القصة السلسة

شتان الفارق – حكايات من الغربة (3)

عبد المجيد وعبد الجبار

رغم أن شركتنا صغيرة .. إلا أنه مر علي خلال عملي كثير من الخلق .. ولذا فحكاياتي عن الغربة إرتبطت بمن علقوا بذاكرتي .. كل حسب موقفي منه و موقفه هو من الحياة والغربة .. سواء موقف إيجابي أو سلبي .. و بالرغم من مرور الكثيرين علينا في طريق حياتنا .. إلا أن مايثبت منهم في عقولنا وقلوبنا ليس كثيرا .. وقدتتعدد الجنسيات والأعراق واللغات وحتى الأديان .. وهي أمور رسخت بذهني و إستفزتني لكتابة هذه الحكاية ..
وردنا شخصان من أماكن مختلفة من الفلبين .. عبد الجبار او عبد الجابر والآخر عبد المجيد أومبات عثمان .. وحكايتهما تبدأ من الفلبين وسوف نقتفي أثرها وصولا لما حدث ..
جاء عبد المجيد أومبات عثمان وهذا إسمه بالكامل من الفلبين في العام 1991 .. وهو مسلم من مندناو .. وهي مقاطعة كانت غالبية سكانها مسلمين إلى أن قام ماركوس بعمليات تطهير عرقي وتهجير للمسلمين فيها إلى مدن متفرقة داخل الفلبين .. وصولا لخفض نسبة المسلمين بالجزيرة إلى الثلث كانت هناك فظائع ترتكب في حقهم .. ولذا قامت حركات مقاومة إسلامية بها .. وهذا هو بيت القصيد من ذكر موطن عبد المجيد أومبات عثمان .
لما جائنا عبد المجيد شاب في الثلاثين من عمره .. أصلع الرأس تماما يبدو أكبر من سنه بكثير .. مؤدب ملتزم جدا .. فلبيني مسلم يتحدث اللغة العربية كما في الكتب القديمة .. كان ذلك باستمرار مثار تندراتنا ولكنه لم يبال .
حضر بتوصية من كفيله السابق .. لم يكن يعمل عملا محددا وتعليمه توقف في منتصف الطريق .. الغريبة أن أوراقه كانت تقول ذلك وهو لايخجل ولم يداريها .. حكاء ممتاز من اليوم الأول عرفت منه قصته وقصة مندناو.
تعاطفت معه جدا رغم أنه لم يلق مثل هذا التعاطف من آخرين .. رغم أنهم غلابة وأصحاب هموم مثله ..
ومن مدينة مانيللا العاصمة جاء عبد الجبار أو عبد الجابر في نفس الفترة تقريبا .. الغريبة أننا لم نعرف الإسم الحقيقي له .. بعض زملاءه الفلبينيين يناديه جبر أو جابر أو جبار .. ديانته في جواز سفره مسلم ولم نلاحظ عليه ما يدل على ذلك .. ملابسه تبدو عادية بالنسبة لكثير منهم .. ولكنها كانت غريبة مقارنة بملابس عبد المجيد ..
مميزات عبد الجبار كثيرة .. تعاملاته مليئة بدلع وطراوة لاتليق برجل .. إنطباع القوة بإسمه لايتطابق ومشيته .. فدائما توحي بأشياء غامضة جدا .. هذا ناهيك عن عدم الصلاة ..
كانت أحد المشاكل التي صاحبت وجود عبد الجابر هو مهنته بالجواز .. مهند س إلكترونيات .. وهي تعني عقلية جيدة تستطيع كسب ثقة الجميع .. وبسرعة شديدة إكتشفت الكذبة الكبرى .. لايزيد عن عامل بسيط لا شهادات حقيقية لديه .. لامواهب و لا ثقافة تنفع في العمل .. الورطة حدثت ولابد من قبولها أو رده للفلبين مرة ثانية .
معظم الآسيويين لاتعرف من أوراقهم من هم بالضبط .. فلا السن ولا الإسم ولا الديانة ولاحتى مكان الميلاد أو الشهادات الدراسية تقول الحقيقة .. يستطيع أي من كان منهم أن يكون كما يريد .
بعض البيانات لاقيمة لها عندهم .. كنوع الديانة أو حتى إسم الأب والأم .. وفي أحايين كثيرة تجد الأسماء بوثيقة الإقامة لامدلول لها .. وأحيانا اخرى خطأ في خانة الديانة .. فتجد مسلما مثبت ديانته كمسيحي والعكس بالعكس .
إستقر الحال بأن بقى عبد الجابر كعامل بالشركة .. وتعهد مديره الفلبينى بأن يطورأدائه ليصبح فني مصاعد .. ولذا كانت له معنا ومع الشركة أحوال ..
سارت الأيام سيرها الطبيعي بالأثنين مدة شهر أو أقل .. حتى بدأت أولى المشاكل التي واجهت عبد المجيد ..
كان مع عبد الجبار عاملان يتعلما التركيبات الفنية للمصاعد .. وضحت منذ البداية ميول مديرهم وحاشيته الفلبينية .. نقلوا خلافاتهم العقائدية والعرقية للعمل .. في كل مرة كان عبد المجيد هو المخطئ .. لم يكن الحق بجانبه يوما ما .. رغم ما بذله من مجهود مضاعف .. كانت نصب عينيه فقط المقارنة مع عبد الجبار ..
الحقيقة أن المقارنة كانت ظالمة لكليهما .. فهما من معدنين مختلفين تماما .. واحد طبعه حامي ولديه ضمير والآخر لديه مواهب أخرى غير العمل .. وكان إنحياز ديفيد رافيللا لبني ملته قاسم مشترك في شكوى عبد المجيد المستمرة منه ومن باقي زملائه .. حتى كانت حادثة أنهت هذا الخلاف مؤقتا ..
دخل عبد المجيد على ديفيد مكتبه بالمستودع .. وكان يستمع للأغاني وعبد الجبار يرقص ويتلوى كأفعى ..
دار حوار ساخن بينهما إنتهى بأن أمسك عبد المجيد بخناق ديفيد .. حاول عبد الجبار إنقاذه فضربه عبد المجيد بمفك فشج رأسه .. وكانت تحقيقات إنتهت بتوسطنا جميعا لدى الكفيل ونقل عبد المجيد لفرع مكة المكرمة .
إنتهت فترة جده لعبد المجيد نهاية معقولة .. نقله إلى مكه أسعده جدا وكان بمثابة مكافأة له .. ظل يومين قبل السفر لمكة يحمد الله كثيرا على نقله .. منى نفسه بالحرم المكي وبالصلاة فيه دوما .. تحس كأن وجهه الأسمر أصبح مضيئا منشرحا متهللا .. بالنهاية بدت السعادة قاسما مشتركا في تفاصيل وجهه .
سارت الأيام بعبد الجبار سيرها الطبيعي .. يمارس حياته كما عاشها لمدة تقارب الثلاثين من عمره للآن ..
عمل ورقص ولعب وتحس أنه أدمن طريقة حياته هكذا .. فضولنا لمعرفة هويته بدأ يخبو تماما .. حتى المقارنة المعقودة دوما خلال الشهور الفائتة أصبحت لا قيمة لها .. كم مهمل لاوجود له أو لا لزوم لمعرفة شئ عنه ..
وبينما سارت أيام عبد المجيد في مكة نحو العمل والصلاة بالحرم .. سارت أيام عبد الجابر في طريقها نحو مزالق لم يستطع الخروج منها .. تطارده دائما همهمات حول علاقاته ببعض زملائه .. وزاد الغمز واللمز عما بينه وبين مديره ديفيد ..ورغم تبني ديفيد لطفل لأنه عقيم .. لاكت الألسن روايات عمن رأى وسمع عنه ما يشين الرجال .. وقد ساعد سلوكه الغريب في نمو هذه الأقاويل .. وأحيانا كان راويها يوصلها لدرجة اليقين .
حتى كان يوم من الأيام إتصل مدير الشرطة بالمنطقة بالكفيل يخبره عن الرواية الحقيقة لعبد الجابر ..
أخبره أن هناك شخص متيم بعبد الجابر .. وينتظره يوميا أمام باب المعرض .. بل يجاهر برغبته في الحرام .. تمت مراقبته والإمساك به قبل ان يفتك بعبد الجابر .. واستشعر الكفيل الحرج جدا .
وجاءت نهاية عبد الجابر بخروج نهائي درءا للمشاكل مع الشرطة .. في الوقت ذاته إعتلت صحة عبد المجيد.. لم ترق له المعيشة والعمل بمكة .. ولذا طلب العودة لجده وعمل معنا بالمكتب كعامل بوفيه .
عادت الإبتسامة لوجه عبد المجيد مرة أخرى .. وكان سعيدا جدا بالعمل معنا بالمكتب بعيدا عن العمل بالمواقع والحر والشمس وتعب العمل اليدوي .. كان يقول دائما أنه أصبح عجوزا ولايتحمل التعب .. وكنت امزح معه وأقول له عجوز في الثلاثين كيف ؟ فيرد ضاحكا أنه لن يبلغ الأربعين وسيموت قبلها بكثير .. وأستغرب جدا لشعوره هذا .
عبد المجيد كمسلم ملتزم جدا كانت تثيره أحيانا بعض تصرفات الكفيل .. وأحيانا يبكي على حال مندناو وأحيانا يأخذه الحنين لبلده وأهله .. ونستغرب حينما يذرف الدمع بعد كل مكالمة لأهله ويردد أنه حان الوقت للعودة .
أسأله أنت لم تكمل العام بعد وتتعجل العودة للفلبين .. يرد ضاحكا إنه في مأمورية ويريد إنهائها بسرعة .. ولم أفهم مما يقول شيئا فأتركه لأفكاره .
شهرين وهو يعيش معنا وكنا سعداء به جدا .. حتى إنه تعلم اللهجة المصرية وأصبح يتذوق النكات المصرية .. رغم إصراره على الحديث باللغة العربية الفصحى مما يزيد إندهاشنا لإصراره هذا.
ولم تكن تصرفات عبد المجيد تروق كثيرا للكفيل .. وتحس أنه تحمله مضغوطا ولست أدري ممن .. وكان دائم التعنيف له على كل صغيرة وكبيرة .. ويقف أمامه عبد المجيد موقف الند مما يزيده حنقا .. حتى إحتدم الخلاف بينهما وإحتد النقاش .. وكانت ردود عبد المجيد ودفاعه عن نفسه وكرامته أقوى من تحمل الكفيل له ..
وكان القرار بإنهاء خدماته وترحيله إلى الفلبين .. الغريب في الأمر أن عبد المجيد كان سعيدا جدا ..
سألته لماذا هو سعيد هكذا ؟ قال أن كفيله أعانه على أن يعود لبلده في الوقت المناسب .. وزاد على ذلك بأن قال لي أنه كان يفكر في طريقة لإنهاء العمل والعودة ..
ولما استغربت ذلك لقصر المدة وضعف العائد .. رد بأنه إدخر ثمن قطعتي سلاح سيشتريهم ويعود لمندناو .. كان هدفه فقط مواصلة الجهاد مع جماعته هناك ..
تمنيت له السلامه وغبطته على فكرته .. أشعرنا بمعنى الرجولة والدفاع عن الوطن والهوية ..

السابق
في يوم حار جدا
التالي
شمسنا مازالت تشرق

اترك تعليقاً