القصة السلسة

أبوعلي و سيارته حكايات من الغربة (4)

صديقي أبو علي .. شاب مصرى طموح جدا .. جاء للعمل بالدمام من أجل لقمة العيش .. ترك أهله وناسه وجاء لكي يحسن وضعه .. كان هذا منذ حوالي أربعة عشرعاما تقريبا ..
بعد سنة من العمل الشاق والمعيشة الكادحة .. أصبح لزاما عليه أن يتعلم قيادة السيارات .. لأن السيارة نفسها مهمة جدا .. وأصبحت من ضروريات الحياة .. لا مواصلات داخلية إلا قليل في مدينتنا .. حيث التاكسيات مكلفة جداوالراتب ضعيف.. والمسافات متابعدة بين الخدمات التي نحتاجها..
المهم بدأ في تعلم السواقة بمساعدة أحد الأصدقاء .. وإستخدم سيارته ايضا .. والحقيقة أنها كانت سيارة متهالكة وقديمة جدا.. بل قاربت سن الإحالة للمعاش ..
وحينما آن أوان إحالتها للمعاش .. وهذا من وجهة نظر صاحبها طبعا .. ولإن ربنا فتح عليه وإشترى أخرى أفضل من القديمة .. فكان لابد من بيع القديمة وبأي ثمن ..
ولأن ثمنها سيكون في متناول يده .. أبو علي فكر يشتري السيارة .. لكي يقضي بها كل مشاويره .. والتي زادت بعدما تزوج وأحضر زوجته لتعيش معه ..
المهم أنه إشتراها من صديقنا بألف وخمسمائة ريال .. تسدد علي دفعات شهرية بسيطة .. ولكن إتقاء لمصروفات نقل الملكية ..ظلت السيارة بملكية صاحبها الأول ..
سارت الأيام بأبو علي هو والسيارة سيرا ليس جيدا .. العلاقة بينهما دائما متوترة .. هو يفعل بها الأفاعيل مابين حوادث وإهمال فيها .. وهي ترد له الجميل بكثرة الأعطال والتوقف في وسط الطريق .. بل وتفعلها معه في أي مشوار .. أو في كل مشوار ..
أبو علي رجل مستقيم جدا .. وطيب جدا .. ومؤدب جدا .. حامد ربنا وشاكر أنعمه عليه .. والسيارة أيضا كذلك .. طيعة وبنت ناس ومتقولش لأ .. إلا للشديد القوى ..
حتى كان صباحا مشرقا بشمس صيفية حارقة .. نزل أبو علي كعادته كل صباح .. وإتجه مباشرة لمكان سيارته المعتاد .. ومن عجب لم يجدها .. طال به البحث ولم يجدها .. إختفت تماما .. ليس هناك بد من إبلاغ الشرطة .. ولابد أن يكون البلاغ بإسم مالكها .. وكمان كده علي الصبح .. كان هذا رد صاحبنا مالك السيارة .. حينما أيقظه أبو علي للذهاب معه للإبلاغ عن سرقة السيارة .. بصفته المالك الحقيقي على الورق ..
المهم بعدما أبلغوا عن السرقة هم صاحبنا بتركه لينام …وإضطر ابو علي لإستقلال تاكسي بعدما كان من أصحاب السيارات الخاصة …. يا فرحة ماتمت … قالها في سره متألما ….
حضر متأخرا للعمل وقليلا ما كان يفعل .. وحكى قصة السرقة .. وكانت حفلة جميلة .. ضحكنا فيها حتى دمعت عيوننا .. والأغرب أن أبو علي كان أول من علق علي السرقة ..
وتوالت تعليقاتنا الساخرة علي السيارة …
أكيد هربت ونفدت بجلدها منك يا أبو علي .. أنت كنت بتعذبها وهي عجوز في آخر أيامها .. أعتقها لوجه الله يا أخى .. أقولك متدورش عليها ولو عرفت اللي سرقها إديلوا ألف ريال علشان يخليها عنده .. شكلك مبتحبش اللى سرقها .. عايز تبليه بيها ..
بعد مرور أربع أيام .. إتصلت به الشرطة ليعاين السيارة .. وجدوها علي تلة مرتفعة خارج المدينة .. نعم هى .. هتف ابو علي منفرجة اساريره ..
وجد رفيقة كفاحة في عالم القيادة .. كيف وصلت الى هذا المرتفع .. شكلها غريب جدا وهي علي هذا الوضع .. لاأحد يتخيل وضعها علي هذا النحو ..
وزالت فرحته بسرعة رهيبة .. حينما إقترب من السيارة تماما .. كانت مدمرة تماما ولايمكن قيادتها .. تحتاج بطارية وتانك بنزين وإطارين ومفتاح كونتاك وووووو
بادره الشرطي بسؤال غريب جدا حينما عاين السيارة وما بها من تخريب :
هل أنت مدرس ؟ هذه حركات طلبه حاولواينتقموا منك .. السيارة تقريبا لم تقاوم كل ما وجهوه لها من ضربات ..
رد أبو علي بأسى شديد : انا محاسب ومعنديش مشكله مع اى حد .. وعمرى ما درست أبدا وبعدين أنا في حالي ومعنديش وقت لكل ده ..
شعر صديقي بالإحباط .. أصر رغم إحباطه علي إصلاح السيارة ..
كانت تكلفة الإصلاح أقل بمراحل من شراء سيارة أخرى..
– ربنا يعينك عليها بقى .. كانت هذه الجمله هى خلاصة ما قلناه له..
وبما أنه محتاج للسيارة جدا .. أصلحها وأمره إلى الله .. وسار به الحال كسابق سيره .. مازال كسابق عهده .. هو والسيارة أصحاب ولا يدخل بينهما أحد .. يفعل بها ما يشاء .. وهي ترد له الصاع صاعين..
ومن حسن طالعه تكررت نفس السرقة .. ويمكن من نفس الأشخاص .. وبنفس الطريقة.. وذهب في نفس الخطوات السابقة .. وأصبح خبرة في هذا ..
وأيضا تكرر أن الشرطة وجدوا السيارة مرة ثانية .. ولكن في مكان آخر لايختلف كثيرا عن سابقه .. وإتهم الشرطى أخونا أبو علي أنه يشجع الآخرين علي سرقة سيارته ..
– إزاى أنا بشجعهم .. قالها أبو علي مغيظا مما سمع ..
رد عليه الشرطى مستفيضا وبعصبية مكتومة :
– يا أخي سيارتك ممكن فتحها وقيادتها بمجرد النظر .. أو بعود كبريت .. أنظر إلى قفل أبوابها أو الكونتاك .. علي الأقل ركب لها كالون ومفتاح زى باب الشقة ..
اغتاظ ابو علي مما سمع .. بل وعزم ان يبيعها .. بعد خروجه من قسم الشرطة وإستلام السيارة ..
لم يطل به الوقت حتى باعها خردة .. وكان الثمن .. ثلاثمائة وخمسون ريال ..
أخذ يضحك وهو يدفع أول عشرة ريال من الثلاثمائة وخمسون ريال بعد بيعها مباشرة .. للتاكسى الذى أقله من سوق السيارات إلى منزله ..
المهم شعر أبو علي بأن موبايله أيضا يحتاج لتغيير .. معه الآن ثلاثمائة وأربعون ريال .. إشترى جهاز ظريف بثمانمائة وخمسون ريال ..
فرح بالموبايل فرحة عارمة .. كان كلما إستخدمه لأي سبب يتذكر حبيبته القديمة .. باعها بثمن بخس .. كنا نتندر دائما علي ذلك ..
يوم من الأيام يقف أمام منزله منتظر أولاده لبرهة .. يمر موتوسيكل عليه إثنان من الشباب المتأنقين .. يخطف أحدهم الموبايل والآخر ينطلق بأقصى سرعة ..
حاول أبو علي اللحاق بهم دون جدوى ..
نفس قسم الشرطة ونفس الشرطي ولكن إختلف المسروق ..
لافائدة .. قالها الشرطة بحسم ..
سمعها أبو علي وإنسحب راجعا إلى بيته ..
أحس بالحزن الشديد علي .. السيارة التي فرط فيها ..

السابق
فضاء بلا جوع
التالي
استعداد

اترك تعليقاً