القصة القصيرة

حَـجَـرٌ .. أحـَـدْب

كانت مفلوجة الأسنان .. وملبّدة الشعر كأيامها .. تجرى طيلة ساعات اليوم فى كل اتجاه .. من ميدان لآخر بالقرب من إشارات المرور إن وجدت .
عند دخول الليل تنزوى إلى ركن مخنوق فى زقاق منسى ، على هامش خريطة الوطن ..
تبحث بين طيات ملابسها الرثة عن كسرة خبز تقيم أودها ، حتى صباح اليوم التالى فلا تجد أحياناً كثيرة .
مع بزوغ قرص الشمس خلف المبانى العالية والمنخفضة ، ترسم ضحكة هشة على مبسمها العبوس ، ثم توقظ ما بداخلها من خير بشق الأنفس ، وتتخلص من الكوابيس الكامنة حول الغد المأفون بعيون كلها رؤوس البُخت ، رغم إيمانها الراسخ الذى لا يتململ بأن الرزق فى طى الغيب وما عليها غير السعى ، ثم السعى مع كل طلعة شمس حتى المغيب ، والأخذ بالأسباب مهما حاق بها من أهوال ومصاعب .
تسبقها إليه خطوات ساقيها العجولتين ، ناحية قمم نواصى الشوارع والميادين المكتظة بشتى أنواع المتناقضات ، والسيارات المارقة على اختلاف أنواعها وأحجامها ، وما تحمله من بشر ودواب على حد سواء .. غير باحثة عن إنسانيتها المهدرة بين كل هذه الجموع ، وسرعان ما تفرد عودها الملتوى لتكتمل الصورة كاملة بما فيها من سادة وعبيد ، وأغنياء وفقراء .
يقذفها إلى أرض الواقع ويجذبها إليه بشدة أنين وتأوهات أولاد الشوارع أمثالها ، المهدرة إنسانيتهم وحياؤهم على أسفلت تلك الشوارع والميادين ، المنتشرة باتساع الوطن إلا القليل مما لا تعلمه .
ــ تحاول لملمة ما تبعثر من بقايا نوبات الكرى المسلوب من عيونها الجامدة والمجهدة لأيام وليال طويلة فى أحلامها النزقة لسنوات متتابعة .
يتأرجح نظرها الزائغ وراء نوافذ وأبواب السيارات المارقة حولها ، على اختلاف ماركاتها فى كل اتجاه ، ويتوقف بصرها {المُشَوَّشُ} على وشوش الجالسين خلف عجلات القيادة .. من أصحاب الياقات (المنَشِية) وأربطة العنق الشيك ومن بجوارهم ، والذين يملكون المحافظ المنتفخة بشتى العملات المحلية والأجنبية .
ــ ترميهم بشعاع الاستعطاف النافذ إلى شغاف القلوب الرحيمة ، وتبتلع كل نظرات الحقد والغل الكامنة بسراديب نفوس المرضى منهم لآخر قطرة تجرى فى عروقهم ، ومن ثَم تتضح الصورة كما هى ، وتتوارى الصورة الراسخة بعقلها الكبير بالرغم من حداثة سنها .. تلك التى كانت سارية بالمجتمع الشرقى إلى وقت قريب ، والتى كانت تحفظ وتقى كرامة إنسانية الإنسان ، وتكفل اليتيم وتحض على مساعدة ابن السبيل ، وتقيهما شر اللفلفة فى الشوارع والمدن المكتظة بكثير من الناس المجهولين لبعضهم البعض ، وكذا التقاليع المستوردة
والمختلطة بأصحاب الرايات الحمر ، وأصحاب القلانس المزركشة بشتى الألوان الفاقعة والضبابية فى آن واحد .
ــ إنها العادة .. التى درجت عليها من يوم هروب (أمها) مع رجل فظ ، كان يشاغلها قبل مقتل (أبيها) بزمن ليس بالقليل ، ولا تدرى لأى بقعة من الأرض كان هروبها حتى الساعة .
ــ كانت لم تزل تتعلم أولى خطوات المسير ، وعلى الأصح كانت تحبو ما بين حِجْر جدتها العجوز (لأمها) وأحضان زوج خالتها – التى لم ترها البتة – لوفاتها قبل مولدها ، والذى كان يدور معظم الوقت بصندوق ورنيش بميدان (باب الحديد) سابقاً ، والمنطقة المجاورة له لكسب لقمة عيشه لمسح الأحذية .
فجأة..
بلا مقدمات يخترق قوامها الضامر هالة من بقعة ضوء شاحبة عند سماعها لفرملة سيارة ” زرقاء ” كانت تمر بالقرب من فم الحارة القابعة فيها منذ فترة ليست بالقصيرة ، وقضت عليها لحظة التأمل التى كانت تسعد بها ، قبل أن تتأهب للدوران اليومى والحتمى المكتوب على قورتها العريضة .
اللحظة التى قلما تمر بها .. وهى تتسلل نحو الفضاء المحمل بالغمام ، المملوء بكثير من نفحات الخير على غير العادة ، لتعانق صفحات حلمها الدائم الذى يتيح لها الخروج إلى نقطة الخلاص فى يقظتها ومنامها على حد سواء .
ــ صوت الضجيج المنبعث عن فرملة السيارة ، تعود بها إلى نقطة البدء للدوران المحتوم .
ــ ها هى الآن .. تثبت عيونها الجامدة المجهدة ، على زجاج الباب الأمامى الأيسر للسيارة صاحبة الفرملة المزعجة .
بعدما توقفت عند مدخل (البنزينة) القريبة من الشارع الرئيسى ، القريب من الحارة التى كانت تأويها .
ــ دون إرادة منها تجد نفسها تسرع الخطى ناحية السيارة ، وتمد يدها اليمنى بحركة غير إرادية فى اتجاه نافذة الباب الأيسر الأمامى للسيارة ، المفتوح زجاجه (نصف فتحة) مستجدية الجالس على عجلة القيادة فى شرائه علبة (مناديل ورقية) نظير قروش زهيدة ..
ــ ترمقها السيدة (الشيك) الجالسة بجواره بنظرة سادية ، بعدما أطالت النظرة إليها أكثر من اللازم .
ما أن وصلتها تلك النظرة .. كبلتها فى مكانها .. بسرعة البرق قرأت مفرداتها ، واستشفت أن تلك (السيدة) تريد أن تلقى بها على طول ذراعيها خارج المنطقة بأكملها .
غير أنها لم تستطع أن تتزحزح عن مكانها الموقوفة فيه سنتمتراً واحداً ، أو(تلم) يدها الممدودة بمستوى زجاج باب السيارة الأمامى الأيسر المفتوح نصفه .
ــ على الفور ابتلعت النظرة الحارقة التى أطلقتها (السيدة) بكل عنفوان ، دون أن تكمل دورة نظرها المدقق على الخد الأيسر على وجه (السيدة) ككل النظرات التى جرت العادة أن تطلقها على خدود النساء اللائى تلقاهن أينما سارت.
ــ بسرعة ــ
تفيق من (الكابوس) المتكرر الذى يهاجمها رغماُ عنها منذ الطفولة الأولى .. لتجد نفسها بمرقدها المنفرد ، والذى يتغير كلما تغير (المعلم أوالمعلمة) ” متكورة ” الذراعين والساقين عن آخرهما .
ــ قبل أن (تجمع) شتات نفسها ” المنفرطة ” فى رقدتها تحت (حنية) بير السلم .. نازعتها القوى الضاغطة على الحبل السُرى منذ يوم هروب (أمها) قبل أن تتمكن من تحديد ملامحها بالضبط ، وتطبعها داخل ذاتها ، لتلازمها فى غدوها ورواحها ، وحين هجوعها وعند أحلامها العصية .
ــ إنها تحتفظ فقط بالجرح الغائر الذى كان بخدها الأيسر ، وبالتحديد فوق (الغمازة) التى كانت تتميز بها .. تاركاً أثراً بـ (صدغها) الأبيض الناعم علامة على شكل (هلال) مقلوب ، يماثل هلال ليلة الرابع أوالخامس من الشهر العربى .
ــ هذا الجُرح كانت تشتهر به بين كل نساء المنطقة المنحصرة بين سينما (على بابا) وجامع ” السلطان الحسين بن على ” والمشهور بمسجد ” أبو العلا ” الذى لم يكن سلطاناً ولا ملكاً ولا أميراً فى يوم من الأيام ، بل كان سلطاناً للمتصوفة والزهاد فى مصر المحروسة فى القرن الثامن الهجرى ، وله أتباع ومريدين كثر .
من قبل هروب (أمها) مع الرجل الفظ إياه ، وإلى يوم لا تعلم ميعاده ، ولهذا ظلت حتى اليوم تذكره .
ــ تطلق تنهيدة طويلة فى الخلاء البراح من حولها ، متناسية كل ما كانت تتناقله الألسن من النسوة والصبايا ، والرجال لشهور وأيام طويلة حول التحريات التى أجراها رئيس مباحث قسم ” بولاق أبو العلا ” مع أهل الحارة والعطفات المجاورة ، حول كيفية وقوع ” رزق عمارة ” (أبيها) من فوق (سقالة) المبنى الذى كان تحت (التشطيب) والقريب من كورنيش النيل بنفس شارع 26يوليو ، والذى ساعده على الالتحاق للعمل فيه ذات الرجل الفظ الذى كان يشاغل (أمها) من بعد وفاة خالتها الكبرى .
قيل أن قدميه زلت من فوق المحفة (السقالة) من الدور الثالث ، وهو يحمل فوق كتفه (قصعة) المونة…
ــ تقول التحريات :
كيف؟ وهو المتمرس فى (كار) المعمار أباً عن جد؟!
ــ والسؤال المطروح .. ولم يجد له إجابة حتى الساعة .. لابد أن أحد الشغيلة دفعه من فوق (السقالة) بالخطأ أو بإيعاز من شخص آخر!!!
ــ وكيف لقى حتفه فور سقوطه مباشرة فى عز الظهر؟
مع أنه بدأ عمله بصفة شبه مؤقتة بـ (تقشير) أعواد قصب السكر عند بعض أصحاب محلات (العصير) بالمنطقة المحيطة بمحل إقامته ، حرصاً منه ليكون على مسافة قريبة من أهل بلاده البعيدة ، الذين نزحوا منها بأقاصى الصعيد الجوانى .
ــ تعيدها الذكرى لنفس النقطة التى تصحو عليها منذ هذا التاريخ .. وحتى الساعة ، أوعلى الاقل مع يوم حضورها لهذا المكان بهذه المنطقة ، لتكون تحت إمرة المعلمة (رتيبة) لتجد الدموع تتصبب أنهاراً من عيونها الجامدة الضيقة ، لاعنة الدنيا وما فيها ..
ــ ترفع بيدها اليسرى المبتور من سبابتها (عقلتين) ” رصّة ” علب المناديل الورقية من تحت (حنية) بير السلم ، مرقدها بالحارة المرصوف أرضيتها ببلاط أسمنتى غليظ السمك ، سداسى الشكل حديث الإنتاج بمنطقة ” السبتية ” وكذا (الجراب) القماش التى تربطه حول وسطها تحت طيات ملابسها الخارجية ، لتضع فيه متحصلات اليوم من نقدية .
مع أنها لا تتذكر من الذى بتر لها (العقلتين) من سبابتها اليسرى ، والسبب التى اقترفته حتى تستحق هذا البتر .
ــ أم كانت تلك حيلة ومؤهل أقدم عليه (المعلم أو المعلمة) الأوائل ، فى زمن تجهله كى تدر عليهم عطف بعض الزبائن وهى لا تدرى .
ــ أم كان بترهما نتيجة لحادث لا تتذكر حدوثه .
ــ أم هى خلقة ربنا .
كما أنها لا تتذكر من أتى بها إلى هذا المكان على وجه التحديد .
لكنها تتذكر جيداً يوم وفاة جدتها العجوز (لأمها) .
فقد كانت حينها تسطيع أن تذهب من حِجْر (جدتها) بالعطفة البعيدة عن الشارع العمومى بمفردها إلى صاحب محل (البقالة) الذى كان باب (دكانه) يفتح على شارع 26 يوليو ، وفم الحارة الطويلة التى تتفرع منها العطفة ، وتبتاع منه (نبوت الغفير ، والعسلية ، والطوفى) وتعود إلى حِجر (ستها) دون أن تضل الطريق أو تتوه .
وكيف انطلقت خلف المشهد الجنائزى لدفن (جدتها) بمفردها أيضاً ، بعيداً عن نساء الحارة والمنطقة بأكملها .
وكيف وقفت عند عتبة مسجد (السلطان أبو العلا) ومنع الرجال لها من الدخول لأداء صلاة الجنازة على (ستها)!
وكيف اختبأت داخل سيارة نقل الموتى قبل وضع جثمان (جدتها) للسير بها إلى مثواها الأخير ، وانكفائها على قبرها ليال طويلة (تولول وتبكى وتنتحب) وعندما عضها الجوع وجدت نفسها داخل براح المقابر على ظهر هذه الدنيا وحيدة ، وزوج (خالتها) الذى كان يكفلها ” فص ملح وداب ” ككرة ثلج ألقيت بالقرب من (مدار الجدى) وقت الظهيرة بوسط مدينة واسعة ، شوارعها
مرصوفة بالأسفلت ، ومزدحمة بكل المتناقضات .
= تعود من الذكرى العابرة لتبتلعها دوامات كثيفة من دخان أسود لسيارة ” فاقع لونها ” كانت تعبر طول الشارع الضيق المار على رؤوس الحارات المتفرع من إحداها الزقاق القابعة فيه .
ــ تتفلت من بين فكيها قليل من الحروف المبهمة .. تحاول أن تلضمها فى خيط واحد لتكون معلومة الأبعاد .
ينفرط عقد الخيط على قارعة الطريق .. تتساقط الحروف من فيها فرادى .. تكون كلمات متناثرة المعانى .
ــ واحد .. إثنين .. ثلاثة .. عشرة ..
ــ هنا تنتهى لتصل إلى حد الكفاية ــ
فهى الآن تقترب من سن العاشرة , ولكن السن الحقيقى للإنسان ينطق به الحكماء فقط ، والعالمون ببواطن الأمور ، وجهد الأحياء على ظهر هذه الدنيا ، وما فى حكمهم من الذين يكابدون الحياة ، ويعانون على مدار الساعة .
ــ مع أن قانون (الأمم المتحدة) يقر أن أطفال الشوارع سبة فى جبين بلدان العالم الثالث ، والدول المتحضرة على حد سواء ..
ــ بيد أن الخيال يتمدد داخل صفحات كتب التاريخ المعلقة على جدران الزمن ، منذ حكم الفرعون الأول وحتى الساعة.
= تخطو بخطوات بطيئة خارج حارات الحى كعادتها بعد انكفائها على قبر (جدتها) ساعات ، بعدما واراها التراب لتجد نفسها وحيدة تائهة على ظهر هذه الدنيا!
تتلقاها إحدى الأيادى المرتعشة عند نهاية شارع (شنن) وبداية شارع (السبتية) أمام (درب الجمالة) .
تكفكف عنها الدموع المسالة من مآقيها بحاراً .
ــ ما اسمك؟
ــ لاتهم الأسماء!
ــ يجب علينا تخطى الأزمان والأسماء البلهاء!!
ــ أحسنتِ .. إن ما جعلنا نتذيل قوائم دول العالم إلا الغلو حول الأنا ..
ــ كم عمرك؟
ــ آلاف السنين!
ــ أراكِ لا تتجاوزين العاشرة ، أو التاسعة من عمرك .
ــ هذا فى الظاهر .. أما الباطن فيعلمه القاصى والدانى ..
ــ أين مقامك؟
ــ دائماً على الهامش .
ــ منطق بليغ!
ــ أنى لك به؟!
ــ سلْ الأزقة والحوارى والميادين الشاهدة على العويل ومنطق الحيارى .. بل
سلْ أصحاب القلوب المتحجرة بكل أنواع الكِبْر والصّلفُ والعنفوان ، وهم ضيوف على وجه هذه الدنيا الفانية .
ــ تلتهب حدقات السائل .. تلفظه كل الأماكن فى لحظة واحدة .
يرتكن (الرجل) البدين المنتفخة بطنه إلى (حَجَر) بجوار السور المقابل إلى وقفته ، تنفذ من فوقة ظل بعض أوراق عريضة لأشجار دائمة الظل من داخل هذا السور .
ما أن ارتكن (الرجل) بقاعدته الضخمة على (الحَجر) وجده (أحَدَب) لم يجعله مستريحاً لجلسته ، ومن ثم هاجمته روائح شواء (للحم ضأن) من داخل السور الشاهق الارتفاع .. زكت أنفه وصدره الضيق ، وقَلّبَتْ عليه المواجع , ومصدرها البناية الفاخرة التى يلفها هذا السور .
ــ حاول جاهداً بعثرة الروائح المقبلة على (البنت) رغماً عنها مخافة ، الجور على مداركها فتخور قواها بين يديه ، قبل أن ينهى الحوار الذى يبتغيه بحثاً عن إجابة لسؤال أعياه لسنين طويلة فى دورانه المحموم ، وقبل أن يصل إلى هذه (النفخة) التى هو عليها ، ورصيده البنكى الذى يقدر بآلاف الجنيهات .
ــ تطلق (البنت) زفرة مدوية يرتج لها المكان بما حوى ، ثم رمته بنظرة حارقة ، اختلفت معها ضلوعه التى بين جنبيه ، وبحنق قالت له :
ــ ماذا تريدين منى؟
ــ ما عليك غير أن تبتاع علبة (مناديل ورقية) أو تتركنى لحال سبيلى أنجز (مقطوعيتى) التى حددتها لى (المعلمة) .
ــ ومن تكون (المعلمة)؟
امرأة حملتنى من الشارع عندما تنكر لى الجميع ، وتركونى أياماً وليالٍ طويلة أبيت على الأرصفة وتحت الكبارى ، بلا رداء ولا كسرة خبز تقيم أودى .
ــ ما درجة قرابتها لك؟
ــ أقرب من أمى التى هربت مع (رجل) قيل عنه أنه فظ .. وقبل أن تنطبع صورتها بالكامل بداخلى!!
يهتز جسد الرجل فجأة بلا مقدمات ، وتنهدل شفته السفلى على ذقنه وكأنها سارت شبه مقطوعة..
ــ وما اسم أمك؟
ــ هل سنعود ثانياً للأسماء؟
ــ لا تؤاخذينى ..
ــ ماذا قلت أيها الرجل فيما طرحته عليك؟
ــ هب أنى اشتريت منك كل هذه ” الرصات ” من علب (المناديل الورقية).. فكم تساوى؟
ــ خمسون جنيهاً مثلاً !
ــ وهب أنِ أعطيتك مائة جنيهاً كاملة؟
ــ ماذا أنتِ صانعة بالفرق؟
ــ هو رزق من عند الله ساقه فى طريقى .
ــ هل ستأخذين الفرق لكِ بعيداً عن (المعلمة)؟
ــ هذا أسلوب ليس فى (كارنا) من يفعل ذلك يلقى الكى بالنار يا عم ..
ــ ومن ذا الذى سوف يبلغ (المعلمة) بأنى أعطيتك أكثر من القيمة المحددة؟
ــ أنا التى سوف أبلغها .. إنها مسألة ضمير يا عم .
= دعينا من كل هذه السفسطة .. عندى لك عرض آخر .
ــ ماذا لو استضفتك عندى ، وأجزلت لك العطاء ، واتخذتك كابنة.. و.. و..؟
ــ يبدو أنى منحتك وقتاً أكثر من اللازم .. كان يجب علىّ أن أفهم بأنك لا تمتلك سيارة ، ولن تشترى علبة واحدة من (المناديل الورقية) التى أحملها .
ــ سلام يا عم .
دخل هاجس شيطانى بروع (البنت) من أسئلة (الرجل) وبسرعة البرق أطلقت للريح ساقيها الصغيرتين فى اتجاه (درب الجمالة) ومن بعده إلى” زقاق القصور” محل سكن (المعلمة) .
ــ فى نفس اللحظة هبَّ (الرجل) واقفاً من جلسته ، وتهيأ أن يهرول خلف (البنت) التى تفلتت من بين يديه فى لمح من البصر ، ومنعه من تنفيذ هذا بدانة جسده الضخم .
ــ فى أقل من لحظة وكأن الأرض انشقت وأخرجت من بطنها (ثلة) من الأطفال جميعهم دون العاشرة .. التفوا حول (الرجل) فى ثانية ، وخلوا بينه وبين (البنت) التى أطلقت للريح ساقيها الصغيرتين بكل سرعة .
= قلب (الرجل) ناظريه فى كل اتجاه ، وذهب خياله إلى سنين بعيدة فائتة ، أوصلته إلى نفس النقطة التى فشل فيها وهو فى سن هذه (البنت) بإطلاق ساقيه للريح مثلما فعلت ، حتى قبضت عليه يد المعلم (مفتاح) الغليظة ولطمته اليد الأخرى على (قفاه) فور هبوطه من القطار القادم من أقاصى الصعيد بمحطة مصر (باب الحديد) وهو ابن التاسعة فى رحلة فراره الأولى .
= زاغت (البنت) عن كل العيون ، وكأنما انشقت الأرض وابتلعتها .
ــ ارتمت فى (حجر المعلمةْ) وأنفاسها متهدجة ..
ــ بقلب غليظ ويد قاسية ولسان كالمبرد ، قابلتها (المعلمةْ) قائلة:
ــ مالك يابنت؟
ــ رَجُل بدين اعترض طريقى ، وعرض علىّ استضافتى عنده ، وقال أنه سيتخذنى كابنة .
ــ وماذا أجبت عليه؟
ــ (زُغت) منه ، وهأنذا بين يديك يا معلمة .
ــ ليتك ذهبت معه وريحتينى من وشك العكر .
انفجرت (البنت) فى نوبة من النحيب المتصل ، وقبل أن تستقر فى مكانها تحت (حنية) السلم سمعت صياح (المعلمة) يشق العباب من حولها :
ــ (إنتِ حتقعدى جنبى .. فزى شوفى وراكِ إيه) .
لملمت (البنت) علب (المناديل الورقية) وأعادت (رصها) وحملتها وذهبت فى الاتجاه المعاكس.
ــ ما أن وصلت إلى بداية موقف (الترجمان) الجديد بشارع (شنن) وعلى مسافة لا تتعدى عشرة خطوات منه ، لمحت (سيدة) ممشوقة القوام ترتدى فستاناً على آخر خطوط الموضة ، تخطو بخطوات الواثقة من قدراتها على إظهار أنوثتها الطاغية للجميع ناحية الباب الأيمن الأمامى لسيارة ، تماثل السيارة ” الزرقاء ” صاحبة الفرملة (الزاعقة) التى رأتها فى حلم ليلة الأمس ، رأتها تتلفت يميناً ويسارا ، وكأنها تبحث عن شىء ثمين فقدته من فورها .
ــ تقدمت ناحيتها بخطوات حذرة .. وهى تستجديها بصوت خفيض .. (علبة مناديل) يا هانم؟
ولحظها يفتش السيارة عن (البيه) الجالس على عجلة القيادة ، بصفته المنفق ، فلم تره ..
زاد يقينها بأن (السيدة) ستبتاع حتماً (علبة مناديل) أو على الأقل ستضع يدها فى (أهيف ، أوحتة بخمسة) وتمنحها إياها حتى تحل عن سماها ، وتدعها فى الحالة التى هى عليها .
ــ لم تكرر أسلوب الاستجداء التى بدأت به .. بعدما فتحت (السيدة) باب السيارة وجلست بالكرسى المجاور لعجلة القيادة ، وعدلت من هندامها وسوت تصفيف شعرها وهى تنظر فى المرآة ، ثم ما برحت ومدت يدها وتناولت شنطة اليد .. أخرجت ورقة مالية فئة العشرين جنيهاً وأعطتها إياها .
ــ تهلل وجه (البنت) بشراً ولم تعقب ، خاصة وأن (السيدة) لم تنبس ببنت شفة ..
ــ قبل أن تنطلق (البنت) وتترك هيكل السيارة رأت (الرجل المنفوخ) إياه يفتح الباب الأيسر الأمامى للسيارة ويندلف داخلها ، وكأنه عائد من معركة طاحنة ، وجميع الأسنة والسهام التى أطلقت بتلك المعركة أصابته بمفرده دون غيرة .
ــ تسمرت فى مكانها ، وأخفضت من هامتها فى محاذاة سقف السيارة ، حتى لا يكتشف (الرجل) وجهها ويتعرف عليها .
ــ فى نفس اللحظة كانت (السيدة) تغلق الشنطة وتضعها على (شلتة) الكرسى الخلفى للسيارة .. بصرت فوق (غمازة) الخد الأيسر (للسيدة) الهلال المقلوب المطبوع بذاكرتها .
سدت (البنت) فمها بكف يدها الأيمن ، حتى تكتم الصرخة المدوية التى كادت تنطلق منها!!
ــ فجأة..
أحست بأصابع (السيدة) ” تملس ” على شعرها (المنكوش) وكأن كرة من الثلج ألقيت من القطب الشمالى بالقرب من قلبها المرتعش ، وسط هجير شوارع المدينة المزدحمة بكل المتناقضات واستقرت فوق صدرها المضطرب ، ونزلت برداً وسلاماً فأركستها أرضاً على الرصيف القريب من كعبى قدميها .
ــ صرخت (السيدة) صرخة سمعها الوليد فى بطن أمه بجوار مقام سيدى (السيد أحمد البدوى) بمدينة طنطا ، وعم السلطان ” الحسين بن على ” والمشهور بمسجد ” أبو العلا “.
شربات ” إبنتى “؟!!
ــ أفاقت (البنت) من نوبة الإغماءة الطويلة التى لم تعرف مداها .. لتجد شعرها (المنكوش) مصففاً على أحسن ما يكون ، وفى أحى حلة .
ــ لم تستطع أن تطرح الأسئلة التى أعيتها زمناً طويلاً ، عن الأسباب الحقيقية التى جعلت ” أمها ” تهرب مع هذا (الرجل) الفظ البدين ، وإن أحست منه ما جعلها تغير هذه النظرة إلى حين .. بعد ما رأت بأم رأسها الأولاد والبنات أمثالها انقطعوا عن (الفيلا) مقر إقامتها الجديد ، ولم يعد منهم أحد يدخلها ليلاً أو نهاراً ، ويخرجون محملين بنفس البضاعة الملفوفة فى ورق (السيلوفان) كالتى كان يتاجر بها (المعلم) الأول الذى التقطها من الشارع يوم أن عضها الجوع ، وضلت الطريق فوق ظهر هذه الدنيا بعد دفن جثمان (جدتها) لأمها.

السابق
ثورة
التالي
ارهابيون

اترك تعليقاً