القصة القصيرة

حُلم

في الوقت المحدد ذهبت.. ركبت السيارة .. وبيدي صحيفتي المفضلة .. ألقيت نظرة سريعة فوق الوجوه الناعسة داخل السيارة .. والعيون التي لم تزل تقاوم النوم ، ارتخيت فوق الكرسي .. السائق ينادي على نفر واحد
ــ فرد واحد .. فرد واحد .. نفر ، نفر ،
الميدان يعج بالمشاة .. علي بعد مائة متر .. غرزة شاي صغيرة .. صاحبها منهمك في تقديم الشاي للسائقين ، والزبائن من الركاب .. وبائع الفول المدمس ينادي ، وهو يعُد بعض السندوتشات للموظفين :
ــ الفول المدمس الحلو ..
وبائع الصحف واقف علي الرصيف .. وتحت أبطه كومة من الجرائد والمجلات …
ـــ مازال الوقت مبكراً
وأنا أتلفت على جارتي .. ربما تأتي لنذهب سوياً .. ورحت أفكر ، وأسرح بعقلي ، وتركة لعقلي عنان الخيال ، ورحت أتخيل .. وأحلم … ” حلمت .. بالنجاح في الامتحان ، والوظيفة .. والزواج .. والبيت .. والأسرة .. والأولاد .. والاستقرار والحياة الكريمة … و .. و … و.. ”
أخيراً انطلقت العربة.. فوق الطريق الزراعية.. راحت عيناي تلتهم كل ما يقابلها في الطريق .. الحقول الخضراء .. النخيل .. البيوت .. الناس .. الأنعام المبدورة وسط الحقول .. بعض الدكاكين تفتح أبوابها.. العربات الملونة تسبح في نهر الشارع .. والشمس تُعاكس السائق ، الذي يرفع يده، ويشير للذين يلوحون له بأيديهم ليقف لهم .. يضرب ” تلكسات ” يهدئ من سرعته .. أمام احد المدارس وهو منهمك في معالجة شريط ” الكاست”.. فيخرج الصوت مشروخ .. يضرب المسجل بيده.. يخرج الشريط مرة أخرى .. يهزه بيده ، يضربه ” بتبلون ” العربية.. يضغط عليه مرة أخرى ، يدخله في الكاست ، بعدما ينفخ فيه بفمه.. والصوت لم يزل مشروخاُ يردد خلف المغني ..
ــ غلطة .. وندمان عليها ؟..
أخرجت سيجارة من جيبي ، أشعلتها .. نفخت الدخان بعيداً .. قلبت الصحيفة بين يدي .. دسست وجهي بين اوراقها .. نظرت في ساعة معصمي .. كانت تشير للتاسعة صباحاً .. ورحت أردد في نفسي …
ــ ما زال الوقت مبكراً ..؟
الموقف قريب من ميدان الثقافة .. ترجلت .. حتى وصلت قلب الميدان .. فردت خطواتي .. حتى أتفادى زحمة العربات .. مسكت قدمي الرصيف .. الجدار علق عليه إعلان ضخم .. للفنان احمد أدم ” شجيع السينما ” تذكرت الضجة الإعلامية حول هذا الفيلم .. فكرت أن أدخل لأشاهد العرض .. منعني الخوف من التأخير عن المعاد .. فتابعت السير ، والتسكع .. علي الطريق .. ريثما أصل المكان ،
ــ مازال الوقت مبكراُ
ها هو مستشفي الهلال .. رابض أمامي .. بجوار سوق الخضار .. كما وصف ليّ تماماً .. تأكدت من أنني لم أضل الطريق .. سألت أحد البائعين الجائلين عن المكان فأشار بيده نحو المبني المجاور .. هززت له رأسي .. شكرته ، مبتسماً .. واصلت السير .. وأصوات الباعة في السوق ، تعلو ، وتنادي بأثمان السلع .. مع أصوات العربات المزعجة الفظيعة .. فكدت أسٌد أٌذني من شدة الضجيج .. وأخيراً وصلت ، دخلت المبني . كان مليئاً بالعمال ، ومعدات البناء ، وبقايا أنقاض الهدم ، يبدو أنه ترميم لبعض جدرانه .. تصفحت الفناء .. الأدراج المدرسية .. ملقاة ، ومعطوبة علي الأرض ، وبجوار الباب الرئيسي أكوام بعضها فوق بعض ، وعدد لا بأس به من المتقدمين للمسابقة جلوساً على بعضها ’ وقد حضروا باكر ، للمسابقة المعلن عنها .. والباقي يحضر تباعاً .. جلست على مقعد دراسي بجوار الباب الجديد .. نظرت في ساعت معصمي ..كانت تشير للعاشرة صباحاً .
ــ لم يزل الوقت مبكراً ..
ليلة أمس قالت ليّ جارتي .. أنها تقدمت لهذه المسابقة .. جٌلت ببصري بحثاً عنها وسط الزحام ، فلم أجدها .. ثم كررت المحاولة مرة أخري .. لعلى ، وعسى أن أجدها .. ولكن دون جدوى .. أخرجت علبة سجائري .. أشعلت واحدة .. وراح عقلي يسرح في أشياء كثيرة .. ويسبح في دنيا الخيال ….
” حلمت بالوظيفة .. والتعيين في القطاع العام .. والزواج بمن أحب .. والبيت .. والأسرة ، والأولاد .. والاستقرار.. والحياة الكريمة …. و… و…”
أفقت علي صوت أجش .. ينبعث من جثة ضخمة .. يقف في الدور الثاني .. يلقي التعليمات علي من حضر من المتقدمين للمسابقة الواقفين في انتظار الأسماء …
ــ من واحد إلي مائة ، يصعدوا لأعلي .. ومن مائة إلي مائتين ، يقفون بجوار السبورة هناك …و ……؟!
اندفعت مع الكتل البشرية المتزاحمة .. المتدافعة كقطعان الماشية .. اختفيت وسط الزحام ، حتى وصلت إلي صاحب الصوت .. دفعت إليه ــ بصعوبة بالغة ــ الورقة التي أحضرها لي ساعي البريد بالأمس ــ لفني بنظرة حادة .. وقال ليَ وهو يبتسم ابتسامة باردة ، باهتة ، بلهاء
ــ احنا عوزين يا استاذ رقم الإيصال ..؟!!
أحد الواقفين بجواري .. استوضح منه الأمر أكثر .. ثم أخبره بأن الإيصال قد فقد منه ..فلم يرد عليه بشيء .. والكتل البشرية الملتفة ، المتدافعة حولي .. تكاد تمنع عني الهواء.. بصعوبة بالغة انسحبت من بينهم ..جلست علي اقرب اريكة .. ريثما أشتم نفسي .. برهة أخرجت فيها .. حافظة نقودي المموهة .. المزدحمة بالأوراق في جيبي .. أبحث فيها عن الإيصال .. أخرجت أحشائها كاملة ، وضعت كل ما فيها أمامي .. محتوياتها .. ” صورة من المؤهل الدراسي .. بطاقة الرقم القومي .. صورة شهادة الخدمة العسكرية .. شهادة وفاة والدي، الذي رحل عن الدنيا منذ عام .. أٌقصوصة ورق بها أرقام تلفونات .. إعلان صغير قطعته ، من جرية المساء .. عن مجموعتي القصصية الجديدة .. مبلغ زهيد من المال ، لا يتعدى المائة جنيه مصري ” .. هذا كل ما كان في حافظتي القديمة ” …
بسرعة البرق أعدت كل شيء الي مكانه.. هرولت خلف الرجل الضخم .. أخذت أناديه بكل صوتي .. لكن صوتي قد ابتلعته الأصوات العالية .. المرتفعة ، المتشابكة ، المتداخلة .. فدخلت وسط الزحام من جديد ، فدفعتني أمواج البشر المتدفقة .. حتى وجدت نفسي أمام السبورة الخشبية .. التي علقت عليها كشوف أسماء ، وأرقام المتقدمين للمسابقة، نظرت فيها بحثاً ، وأخيراً تعرفت علي اسمي ورقمي بصعوبة بالغة .. فتذكرت جارتي ، فبحثت عن اسمها ، وعن رقمها إشفاقاً مني عليها من هذا الزحام القاتل ، فلم أجده ، ولم أستطع بأن أتعرف عليه.. فعدت إلي مكاني الأول ، بجوار الباب الرئيس في ارتباك، وقلق ، وحيرة ، جلست أراقب وأترقب .. أنظر.. وأنتظر دوري في دخول اللجنة التي ستمتحنني .. برهة تركة فيها لعقلي عنان الخيال ، ورحت أتخيل .. وأحلم من جديد …
” حلمت .. بالنجاح في الامتحان ، والوظيفة .. والزواج. .. والبيت .. والاسرة .. والاستقرار، والأولاد .. والحياة الكريمة .. و … و … و .. ”
انتبهت على صوت جارتي ، وهي تكلمني بصوت رقيق ، ويدها تهزني لأعود إلي نفسي ، وإلى تلك المدرسة المكتظة بالبشر ، من متقدمين من الجنسين للمسابقة التي أعلوا عنها من أيام وقد .. وضعت على وجهها ابتسامة جميلة .. متفائلة
ــ أنت من بدري هنا ،،؟
ــ أنا بحثت عن اسمك ورقمك ، فلم أعثر عليه
ــ أنا وجدته .. أسمك ، ورقمك بيـ نادوا عليه ، قم ، واذهب إليهم بسرعة ..؟…
ــ ……….
كان نفس الصوت الأجش ، ينبعث من نقس الجثة الضخمة .. لنفس الرجل الأصلع المنتفخ بكرشه.. يقف في الدور الثاني .. ينادي على أسمي ، ورقمي في التسلسل الخمسون بعد المائة ، ومازال يجيب على أسئلة بعض المتقدمين للمسابقة ، والواقفين في انتظار أسمائهم ، ويلقي عليهم التعليمات الصارمة ، ويطلب منهم الهدوء والصمت حتى يستطيع كل واحد أن يسمع اسمه ورقمه .. اندفعت نحوه بسرعة الصاروخ ، أو كالطلقة الطائشة التي خرجت من السلاح على غير هدى ، ثواني وكنت بجواره ، الهث ، وأنا أقدم له الإيصال ، نتشه من يدي وهو يدفع بي إلي الداخل .. اللجنة عبارة عن عدة لجان ، كل اثنين ، أو ثلاث نفر ، في ركن ما وأمامهم شاب ، أو فتاة ، والأسئلة شفهي ، عبارة عن سين وجيم من غير ، لا ورقة ، ولا قلم ، وطبعاً بعد أن ُتقدم هويتك ، ويراجع أسمك في الكشوف التي أمامهم ، وكلاً في تخصصه ، ومن ثمَّ يعطوك درجة ، ويضعوا لك نتيجة مبدئية ، وهذا الامتحان تمهيدي ، ثم يرقي الناجحون بعد ذلك ، ويصعدون ، إلي امتحان أخر، يكون هناك في ” القاهرة ” ويكون شفهي ، وتحريري أيضاً ، ومن ثَمَّ في الأخير ، المقابلة الشخصية … المهم … أديت الامتحان ، وخرجت ، بحثت عن جارتي ، فلم أجدها ، فص ملح وذاب ، فانتظرت قليلاً ، ربما تكون قد دخلت إحدى اللجان ، جلست تحت الشجرة ، أنتظرها حتى أسألها ، عن اجتيازها للامتحان ، ولنعود سوياً ، ومرت ساعة من الوقت ، وأنا أنتظرها .. أخرجت علبة سجائري ، أشعلت واحدة وجلست أنتظر … حتى طال انتظاري ….

السابق
ناشط
التالي
الشك

اترك تعليقاً