القصة السلسة

اخر كلماته – حكايات من الغربة (6)

كان يوم عيد الاضحى يوما طويلا .. بدأ جميلا والجو لطيف جدا .. وكالعادة تجمعنا لتناول الغداء بمنزل حماى .. وحينما بدأنا حديث السفر لحماى غدا.. بدأت العواصف .. اهتاج الرجل واخذ يردد بصوت متهالك جدا :
– مش عاوز اسافر .. اريد ان اموت وادفن هنا .. كلها ارض الله .. محدش عارف هيموت ويندفن فين ..
طال بنا النقاش طيلة ثلاثة ايام من يوم العيد حتى اليوم .. حتى امس من العشاء وحتى الفجر ..
استيقظت على صوت رنين الهاتف .. قلت لزوجتي وهي تتحدث تليفونيا :
– وبعدين احنا كلنا اعصابنا تعبت .. ليه النقاش مفتوح تاني على الصباح ؟
نحت الهاتف جانبا حتى لايسمعها من على الطرف الثاني :
– طيب قول صباح الخير الاول .. اخلص مع ماما واقولك على كل شئ ..
– صباح الخير ياحبيبتى .. سلمى على ماما كتير .. ولو اننا كنا مع بعض حتى الفجر .
لم تضحك لملاحظتى .. تبدو عليها علامات القلق الدائم .. لكن القلق الان ازداد بعض الشئ ..
اشعرتنى بالسخف الشديد .. تركتها ودخلت الحمام ..
ولاننى اشعر بالقلق الشديد والانزعاج .. اخذت افكارى معى بالحمام .. اصبح هذا الموضوع هو محور حياتنا جميعا سواء في منزلى او منزل حماى .. زوجتي وأولاديلا يستطيعوا اخفاء قلقهم على الرجل .. وقد حاولت مرارا ان ابدو متماسكا واخفي قلقى الا ان قلبى يفضحنى مرات كثيرة .. احب هذا الرجل واخشى نهاية مرضه ..
توقف عقلى عن التفكير تماما . خرجت لاجدها تنتظرنى مرتدية ملابسها والاولاد ايضا متأهبين للخروج ..
وقبل ان اسألها .. وقفت مستعدة للمغادرة .. و قالت :
– رايحين عند بابا حصلنا على هناك .. القتها مسرعة .. اخذت الاولاد .. واغلقت الباب ورائها .
بعد ازدراد بعض اللقيمات وفنجان القهوة المعتاد .. اسرعت بارتداء ملابسى وخرجت .. في الطريق للمنزل والذى لايبعد اكثر من مائتى متر عن منزلى .. هاجمتنى افكارى مرة اخرى .. بدأت اتوقع كيف سيدور الحديث .. وكيفية تداول الامر بيننا جميعا .. كلنا في اتجاه وحماى وحده في اتجاه ..
لكن موقف حماتى كان صعبا جدا .. لاتستطيع ان تنحاز لاى رأى لانها ستواجه ببعض اللوم من الطرفين .
مرت علينا ايام صعبة منذ ان عرفنا هذا الخبر .. نزل علينا كالصاعقة .. اخر شئ ممكن ان نتوقعه ..
استمرالحال هكذا ستة اشهر .. من المعاناة الشديدة للجميع .. تحولت ايامنا الهادئة لانتظار مريب .. خائفين ان يحدث له مكروه .. حالة من الاضطراب والتشتت .. قضينا هذه الفترة ما بين مستشفيات واشعات وعلاجات وخلافه .. اشفقت على الرجل من تحمله لكل ذلك .. وكذلك زوجته وابناءه واحفاده ..
انا ايضا متألم جدا من ذلك .. حتى اطفالى الصغار تأثروا بهذا .. هم متعلقون بجدهم الذى يحبهم جدا .. كأنما يرى العالم فيهم .. ينسى نفسه وهو معهم .. يلعب دور الاب والام معهم حتى ونحن جلوس جميعا ..
متجمعين دائما حوله .. واحد على ركبته والاخر متعلق في رقبته .. فيما تجلس ابنتى الكبرى تستمع باعجاب شديد لحديثه .. وهي غالبا لاتفهم ما يقول ..
أصابنا هاجس وفاة الرجل بدوار .. كانت اكبر الالام التى عانيناها جميعا .. ومنذ فترة طويلة ..
من وفاة ابى لم احس هذا الاحساس على مدار سبعة اعوام ..
القى علينا خبر اصابته المتأخرة بإلتهاب الكبد .. يبكى دون صوت .. ظلت صورته مطبوعة بخيالنا جميعا .. وجهه ممتقع ومنهك جدا .. لاتبدو عليه ملامح للحياة ..
قال باقتضاب شديد :
– عندي فيروس سى متأخر في الكبد .. ثم سكت .. غطى الوجوم وجوهنا جميعا .. صمت مطبق يلف المكان .. نظرات هائمة من هول الصدمة .. خرس مفاجئ اصاب المكان … قطعت زوجتي الصمت بسؤاله :
– حضرتك عرفت منين يا بابا ؟ انت كنت كويس امس .
رد عليها مغالبا دموعه :
– تعبت في الشغل من كام يوم ورحت المستشفي .. نتيجة التحاليل ظهرت اليوم .. العينة ايجابية .. الفيروس سى اللعين .
– وهل التحليل صحيح ؟ مش يمكن فيه خطأ ؟ سألته زوجته بلهفة واستعطاف .
– انت طول عمرك كويس ولم تشتكى من الكبد اطلاقا ؟ عين وصابتنا ؟ حسبى الله ونعم الوكيل …
انسابت الذكريات في رأسى بسرعة وتركيز شديدين .. كأن شريط ذكرياتنا يمر سريعا ليذكرنا بما حدث .. سبحان الله كأنه مكتوب علينا ان نعيش الحزن والهم مرتين .. نعانيه بشدة عند حدوثه .. ومرة اخرى وربما مرات حينما نسترجع مخزون الذاكرة .. وتبقى الذكريات دائماهي الاهم .. وان كان اغلبها مؤلم .. والاكثر ايلاما الا نتذكر .. طافت بذهنى كل هذه الخيالات التى اعادتنى مرة اخرى للتواجد في قلب الحدث حتى وصلت للباب .
طرقت الباب .. فتحت لى ابنتى الكبرى .. قالت بعفوية واسى طفلة تحب جدها ..
– جدو تعبان خالص .. منتظرينك جوه يا بابا .
دخلت بسرعة .. الرجل شبه منهار ويعانى بشدة .. احاول ان اهدئه .. مازال يردد كلماته الخالدة :
– مش عايز اسافر ابدا .. عايز اموت وادفن هنا .. علشان خاطرى يا بنى بلاش .
فرت دمعة من عينى رغما عنى .. لم اتمالك نفسى على الاقل امامه .. الرجل يذكر الموت باستمرار .. مقتنع تماما انه لن يعيش اكثر من ستة اشهر الى سنه .. من اين اتاه هذا الاقتناع ؟ لست ادرى ..
سألته بينى وبينه فأجابنى :
– يا ابنى التجربة خير برهان .. حدثت مع كثيرين من قبل ….. هوفقط يعرفهم .
لم استطع اقناعه بعدم صحة هذه القاعدة .. حاولت بكل وسائل الاقناع الممكنه .. لم انجح ابدا ..
كأنها شجرة وزرعها ورعاها في نفسه .. امتدت جذورها لاعماقه ولا مجال لاقتلاعها.
– ياعمى ان شاء الله تروح مصر وتتعالج وترجع لنا بالف سلامه .. وتكمل شغلك على خير .. خليها على الله
قلت له ذلك ولدى احساس بأنى لا اقول الحقيقة ..
احس بفتور في حماسى لسفره .. كأنى اعلن تراجعى .. نظر لى ولم يرد .
زوجته وابنتاه واحفاده يجلسون بجانبه على السرير .. جميعهم صامتون .. لايدرى اى منهم ما يقول .
نظرنا لبعضنا البعض وصمتنا .. قطع صمتنا جرس تليفون..
– ده محمد اخويا من مصر . ردت زوجتي بسرعة .
– صباح الخير يا دكتور محمد . انت صاحى بدرى كده ليه . الطائره الثانيه ظهرا وتوصل القاهره الرابعة عصرا بتوقيتكم .. نعم بابا هنا اهه .. أهو معاك …. واعطت الهاتف لابيها .
– صباح الخير يامحمد .. مش عايز اسافر يا بنى …… مش لازم خالص ….. ما انا بتعالج هنا برده ….
– انا عايز اموت واندفن هنا …… اللى جاى اقل من اللى راح …. واهو كلها ارض الله يا بنى ……….
اعطانى الهاتف … وسمعت من ابنه بكاء شديد ابكانى انا الاخر ..
– احنا هنروح المطار كمان ساعتين …. ربنا يسهل ….. بينا التليفون …. مع السلامه .
– لسه فيه وقت علشان نوصل للمطار … المسافة حوالى نص ساعه او اكثر .. ممكن ننزل الساعه الحاديه عشره والنصف وسنلحق الطائره ان شاء الله .
قلتها لزوجتي ودخلت لاستريح بعض الوقت .. لم يكن وقت للراحة وانما افكار كثيرة تشغل عقلى ..
– وماذا علينا لو تركناه هنا ولم يسافر .. العلاج هنا كما العلاج في اى مكان اخر والشافي هو الله …
واعود مرة اخرى للتراجع .. ان ابنه طبيب باطنه والبنت طبيبة امتياز والولد الثالث جراح ايضا وهم جميعا سيراعونه وابنته وابنه يعيشان بمفردهما بمنزل القاهرة . واقول في نفسى :
– وهل الطبيب مهما كان بارعا يستطيع منع الموت عن نفسه .. انها ارادة الله ولكل اجل كتاب .
تعب عقلى من التفكير تماما .. والاغرب انها نفس الافكار منذ ستة اشهر .. لاجديد هناك .. غلبنى النوم حتى ايقظتنى زوجتي في الحادية عشرة .
واخذت تقص على ما حدث اثناء نومى .. اصرار والدها على البقاء .. بكائه كطفل صغير ..وتوسلهم اليه ان يكف عن البكاء .. بكائهم جميعا معه .. حتى بات الامر وكأنهم سلموا بالمنية .. ناهيك عن الجو الكئيب الذى يلف المكان .. وكمية القلق التى تنتابها على والدها .. قلت لها اخيرا ومسلما امرى وامرنا جميعا لله ..
– اللى فيه الخير هيعمله ربنا .
بدأنا في الاستعداد للنزول وصاحب ذلك بكاء حماى وبكاء اطفالى الصغار وتعلقهم بجدهم .. ووداعه لهم .. في منظر يعطيك احساس بتواصل الاجيال حتى في البكاء .. وببكائنا جميعا اكتملت اللوحة الحزينة ..
حاولت ان ابدو متماسكا .. وغلبتنى دموعى امامه اكثر من مرة .. نهرت نفسى على هذا .. وحاولت ان الهي نفسى بحمل الحقائب للسيارة .. ساعدتنى اخت زوجتي كأنما كانت تهرب من دموعها ..
نصحتها بالتماسك .. اعطيها الامل بأنه سيعود لنا سليما معافي .. كانت تنظر لى غير مصدقة لما اقول ..
نزل من البيت مستندا الى زوجته وابنته .. احاول ان افسح لهما الطريق .. استغرقوا عشر دقائق لنزول السلم .
اكتمل عددنا بالسيارة .. واغلقت الابواب من الناحيتين .. ينظر للبيت من الخارج كأنما يودعه .. رغم وهنه الشديد لكنه كان يقظا وواعيا لكل ما يدور حوله .. دائما حاضر الذهن كما عهدته .
كنت اقود الرحلة للمطار برباطة جأش حتى انهي المهمة على خير .. بكينا جميعا بحرقة ..
تركنا اخت زوجتي مع بقية أولاديبالمنزل .
طوال الطريق حاولت ان اصبره .. ابحث عن كثير من كلمات المواساة والتطمين .. لم ينبس بحرف واحد .. وانما ترتيل لايات من القران .. ودموع منهمرة .. يدعى الله ان يرحمه من الالم .. انه الالم يهزم الرجال والنساء ايضا .. بدا المرض قوى كمارد لايقوى عليه الا من رحم ربى .. زوجته وابنته تتضرعا لله ليرحمه منه ..
الطريق ممل وكئيب واطول من حقيقته .. رغم سرعتى في القيادة على غير العادة ..
كأنما ابحث عن نهاية للقصة الحزينة التى استغرقتنا ستة أشهر ..
وصلنا المطار ومن حسن الحظ والتوقيت .. لم يكن هناك زحام كثيف كالعادة .. احضرت له كرسيا متحركا واجلسته فيه .. وذهبت انا بالجوازات والتذاكر .. بعد ان انهينا اجراءات الوزن واختيار اماكن الجلوس له ولزوجته .. تبقى لنا اجراءات الجوازات .. المسافة بين (كاونتر الطيران ) ومدخل الجوازات لاتزيد عن خمسين مترا ..
مازال يتمتم بعباراته الرافضة للسفر ..
– خلونى هنا مش عاوز اسافر .
رن هاتفي فجأة .. رددت بسرعة
– نعم يا دكتور محمد .. خلصنا الوزن ورايحين الجوازات .. هادخل معاه جوه لحد الترانزيت .. ان شاء الله هنكلمك اول الطياره ما تطلع .. مع السلامه
سرنا جميعا بجواره وأنا ادفع الكرسى المتحرك ناحية الجوازات .. وكأنما يساق الى نهايته .. لايريد ان يتحرك بكرسيه .. يتشبث بالعودة للمنزل ثانية .. يترس قدماه في الارض بالرغم من حالة الاعياء والتعب التى يعانيهما .. لايريد ان يتحرك خطوة واحدة .. كنت انظر للارض تحت قدميه كأنما كتب عليها بقدميه عبارته الوحيدة ..
– مش عايز اسافر .. سيبونى اموت وادفن هنا .. يردد ترنيمته الحزينه .
ادفع الكرسى المتحرك بصعوبة .. تسير زوجته وابنته وابنتى بجواره يربتون على كتفه .. ودموع تنهمر من اعينهم بلا وعى .. قالوا كل كلام المواساة في العالم .. محلق هو في عالم اخر .. ليس لديه الا جملة واحدة فقط .. اريد ان اموت وادفن هنا .. يقولها بصوت متعب خفيض لا يسمعه الا من بجواره فقط ..
الكرسى المتحرك بدأ يثقل لدرجة كبيرة .. لم اعد قادرا على دفعه .. انظر لقدماه كأنما غرسها في ارض المطار .. اصبحت عائق امام حركة الكرسى .. رأسه تهتز بشدة .. تميل ناحية اليمين ثم لاحراك لها ..
توقف الكرسى عن الحركة فجأة .. توقف هو عن التمتمة وتوقفت حركة اعضاءه .. وقفت انظر اليه ..
عيناه مفتوحتان ولاتريا شيئا .. جسست يده باردة جدا .. تركتها فجأة وانا مذعور ولست ادرى لماذا .. نظرت لزوجتي وحماتى مذهولتان .. كانما اخرستهما الصدمة مما فهماه لبرهة .. سمعت صرختان مدويتان لفتت نظر كل من بالمطار .. انفجرتا في البكاء ومعهما ابنتى الصغيرة .. راحت تقبل قدمى جدها وتبكى .. جلست حماتى وزوجتي بالارض تبكيان وتقبلان يديه التى وقعتا الى جانبيه .
امسكت يديه ووضعتهما بجنبيه بطريقة صحيحة .. اغلقت عيناه ونطقت الشهادتين .. كان على ان اتحدث معهم عن ضرورة التماسك .. المهمة صعبة جدا على .. لابد من احتمال الصدمة .. على ان اقف على قدمى لانهاء الاجراءات .. مصدوم ولم استطع ان انطق حرف واحد .. صحيح انه ليس ابى حقيقة .. حماى ووالدى ايضا .. على مدار عشر سنوات قضيتها معه لم اشعر تجاهه الا بشعور واحد .. انه ابى او اكثر .
ليس هذا هو المهم الان .. فقط المهم هو كيف نتصرف في هذه المصيبة .. الموت فعلا مصيبة .

السابق
رغبة
التالي
رائحة البخور

اترك تعليقاً