القصة القصيرة

حنين

تعوّدت أن ألج المدينة العتيقة، من إحدى أشهر بواباتها (باب الفتوح)، أقضي حاجتي بالجوار وأقفل عائدا كمن يهرب من نفسه، أو كمن تلفظه المدينة جسما غريبا دخيلا منبوذا غير مرغوب فيه..
اليوم غير ..
لم تلفظني ولم أهرب، بل تماديت فيها، واغترفت من بعض عدوتها (الأندلس)، في طريقي لأداء واجب عزاء.
من عقبة (القايد الخمار) انحدارا، ابتدأت المصافحة، تحاصرني روائح البهارات، إلى أن تطأ قدميّ (باب السويقة) حيث الحد بين النظام والفوضى، وكم أدهشني أن ألفيَهم هنالك، أولئك الباعة، محتفظين بمواقعهم ونوعية تجارتهم رغم مرور عقد ونيف، يفترشون البركة ويلتحفون القناعة، ولا يطففون المكيال .. أحدهم، ذات طفولة، كان “با بشير”، وكانت أمي توصيني به خيرا، فأقصد دكانه لا ألوي على شيء، أفكر فقط في الجحيم الذي ينتظرني عند الحاجز الخشبي.
هناك أصارعها غضة مكتنزة، من أجل تموقع جيد .. أدفع هته بكلتا يديَّ، وتزيحني الأخرى بسهولة بخصرها، وتطأني الثالثة بكعب حذائها، فأصرخ من شدة الألم، وتذهب صرخاتي وشقيقاتها توسلاتي ونداءاتي على الرجل أدراج الرياح، فأتراجع غضبان أسفا إلى الخلف، تتطاير شرور الدنيا من مقلتيّ، ثم أستعيد هدوئي، وأطرق برأسي أفكر كمخطّط استراتيجي، أو كعالم رياضيات أو مهندس بارع، في إحداثيات الزمكان، ويستغرقني التفكير إلى أن تلوح أمامي فجوة فجائية، فأنقضّ وأعضّ عليها بالنواجذ، وأتطاول وأكرر التطاول إلى أن يلوحَ بعض مني إلى (با بشير) فيهبَّ كعادته إلى نجدتي من كيدهن وجبروتهن، وابتسامة على شفتيه نحثث نحتا منذ الأزل وبمدة صلاحية لا تنته ولا تتأثر بتقلبات الحياة.
يكيل لي (با بشير) ويوفي الكيل.. بازلاء، فول أو فاصوليا وحفنتين من راحتيه زيادة :
– “هاك آلزعر” .
فين المعرّي.. فين أفلاطون.. فين هيراقلس.. فين ابن خلدون.. فين با بشير.. فين با ادريس.. فين فين فين.
أنشد مع الدكالي احتفاء بهؤلاء العظماء.
أبرح خيالي عند مدرسة (ابن كيران) الابتدائية، من هنا مرّ أخي الأوسط المهاجر، والأديبة المغربية “خناثة بنونة” وأعلام آخرون.. يقابلها شامخا يتحدّى الزمن، صنو “القرويين”، “الأندلس” ، ما عاد بالإمكان اختصار المسافة عبر بوابتيه المتقابلتين مثلما كنا نفعل ونحن صغارا، بل سألف لأصل إلى هناك.
أتقدّم خطوات وقبل أن الانعطاف يسارا، يسبقني البصر والأخيلة يقودهما الحنين إلى أفق المنحدر هناك حيث تقبع في حيّ (الصفّاح) غير بعيد مدرستي الابتدائية “ابن رشد” ..
تعود بي الذاكرة إلى أيام خلت، فتقف عاجزة من أين تبدأ ؟ والقلم حائرا، أيشرح معلَمًا أم جزءً من وجداني؟.
كانت سوقا لبيع الحبوب ومشتقاته (رحبة الزرع)، يحدثنا الأقدمون.. تنأى بنفسها عن ضجيج الحي، تعزلها عنه ساحة كبرى كانت قاعة انتظارنا ومرتعنا قبل أن يرن الجرس المميز الذي يصمّ الآذان ويبلغ مداه سطح منزلي البعيد نسبيا.. وكنا نصطف في تقليد لم يصمد طويلا أو ندخل فرادى، وعند الخروج نستبق الباب فيقدّ الحارس “مولاي علي” أقمصتنا من دبر، أويصرخ في شماتة تليق بمقامه حينما تزل قدم أحدنا ويسقط أرضا :
– ” أحّاحْ فيك، باش ماتعاودش تسبك مرة اخرى، يا الله نوض الله يعطيك ما تاكل وما تشرب”.
فين مولاي علي، فين با بشير، فين أفلاطون فين بادريس؛ كلشي راح مع الزمان كلشي صار فخبر كان..
السّاد (النطق الدارج لكلمة أستاذ) وهبي، فعلها ونحن لازلنا هنالك لم نبرح بعد “ابن رشد”، كان عجوزا أنيقا متأنقا، يكسو الشيب رأسه، وتشعّ عيناه ببريق ذا مغزى، وحينما كانت تأزف ساعة الرحيل، وعلى ضوء مصباح أصفر ينفث بنشوة وشراهة دخان سيجارته مستغرقا في تأملات أكبر من فاعل مرفوع، ومفعول به منصوب، تأملات أكبر من أن تستوعبها آنذاك عقولنا الصغيرة.. لم تنته طيلة عام بأكمله، ربما لأن طبشورا أو السبورةَ أو هما معا لم يسقطا على رأسه، وإلا لكان قد صاح حينها “أوريكا” وجدتها، ولخرجت من “ابن رشد” النظرية الوهبية، على غرار (نسبية إنشتاين) و(جاذبية نيوتن).
الأستاذة خلدون، بإشارات من أناملها والشفتين، تحثني على التظاهر بالنفخ على الناي، أحاول أن أقنعها أنه لا يصدر صوتا، فتكاد تنفجر ضحكا ومن يجاورها من مدعوي حفلة عيد العرش (3 مارس).
الأستاذة الحر، معتدة بنفسها : ” لن تصادفوا شرحا مستفيضا كهذا ولو جبتم مدارس فاس بأسرها”.
الأستاذ دليل مدرّس كفؤ، مدخن شره، وناصح أمين.
الأستاذ الكاتب، أوحت لبراءتي بطنه المنتفخة، أن الرجال أيضا يحملون وينجبون.. ضحكت والدتي وأنا أخبرها عن سبب عودتي مبكرا على غير العادة.
كان تأخر الأستاذة الشغال في حدّ ذاته حدثا عظيما، وكنا نترقب الخبر السار خاشعة أبصارنا، نتصبب عرقا كالمار على الصراط، وهكذا وبإشارة من المدير كنا نتنفس الصعداء، أو ينسكب طست ماء بارد فوق رؤوسنا بطلعتها.
كنت أكرهها، وذلك الطبشور بين أناملها يرسم خطا عموديا طويلا يلامسه من الأعلى أفقيا و دون أن يخترقه، خط أقصر منه، ثم تضع أرقاما في الضفتين.. كنت أخشاهما؛ القسمة وسبابة (الشغّال) لذلك كنت أحاول الاختباء وراء ظهر زميلتي.. لكنها كانت بارعة في انتقاء ضحاياها.
على الإسفلت نجلس نحن جماعة العاجزين أمام القسمة وجدول الضرب، نستجدي الجلاد(ة) عبثا، كمعتقلين داخل قبو مخابرات دولة عدوة..
نستلقي على ظهورنا، ونمدد رجلينا لتخترق ذلك الفراغ نصف الدائري بين قطعة حبل مثبتة على حافتي عصا غليظة، تمسكها دائما، قاهرة القسمة، المجدة المجتهدة “فائزة” بمعيّة أخرى فيخالجني نحوها شعور مازوشي والعصا أو السوط ينهال ضربا على قدمي الصغيرة.
كنت أمقت الأرقام، وأهوى الحروف.. أتقزم في حضرة الرياضيات، وأستأسد في فصل اللغة العربية.. عشقتها، ربما لأنني أدمنت “ماجد” و “بساط الريح” و سلسلة المكتبة الصغيرة “الأميرة سنوهويت” وغيرها من إصدارات جميلة ازدانت بها طفولتي.. استهوتني، ومخزون لغة يسعفني، لعبة الأصبع ، مرفوعا في وجه معلمتي، حينما يعجز أقراني ويعم الصمت المطبق، أو حينما أكتشف ما بالسبورة من أخطاء.. كنت أشعر بفخر وتفوق، وغرور لازمني سنينا لاحقة من مراحل دراستي.
ولأنني كنت نجما فوق العادة، حظيت بثقة أستاذاتي، حين كنّ يغبن عن الفصل في مشاوير طويلة إلى جهة غير معلومة، فمارست سلطة الطبشور والسبورة صغيرا في مجتمع الفصل رغما عن جماعة الأشرار وتهديداتهم، غير أني تحلّيت ببراغماتية مبكرة كانت تنمحي معها، وفي لمح بصر، كل أسماء المشاغبين على وقع أقدام الأستاذة في الرواق.
“ارحموا عزيز قوم ذل”.. أسرّ بالعبارة كلما مررت بمحاذاة سابلة “الياسمينة”؛ ظلّت ولعقود طويلة ملاذ العطشى، القادمين من هوامش المدينة على دوابهم، وساكنة الأحياء المجاورة والبعيدة على حدّ سواء، وعابري السبيل، قبل أن تنضب رحمها، ويحوّل ماؤها العذب الزلال، المعتدل شتاء والبارد صيفا نحو وجهة مجهولة.
أنا الآن في الحيّ الذي شهد ولادتي.. هنا خضنا معارك شرف، وحرب عصابات من أجل البقاء، فانتصرنا وانهزمنا.. هنا أدمنّا المستديرة وكنا كلما تطاولنا وضاق الزقاق علينا، حملناها إلى فضاءات أبعد وأكثر رحابة.. لن أسترسل .. فهنا فيض حنين ومشاعر وحكايات تجهز على محبرة قلمي وتستنفذها دون أن تنتهي…
أطرق برأسي وأجتاز (الصابة) هكذا نسميها، جزء مسقّف من الزقاق..وعلى يميني حومة “الكزيرة” المفضية انحدارا إلى صخب المدينة، وددت لو غصت قليلا وارتقيت عبر النخالين وراس الشراطين والعطارين والطالعة الكبيرة إلى باب بوجلود، غير أن إكراهات منعتني، فآثرت العودة “صعودا من مصمودة.. قبلها تلوح من سطحها الصغير، تلك العانس تنشر تفاصيل جسدها على حبل عتيق، وهي تتصنّع صمودا.. في قاع الدرب عاهرة، تتحدى عقدنا والأقاويل بشموخ، كنت أطأطأ أمام ثقتها رأسي صاغرا.. وفي الطابق العلوي كانت قريبتنا، وكنت إليها مرسولا وسخريا، يهاب الأدراج المظلمة والعمودية كحائط عند الانكشاف، كانت تحتضنني غير مصدقة أنني بلغت سدرة المنتهى بسلام، وعند النزول تؤازرني في حماس حتى أرسو دون خسائر.
سيدي بنّور.. راس لقليعة.. عقبة السحايمية.. ارتقاء نحو باب الفتوح مرة أخرى ..
من عل أشرف عليها؛ يفرد لها زلاغ جناحيه حارسا أمينا..
حسناء، ترفل في تناقضاتها المدهشة ..
مقدس ومدنس..
هنالك انتهى ملعبي.

السابق
غرق
التالي
تماهٍ

اترك تعليقاً