بنات اليوم تقبل هذا الاسم رغم جماله وفخامة معناه ولكنه التغيير الأحمق آفة عصرنا وكل عصر.
كانت جدتي إضافة إلى جمالها طيبة جدا حد السذاجة، يقولون أن جدي كان يعطيها نقودا تنسى دائما أن تتذكر أين وضعتها، كانت فرصة لبعض أعمامي وهم صغار أن يحصلوا خلسة على تلك الأموال.
حكت لي خالتي أنها كانت تزور أمي كل أسبوع، ومعها ولدها البكر أيمن، أيمن كان يحب جدتي مجيدة، كانت كريمة جدا ترحب به تصر كل مرة أن يتناول معها العشاء تعطيه نصيبا من اللحم وقطعا من الحلوى، بعد أن ماتت جدتي منعت عنه حكمت تلك العادة، فكره ابن خالتي النزول عندها، نسيت أن أخبركم أن حكمت كانت تعيش مع جدتي في الطابق السفلي،بينما نقيم نحن في الطابق العلوي، دخلت أمي بيتنا الكبير مستقلة في معيشتها، بينما عاشت حكمت مع جدي وجدتي و أعمامي وعمتي الصغرى والذين لم يكونوا قد تزوجوا بعد، ربما لهذا السبب أيضا استأثرت حكمت بقلب وعقل جدي دونا عن أمي، أقول ربما.

السابق
كلمات متقاطعة
التالي
إشارة مرور

اترك تعليقاً