القصة القصيرة

حين تموت الفضيلة

حين تأملت عينيها فى زمن سابق..كانتا تشعان حزنا دفينا لا يراه غير محترف لتفسير قسمات العيون ! قبل أن يكتمل المشهد بانتكاسة على محياها الجميل لاحقا ..تراكمت عبر سنوات القهر والحرمان التي تتجرعه بشكل يومي حتى افقدها معنى الأنوثة.. فنسيت بأنها امرأة جميلة مشتهاة من كل رجل ينظر إليها..وبأنها أم تريد الفرح وترك ابتسامة على وجه طفلتها فى مناسبات خصصت لفرح الأطفال في أيام العيد ..تتجرع مأساتها بصمت طوال فترة حياتها معه…إلا أنها بدأت مؤخرا بفضفضة لقلبها .. فهي تحاول جاهدة أن تتجنب انفجار داخلي قد يطيح بكل أمل متبق لتغيير واقعها المؤلم ..حتى يبعث الله فرجا من عنده قد يضع الطرف الآخر على سكته الصحيحة ومساره السليم…لكن الأقدار تأبى أن تتركها في بصيص أملها القابع فى صمتها الحزين..فنزلت عليها كصاعقة حارقة أصابت قلبها وفلذة كبدها بمرض لتضيف إلى حياتها انكسارات أخرى و لتختفي ابتسامتها الساحرة ..بغمازات وجنتيها المتفتحتين على شفاه كانت تقطر شهدا وجمرا من رغبة أنثوية ذات يوم !!
ارتجفت أناملها القابضة على ورقة التحليل الطبي ..ترافق مع صوت هامس يأتيها من خلف الشباك الزجاجي.. ان ابنتها قد وقعت فريسة فيروس خطير ..تراجعت خطواتها للخلف تكاد تسقط من طولها مغشيا عليها..تتماسك بصعوبة ..أحست بان الأرض تميد من تحتها.. تغرق في حزنها مضطربة الخطى .. زائغة البصر.. كمن يبحث عن قشة يتشبث بها طلبا للنجاة.. وإذ بيد أمها التي لحقت بها بعد سماعها للخبر.. تربت على كتفها ..تحتضنها وتضمها بحنان ..اصطحبتها عائدة إلى منزلها في انتظار ظهور زوجها المغيب عن الأسرة بفكره المشوش.. وهواجسه المرضية التي تفتك ببواقي عقله ..تنهش جهازه العصبي بقوة.. فتفاقم عصبيته بلا مبررات منطقية أو محقة .. فهو منذ زمن يعيش كآبة مطبقة عليه ..تزيد من عزلته عن محيطه وتفاقم حالته النفسية سوءا..وقد تبدل به الحال إلى عدوانية تجاه أفراد أسرته بشكل يتكرر في كل يوم ..حتى أصبحت حياتها معه أشبه بالمستحيل .. غير أن قوة خفية تجعلها تتشبث بالبقاء والصمود.. وسط هذه البيئة التي تبتعد عن الحياة الأسرية بأقل مقوماتها البشرية والإنسانية بين الأزواج …
لم تكن عبير سوى فتاة عادية في مجتمعات محافظة.. نشأت وترعرعت بأحلام تراود أي فتاة تشق أنوثتها سريعا.. لتصطدم بواقع يفرض عليها الزواج مبكرا قبل أن تكمل حلمها بمواصلة تعليمها الجامعي.. فانهارت أحلامها فى ذاك المساء.. حين قبل والدها بأول عريس يتقدم لطلب يدها وجده مناسبا.. كانت تمر بمخيلتها كشريط من الذكريات يقلب سريعا ويقفز عن كثير من محطات لا تريد التوقف عندها طويلا ؟ فحياتها ارتبطت بزوجها وهى ما تزال صبية يانعة في مقتبل العمر.. وها هي الآن امرأة ناضجة في منتصف عقدها الثالث.. تحافظ على مفاتن جسدها ..ورشاقتها ..وسحر وجهها بجمال عينيها العسليتين ..لم تغيرهما نبرة الحزن فى صوتها ..ولا نظرات الحزن في عينيها.. بل أضفت عليها نوعا من غموض .. زادها سحر وجمال …

هكذا مضت أيامها زاحفة بطيئة، مثقلة بهمومها وخيباتها المتوالية عليها.. من أقدار لاشك تخبئ لها مفاجئات قادمة ستغير مجرى حياتها ..لكنه الأمل بغد أفضل سر صمودها وهذه القوة في بقائها متماسكة حتى الآن …
يعود زوجها ذاك المساء المختلف ! يبدأ في ممارسة ساديته القبيحة..لم تمهله الوقت كي يخرج بذاءات لسانه السليط.. وسخافات أقواله المستندة إلى عقله المثخن بالأوهام والأمراض النفسية .. تقدمت نحوه يعتصرها غضب وتحدى غريبين ..تمسك بيد ابنتها بفيض من حنان.. وباليد الأخرى كانت تمسد على خدها الناعم .. عندما أصبحا فى مقابله عينيه المستغربتين المستهجنتين.. وبدت قسماته تتغير ازرقاقا وتلونا .. تساءل متلعثما باستفسارات سريعة متلاحقة غير مترابطة .. قطعت حديثه الغير متناسب أمام فداحة المصيبة القائمة ..فهي مسئولية لن تتحملها وحدها.. إنها تقع على كاهل الجميع فى كيفية مواجهتها.. فلن تقتصر عليها وحدها بينما هو كالعادة يسبح فى ملكوت سماواته.. يتنصل من مسئولياته الأسرية.. مفوضا ايها كل صغيرة وكبيرة دون أن يعطيها حقها من التقدير والاحترام.. أو يتكفل بمصاريف الحياة اليومية كما يجب.. وإنما بخل وتقنين وحرمان .. فبدل أن تتلقى منه شكورا.. تتعرض لسيلان جارف من إهانات مشيطنة لا تهمد !!
– مصيبة وقد حلت بابنتك ؟
– أى مصيبة أكثر منك أنت.. يضحك مقهقها..
– لن ادعك خارج دائرة المسئولية هذه المرة أيها الأخرق الأحمق السفيه !!!
يبلع لسانه وتجحظ عيناه ..يفرك أذنيه.. يلتفت يمينا وشمالا عله يجد مصدر الصوت هناك..وليس منبعثا من أمامه.. يتبعثر أمامها فى مشهد لم يتكرر من قبل..يحاول التركيز في حديثه ليستوعب حقيقة الأمر وهو صارم شفتيه.. عابس الوجه…
– ماذا جرى يا امرأة لأسمع منك كلاما غريبا جديدا؟ وكأن لسانك قد نطق بعد خرس فابنتي ها هي واقفة جانبك مثل القردة.. يقهقه ثانية …
– ابنتي مصابة بفيروس قاتل خطير ..لا علاج له على حد علمي ؟..إنها ستموت قريبا بلا شك وأنت رجل غير مبالي ، لا تحس معنى الأبوة.. بلا ضمير وبلا عقل ..تكيل لنا القبح بلسانك يوميا.. ونصبر عليك ..تمارس فجورك وساديتك علينا ونحتسب لله على أمل …
– أفصحى أكثر ..عن أى فيروس تتحدثين ؟ فانا مرهق لا احتمل وقوفي على قدمي ..
– ابنتنا مصابة بفيروس نقص المناعة !!
يبتلع لسانه .. يلقى بجسده على اقرب كنبة.. دوار يلتهمه، يغيب عن الوعي … فمن خلف الفيروس القاتل حكاية ! ولكن أى حكاية ستكشفها أقدار ما تزال تعصف بعبير؟ لتهز كيانها من الأعماق !

عندما أسرت له عبير بحقيقة مرض طفلتها..وعن إصابتها بأخطر أنواع الفيروسات فى وقتنا الحالي.. وهى ما تزال ابنة الثامنة ربيعا ! حيث ما تزال البشرية تتلمس طريقها لاكتشاف المصل الرادع له دون فائدة ..كان الزوج قد ألقى بجسده المثقل على اقرب كنبة عند سماعه للنبأ الفاجعة ..لم يكن أبدا ناجم عن هول المصاب بقدر ما كان الخوف يلتهمه من اكتشاف حقيقة ممارساته غير الشرعية! حيث يتخذ من عصبيته وجنونه ستارا وقناعا لسلوكياته..رعب اجتاح كيانه من خوف شل حركته.. وعقد لسانه لدقائق حتى مرت كأنها ساعات على زوجته التي فغر فاها.. وبدا عليها الارتباك من مشهد تحول زوجها غير المبالي إلى آخر مختلف تماما.. وكيف أصبح بثوان معدودة يرتعد خوفا على ما أصاب طفلته.. هكذا خيل إليها من مشهد لم يكتمل بعد ؟…
في المستشفى كانا يرافقان طفلتهما منذ الصباح الباكر..حسب الأوامر الصارمة فى مثل هذه الحالات..حيث لابد من تسليمها لوحدة العلاج التخصصي القابع فى ركن منعزل من المستشفى المركزي للمدينة…استقبلهم طبيب متخصص لتسلم الحالة وقد بدا في حالة استنفار قصوى .. كانت إجراءات لم يعتادوها من قبل ..بينما هي تغرق في وجوم وتساؤلات لم تجد لها إجابات فى عقلها.. حتى بادرهم الطبيب المختص بالتوجه سريعا لإجراء فحوصات مخبريه دقيقة لهما للأهمية القصوى !! توجها على الفور للمكان المعين ..وفى الممر الطويل كانت خطواتها حثيثة واثقة من نفسها ..بينما هو بدا عليه الإرباك والقلق الشديدين… غادرا المختبر فى انتظار النتيجة غدا على أحر من الجمر…
عاد هو إلى البيت صامتا لا ينبس بكلمة .. بينما هي لم يسمح لها بمرافقة ابنتها فعادت معه والحزن يقطر من عينيها.. والصمت يلفها بردائه من شدة الهواجس التي تنتابها خوفا على ابنتها ونفسها وكم تمنت فى هذه اللحظات لو أن الأرض تنشق وتبتلعها لتريحها من الآتي.. ومفاجئات الأقدار القادمة تباعا …
عندما أشرقت شمس نهار آخر، مثقل بالهموم والأحزان، يتشح منزل تلك الأسرة التي لم تستيقظ بعد.. هناك في الجانب الآخر.. كانت تتفاعل قضية الطفلة المصابة بنقص المناعة بشدة فى أروقة الطب الوقائي التابع لقسم الأمراض الخطيرة والمعدية منذ ساعات الصباح.. لاسيما بعد خروج نتيجة الفحص لأبويها ؟ مما فتح باب التكهنات الجنائية المتعمدة ..فقرر الطبيب المباشر تحويل الطفلة إلى فحص عذرية عاجل…
يرن هاتف المنزل ..يزداد رنينا متتاليا ..تهب عبير من نومها مثقلة الرأس وقد انتفخت وجنتيها..تلتقط السماعة ..تنصت ..تستمع ..تهز برأسها ..تقفل الخط ..تتجه مسرعة صوب زوجها الذي ما يزال غارقا فى نومه.. يحاول شد غطاء السرير على رأسه رافضا النهوض.. لكنه استذكر الأمر.. فهب من فراشه كمن مسه الجن …
يصلا المستشفى ..يهرولا للقسم ..تبحث عبير بعينيها على رقم 88 كما اخبروها بالتليفون..يدخلا الباب.. وإذ ببهو فسيح مكيف .. فرش بكنب مكسو بجلد اسود.. تتوسطه طاولة عليها كثير من مجلات وجرائد ..وفى نهايته، جلست سكرتارية المسئول..كانت تبتسم كعادتها..رحبت بهم ..دخلت لغرفة المدير على يمينها …ثواني مرت حتى خرجت تشير بدخولهما مرحبة .. وما تزال مبتسمه…
– أهلا وسهلا بكما..تفضلا بالجلوس..ارجوا تقدير الموقف جيدا فملف الطفلة هنا أمامي شبه مكتمل بدلائله وثبوتياته ..لكن بقيت حلقة مفقودة ما تزال ؟.. كانت كلمات المسئول الأمني للطب الوقائي فى وزارة الصحة شخصيا …
– ما الأمر ؟ ماذا حدث ؟ ماذا بشأن طفلتنا ؟ وما هي نتائج فحصنا بالأمس ؟ ارجوا أن توضح لنا أكثر.. فنحن في وضع قد تداخلت كل الخطوط على بعضها.. حتى تخثرت عقولنا.. لا نطلب ولا نسأل غير رحمة الله بنا .. نحن أسرة فقيرة نعانى الكثير فى مجتمع لا يرحم الضعيف والفقير …
– اطمئنوا جميعكما..ومبروك نتيجة الفحوص ..ها هي أمامي سلبية لكما الاثنان.. لكن….
– لكن ماذا دكتور …تتلعثم ..تفيض عيناها بدموع جارية غزيرة ..تنوح بصوت تحاول كتمانه.. – يتحدث زوجها مبادرا لأول مرة ..محاولا فهم الأمور ..تفضل دكتور نحن نسمعك جيدا.. نريد الحقيقة مهما كانت قاسية أو مؤلمة فنحن الآن أكثر وثوقا بأن في الأمر شيء خطير .. وأن شيئا ما قد حدث لابنتنا ؟ تسبب لها بمصيبتها القاتلة..وبفاجعة سترخى بظلالها علينا طوال حياتنا.. نريد سماعك حتى النهاية.. ونرجو ألا تحجب عنا الحقيقة مهما كانت !!….
استقام المسئول من جلسته خلف مكتبه ..تقدم إلى جوارهما وجلس ..أشعل سيجارته..يحدق بالأم تارة ..و بالأب تارة أخرى …كمن يستحضر كلماته قبل أن ينطق بها…
– سأدخل فى الموضوع مباشرة وبلا مقدمات.. راجيا منكما الهدوء والتعقل والتركيز كانت أولى كلماته وما نطق ..
– تفضل خرجت منهما الاثنان فى وقت واحد بصوت خافت مترقب وحذر ..
– التقرير الطبي الذي أمامي يشير إلى أن الطفلة فاقدة لعذريتها تماما ومن هنا جاءت إصابتها بالفيروس ..بعد اتصال جنسي كامل قبل عدة شهور…
صرخت عبير وانتفضت واقفة..كذلك الأب فعل مذعورا يطبق كفا على كف..بينما الأم بعفوية وفداحة المصيبة لطمت على خدها ..أخذت تشير إلى زوجها قائلة: هذه مصيبتان ..هذه جريمة ..ابنتنا تم اغتصابها دون أن نعلم ! كيف هذا ؟؟ نحن لم نغادر أبدا البيت منذ شهور مضت …يتدخل المسئول :هذه مسئوليتكم الآن ..تركيز الذاكرة وجرد لتحركاتكما فى الأشهر الأخيرة وخاصة لمن يتردد على بيتكم من الأقارب خاصة .. حتى نصل إلى خيط للجاني.. فهو قد ارتكب جرمين معا ..لابد وان ينال قصاصه العادل…
– اسمع أيها السيد: إخوة زوجي يقيمون فى الغربة وهناك واحد مريض من عدة شهور.. وأصبح هزيلا يقال بان السكري والضغط قد أنهكاه.. فاختفى عن الأنظار.. وان أهل بيته يتكتمون عليه.. ولم نعد نسأل.. فزوجي مزاجه مضطرب على الدوام ..لا يجامل أحدا ..ونحن أسرة فقيرة نطلب الستر من رب العباد..
– ينتصب الزوج مدافعا عن أخيه: ماذا تعني يا امرأة ؟ انه صاحب أوجاع وأمراض منذ عامين وهو يعانى تدهورا فى صحته خاصة في السنة الأخيرة فلا يعقل أن ….وهل يجوب فى فكرك شيء من هذا القبيل؟…لا يعقل هذا أبدا ..مستحيل لابد وان نركز على خارج المنزل.. فنحن فى حارة شعبية.. وأولاد الحرام كثير ….
– لا.. ابنتي لا تلعب أبدا خارج المنزل..ولم تأت يوما من مدرستها تشكو اى شيء ولم تتأخر يوما …
يستمع المسئول لحديثهما ..يسجل بعض ملاحظاته ..يحاول أن يستجلى أكثر بعض الأمور المتناثرة ..فقد أيقن بان الخيط يكمن فى من يتردد على البيت وهنا تساءل: هل حدث عندكم مناسبة معينة خرجتم تاركين الطفلة وحدها ؟… ساد صمت وبدأت العيون تسترق النظرات فيما بينهما..وفجأة صرخت عبير: نعم تذكرت الآن ..كانت عندنا مناسبة عزاء فى العائلة وانشغلنا لثلاثة أيام تاركين طفلتنا وحدها في البيت لساعات طويلة على مدار ثلاثة أيام …
– يهز المسئول برأسه .. تدخل سكرتيرته ومعها تقريرا مغلقا..يقرأه فى الحال ..كان من شرطة المستشفى حيث نسق معها المسئول للتحقيق مع الطفلة.. والتي أقرت بسذاجة وطفولية على ما وقع لها قبل شهور فى منزلهما ؟ وبعفوية ابنة الثمانية أعوام تحدثت بكل شيء وتم إثباته في التقرير…
تدخل السكرتارية مرة أخرى ..كانت فى عجلة من أمرها.. تهمس في أذنه: توفيت الحالة في الغرفة 80 والمعزولة تماما عن كل الزيارات .. يلقى بالتقرير جانبا على الكنبة ويشعل سيجارة أخرى بصمت ونظر ثابت.. تلتقطه عبير لتقرأ اسم المريض المتوفى: فلان الفلان حيث عانى من نقص شديد فى جهاز المناعة ..فمات بعد صراع مرير مع مرض الايدز..كان الأخ الأوسط لزوجها والذي أكدت عليه الطفلة في تقرير الشرطة هذا الصباح…

السابق
هلوسات …
التالي
أرملة الحي

اترك تعليقاً