القصة القصيرة

حلم و تراتـيل

ـ ق… م… ح… قمح
البارحة حلمتُ حلما جميلا… حلمتُ أني الأميرة… أبي رجل شرير… لابد أن يكون ملكا! باب القصر كبير جدا… خدم أبي كثيرون جدا… وأنا كنت الأميرة بفستاني الأبيض المزيّن بأشرطة ناصعة من (الدونتال).
ـ ق… م… ح… قمح
تراتيل هذه المدينة… قال الوزير : إن المدينة تلتهم في اليوم مليون قصيدة… وتجوع في الثانية مرتين…
ـ ق… م… ح… قمح
تراتيل حزينة… في مدينة أجمل ما فيها سماؤها وأجمل ما فيها أرضها وأجمل ما فيها عطرها المعبّق وصلوات الأهالي.
ـ يا ربّ… نريد حبّة قمح ليكتب شاعرنا قصيدة.


في الحلم بقيت الأميرة… وككل الحكايات القديمة كان لا بد أن تكون لي وصيفة… تأتيني بأخبار ما بعد باب القصر…
قالت : مدينتك أميرتي… مدينة حزينة خالية من الألوان.
قالت : مدينتك أميرتي… لا تعرف سماؤها قوس قزح ، لا تعرف أرضها زهور الفلّ والياسمين.
قالت : مدينتك أميرتي… شبابيك مفتوحة للسماء… تدعو… تتوسّل… تركع وتسجد… تبكي طويلا وتبحث عن حبّة القمح…
أبي يكره الوصيفة… علمتني الصلاة ، وعلّمتني الشعر ، وعلّمتني تراتيل المدينة الحزينة.
ـ ق… م… ح… قمح
وزير أبي ما زال ينقل الأخبار العتيقة: منذ ملايين السنين وأهل المدينة جياع ، فأين الجديد !؟
قال أبي: لا تخيفني القاف منفردة!… لا تخيفني الميم منفردة!… لا تخيفني الحاء منفردة… ولكن حبّة القمح تخيفني.
وصيفتي شرحت تخوفات أبي بالتدقيق، أخبرتني أنه يخشى صوت الشاعر.
… أبي يكره الوصيفة تنبهني وتشرح لي الكثير… أبي يكرهها حفظتني التراتيل.
ـ ق… م… ح… قمح
في الحلم… مازلتُ الأميرة… وفي الحلم وإن كان بالأسود والأبيض، فلا بد أن يتسلل الحب بألوان زاهية… والحب في الحلم يقع دون مقدمات… دون استطلاعات، واكتشافات، والتماسات، وخطط ومراوغات… يقع دون أسئلة. ..من!؟…متى!؟.وكيف! ؟
الحب في الحلم أجمل ما فيه أنه يقع مرة واحدة وعلى أشياء عديدة… وأنا في الحلم أحببت الشاعر ومجدته… وأحببت القضية وآمنت بها… وأحببت التراتيل ورددتها.
ـ ق… م… ح… قمح
في الحلم… مازال الوزير ينقل الأخبار… ومازال أبي يكره كل شيء حوله حتى الشمس، أبي يكره الوصيفة… تحدثني عن الفكر والعلوم… تحدثني عن السياسة والفنون… تحدثني عن الاستثمار، عن البورصة، عن الاقتصاد… واليوم حدثتني عن شيء يكاد يشبه الفيزياء… قالت :
ـ للشمس سبعة أطياف لونية… الأخضر يتوسط الألوان بخجل متناهٍ، وحده من تعكسه هذه الأرض بارتياح تام… فقط هي مدينتك أميرتي من لا تعرف الشمس… ولا تعرف الاخضرار… رغم أنها مدينة مطر.
أبي يكره الوصيفة… يراها تحشر أنفها في الأشياء كلها… حتى المطر.
قالت : مدينتك أميرتي… مدينة مطر، لا تؤمن بالجوع إلا عندما تكف السماء عن العطاء.
أبي يكره الوصيفة… تريني حقائق كنت أجهلها… تضعني أمام تساؤلات لا مُبرّر ولا أجوبة لها.
أبي يكره الوصيفة… تصيغ الأشياء أمامي بالطول بالعرض ـ غير مهم ـ مادمتُ سأستنتج في النهاية أن أبي سبب خراب هذه المدينة.
أبي يكره الوصيفة يكرهها… لأني أومن بكلامها… فالمدينة مدينة مطر، لا يحق لها أن تجوع ما دامت السماء سخية معنا، وإلى الآن مازالت تستجيب… لكن أبي الجائر يرى للأرض مليون وظيفة غير وظيفة الإنجاب… حبة القمح يخافها أبي… كل ما هو أخضر وعال يخافه أبي خاصة تراتيل المدينة
ـ ق… م… ح… قمح


في القصص القديمة… يحدث دائما أن تلتقي الأميرة بالشاعر، يتحابان ويتحدان!… وبحدث بالمقابل أن تتسلل للحظات عابرة مسحة اليأس والاستسلام إلى نفسيهما لتعكر للحظة عنفوان الصمود والإقدام… وفي الحلم قال لي الشاعر بشيء من العزم ومسحة إحباط:
“نصيبي من الشمس أشربه
ولو بعد حين
حديثك ما كان أصعبه
وما كان أصعب ما تفهمين
رأيت النوافذ تعبر نهرا
وسبعين شهرا رأيت
وزهرا … أرى سمّه بين كاف ونون
لأخجل أن أكتب اليوم شعرا
فإني إن قلت ـ يا شيء ـ رحماك كن
لا يكون !؟”*
من يعرف الحلم يعرف أنه لا مكان فيه للتراجع… ويعرف أن الثورة دائما تحدث في النهاية، ليسقط الملك الجائر مرتين… تحسرا وانكسارا
وأنا والشاعر اتفقنا تحت أنقاض المدينة… ألا يستمر الخوف فينا… كانت ليلة العرس حين اتفقنا أن نحرك دواليب السفينة… أن تكبر الثورة فينا… أن تخضر أراضينا… أن تسمو حبة القمح بينا… فأين المستحيل!؟
أميرة أنا كنت في الحلم… أعطيك يدي ضد أبي… ليسقط !؟ …
ما معنى أن يكون أبي مالكا عندما تكون أنت شاعر القمح وشاعر الشمس وشاعر المطر… ما أروع أن تكون شاعر الوطن! … ما أروع أن تُسقط كلماتك أبي!…
ليرتفع صوت الأهالي في السماء.
ـ ق.. م.. ح… الآن سيكتب شاعرنا مليون قصيدة…
وقبل أن يدوي صوت الشاعر… صحوت.
كانت مدينتي سداسية الوجوه… أربعة وجوه محيطة… ووجه الأرض ووجه السماء.
كان فستاني كملايين الفساتين المعروضة على أرصفة الطرقات…
كان أبي رجلا طيبا… طيبا جدا…
ولكن السيئ أني ما كنت الأميرة وما كان في المدينة شاعر أبدا.

السابق
كتاب النور
التالي
الأشقر

اترك تعليقاً