كنت قادرا على رؤية كل شيء، حتى مايجول في الخواطر والرؤوس، وعلى سماع كل شيء،ولو كان كلاما وراء شفاه مزمومة..لكن دون أن أستطيع نطق حرف واحد من كل ماأعرف، إذ كلما هممت بفتح فمي، إلا وطوقتني ضباع، من مختلف الأنواع والأحجام، متوثبة للإنقضاض علي، فأطْبِقه فورا، لتختفي الضباع من حولي كوميض إبتلعه الغسق، وألزَم الصمت، كطوق أخير للنجاة !.
كما كنت قادرا على الذهاب الى أي مكان، دون أن يحس بوجودي أحد، عداها، تلك الساحرة الشمطاء، التي كانت تراني، حتى من وراء جدار، وأراها، عكس الآخرين، على حقيقتها ساحرة وشمطاء. لهذا لم أسع، عبثا، للإختباء منها، ولم تستطع التخلص مني، وعلقنا في بعضنا كعقدة من حبل لاينفك ولايستطيع أحد قطعه !
لم أشعر يوما بالندم على مافعلت، حتى صرت على ذلك الحال. لأن الذي فعلته كان لابد لأي شخص صادق مع نفسه أن يفعله، وأنا كنت هذا الشخص الصادق مع نفسه، وكان ذاك قدري ! لقد كان السؤال محرما علينا، والجميع تبادل الجواب الموضوع قيد التداول: أمنا المختفية ماتت، ولم يحرص أحد على الإستدلال بجثمان وقبر لها ! وقنع الجميع بالنسيان كجواب يطرحه مرور الزمن، أو بالتناسي كصك لغفران شكوك تلك الساحرة الشمطاء ! لكني لم أنس، أو أتناسى، وظل السؤال عالقا في لساني. بل وامتدت عيني الى تلك الغرفة المغلقة، وسط دار مشرعة، حيث لاتستطيع أن تمتد عين الى بابها، بالأحرى يد الى قفلها، عدا
تلك الساحرة الشمطاء ! ولأني كنت زائدا عن الحاجة، لاأحد يسأل عني حتى وإن غبت الى الأبد، إنتهزت الفرصة، وتحولت دودة صغيرة، حيث يستطيع أي أحد أن يتحول الى أي كائن يشاء، شرط أن يتماهى مع مزاج ومصلحة الساحرة. وظللت أتسلق باب الغرفة المحرمة، الى أن بلغت ثقب المفتاح، ونفذت منه الى الداخل، بعد أن حمدت الله الذي حماني من صدفة قاتلة كانت لتنتهي بي في منقار أحدٍ تحول ديكا أو دجاجة !
وهناك كانت الصدمة التي لاتستطيع دودة صغيرة أن تتحمل صعقتها، وكان علي أن أعود سريعا الى شكلي الآدمي، حتى أعانق أمنا، وأبعث فيها الحياة من جديد، وقد صارت تمثالا متجمدا مرت عليه السنين ولم يرمش له جفن ! لكن الغرفة كانت مغلقة، وأمنا ماكانت تستطيع أن تعود، مثلي، دودة، كي ننفذ معا من ثقب المفتاح، ونهرب بعيدا ! لهذا أسلمت نفسي لقدري، ولحضنها، وعدت صغيرا، وأنا أسمع حكايتها، وحكايتنا، كما لم ترو من قبل، ونمت.. بانتظار أن تفتح الساحرة الباب، وتتلبس السماء
بسحنة شمطاء ! وها أنا..لم أستيقظ بعد، إذ لاأستطيع أن أفتح فمي، وأنطق الحرف الأول من حكايتها، وحكايتنا، خشية أن تنقض علي الضباع، وتمزق أوصال الحكاية في أوصالي.. كما لاأستطيع أن أعود دودة من جديد !.