القصة القصيرة جدا

حكاية الابتسامة

صرت تشبه أباك يا رجل ، جملة قالتها لي زوجتي بعد مدة قصيرة من وراثتي لمهمته ، مسؤول سوق الجهامة ، نعم سوق الجهامة ، قلده الحاكم المنصب المهم ، حريص هو على أن يتبادل الناس البؤس والشقاء .
أورثني أبي مهنته وانحناءة ظهره و(خرجه) ، أعاني تحت ثقل ذاك (الخرج) ، أجوب السوق مراقبا لحركة البيع والشراء ، باحثا عما يسقط في الأرض ، غفلة أو زيادة عن الحاجة ، يعييني السؤال عن أصحابها ، تكوم عندي بقايا تملأ مخزنا كبيرا ، أنتظر مجيء أصحابها لاستردادها ، لعلهم يجودون علي ولو بكلمة طيبة.
منهمكا بدأت في جمع اللقطة ، لمحتها وحيدة غريبة ترقد وسط ركام الأحزان ، زغردت بوجهي حينما هممت ألتقطها ، مضطرا بادلتها الابتسام وسألتها لمن أنت ؟ بدت كأن لم تفهم السؤال ، أعدته مرة أخرى ، قالت تائهة عن أهلها وتبحث عنهم ، كان الأمر كله غريبا ، عرضت عليها المساعدة فوافقت ممتنة .
وقفت بمنتصف السوق وناديت ، أيها الناس لدي شيئ مفقود لعله لأحدكم ، أتمنى أن يسترده صاحبه لأن هذا مهم جدا .
التف الناس حولي ، كدت أختنق ، بدأت في عرض المفقودات ، وبدأ كل من فقد شيئا يتعرف عليه ويسترده ، حتى جاء الدورعلى الابتسامة ، وحينها بدأوا بالانصراف ، حاولت استيقافهم ، أعيد عرضها عليهم ، أقربها أكثرمن وجوههم ، كلهم يشيح بوجهه عنها ، وبدأت في سؤالهم مباشرة : أهذه الابتسامة لك يا هذا؟.
فشلت في معرفة صاحبها ، فهذا لم يبتسم منذ عام ، وآخر لا يعرف الابتسامة أساسا ، وكثيرون لم يرون شكل الابتسامة من قبل .
وقفت في نهاية السوق وحيدا وهذه الابتسامة المنبوذة تكاد تختنق في يدي ، حاولت الابقاء عليها أطول وقت ممكن ، وكأنما أحست بدنو أجلها ، قالت لي متوسلة أن أتركها تعيش معي في بيتي حتى تموت ، وجدتها فكرة مجنونة ، كيف آوي هذه الابتسامة في بيتي ، رغم أنني لم أبتسم منذ وطأت قدماى هذه البلدة ، توسلاتها أجبرتني على التعاطف معها ، ضحكت وأخذتها معي للبيت .
جزلا جاءت خطواتي للمنزل متسارعة متزنة ، سعيدا متناسيا الحمل على ظهري ، أنزلت الخرج ووجدت المخزن والخرج خاليين تماما ، كانوا بالانتظار على غير العادة ، فجأة بدوا وكأنما انقسمت على وجوههم هذه الابتسامة .

السابق
ضَهي
التالي
مؤلف